العدد السادس عشر - تشرين الثاني 2006

حوار صحافي مع معالي وزير العمل اللبناني

د. طراد حماده
الجمعة 17 تشرين الثاني (نوفمبر) 2006.
 

المقاومة هي رد فعل طبيعي للجسم عندما يتعرض لخطر ما، وبالتالي لا يمكن ـ لأي جسم يشعر بتهديد إلا أن يدافع عن هذا الوجود في وجه ذلك التهديد. بالتالي، الحياة ـ في معنى من المعاني ـ هي عمل مقاوم مستمرـ هذا من الزاوية الفلسفية إذا شئت، أما في المفهوم السياسي، ..فالمقاومة هي فعل ضد عدوان صريح وواضح يستهدف حياة أمة، وسلامة وطن، وحرية شعب. المقاومة اللبنانية أوالمقاومة الاسلامية تندرج أيضاً ضمن هذا التعريف العام

 في ما خص وظائف المقاومة، فلها وظيفتان أساسيتان اليوم:

الوظيفة الأولى: مقاومة الاحتلال.

الوظيفة الثانية: تصفية آثار هذا الاحتلال ومعالجة تداعياته من جرحى، أسرى، شهداء، .. دمار اقتصادي عمراني، ..مشاكل اجتماعية إلى ما هنالك...

بالنسبة لمقاومة الاحتلال هنالك أجزاء عزيزة من الأرض اللبنانية ما تزال محتلة، وهنالك أيضاً أسرى في سجون الاحتلال إضافة إلى ذلك هنالك دور للمقاومة في مواجهة التهديد الإسرائيلي المستمر، والخروقات الإسرائيلية المستمرة للأرض والمياه والأجواء اللبنانية...

على كل طرح جدي.

بالمناسبة أقول ل تحولات أن نقاشاً مماثلاً كان في أوربا في أعقاب الحرب العالمية الثانية حول دور المقاومة، ولعل أهم ما طرح على المستوى الفكري هو ما طرحه الفيلسوف الوجودي جان بول ساتر حول دور المقاومة بعد التحرير في مواجهة آثار ما أنجزته، أو ما صنعته من نصر وتحرير.

في لبنان، ثمة وظائف ومهام وتبعات ونتائج لفعل المقاومة ما زالت مستمرة، ولا يمكن للمقاومة أن تتخلى عن حقوقها وواجباتها في هذا مجال. إضافة لكل ذلك تبرز مسألة حماية لبنان، وهذا الموضوع يخضع لنقاش واسع في لبنان، ولم ينته الحوار في شأنه

- معالي الوزير الإشكالية المطروحة أمام المقاومة اليوم في أنها إلى جانب فعلها المقاوم ضد الاحتلال، تؤلب فريضاً داخلياً ضدها تحت عنوان أنها مقاومة إسلامية وهنالك أن كتابات عديدة ظهرت في الآونة الأخيرة تناولت المقاومة من هذه الزاوية، ومنذ أيام كتب محمد كشلي حول الموضوع، وقد وجه أسئلة إلى حزب الله، معتبراً أن المقاومة ـ بهذا المعنى ـ تعيش في غرف مقفلة؟

المقاومة التي يقودها حزب الله أوالمقاومة الإسلامية ـ والتسمية هنا لا تغير حقيقة أو جوهر المقاومة في شيء ـ هي مقاومة صرف لبنانية وتحقق أهدافاً على الأرض اللبنانية، وهذه الأهداف هي لبنانية بامتياز. هنالك ـ في الواقع ـ عدة عوامل جعلت هذه المقاومة يغلب عليها طابع المقاومة الإسلامية، ومنها العامل الأساسي في كون العدو الإسرائيلي كان يحتل بشكل أساسي مناطق الجنوب والبقاع الغربي، وهذه المناطق فيها وجود كثيف لحزب الله، وبطبيعة الحال كان دور الحزب أساسياً في المقاومة على المستويات السياسية والشعبية والميدانية. أضف إلى ذلك، أن هنالك قوى سياسية، ولأسباب ذاتية، أو محلية أو إقليمية انسحبت من القيام بواجباتها في المقاومة، ولم يمارس حزب الله الضغط على أحد لوقف مساهمته في المقاومة، والكل يعرف أن حزب الله دعا باستمرار الجميع للمشاركة في تحمل أعباء المقاومة والمشاركة فيها من خلال السرايا اللبنانية وغيرها من الأطر الهادفة لتوسيع إطار المقاومة. والدليل على ذلك، في الحرب الأخيرة، هنالك قوى سياسية وحزبية عديدة شاركت في المقاومة والقتال ضد المحتل الإسرائيلي، فعلى سبيل المثال، في منطقة مرجعيون قاتل الحزب القومي كما قاتل الحزب الشيوعي في مناطق أخرى، كما أن حركة أمل لعبت دوراً أساسياً في مقاومة العدوان الإسرائيلي، وفي البقاع الغربي أيضاً شاركت قوى قومية وناصرية في أعمال دعم المقاومة، إذاً حزب الله لم يمنع أحداً من أن يمارس دوره وواجبه في المقاومة والدفاع عن الوطن. في كل الأحوال، تجارب الأمم والشعوب تدل على أنه من الطبيعي أن تضطلع قوة سياسية ما أو حزب ما، .. بدور قيادة المقاومة نتيجة ظروف وعوامل مختلفة، فإذا أخذنا المقاومة الفلسطينية لفترة طويلة من الزمن، فكان قرار المقاومة هو قرار حركة فتح، واليوم تقود حركة حماس أصوليات ليبرالية المقاومة في فلسطين.

 

هنالك تهمة أخرى توجـّه للمقاومة تتمثل في أنها كما يقول البعض تبني دولة داخل دولة، ما ردك؟

هذا ليس صحيحاً، لا بل هذا نوع من التجني، ومن يقول هذا القول، لا يدرك حقيقة حزب الله، ولا حقيقة المقاومة. المقاومة أكثر انفتاحاً على المستوى الوطني، فهي تنتسب إلى تراث من الاجتهاد والانفتاح والاعتراف بالآخر، فيما أشكال سياسية تتواجد هنا وهناك، تتصف ب الانغلاق والأصولية والتعصب وعدم الاعتراف بالآخر، وبالتالي تراث هذه المقاومة، أي التراث الفقهي والديني والسياسي، هو تراث يفوق في انفتاحه حركات سياسية كثيرة في العالم الاسلامي، وأيضاً يفوق انفتاح بعض الحركات العلمانية التي تمارس أصولية متزمتة، فالأصولية ليست فقط أصولية دينية هنالك أصولية علمانية، .. وأصولية ليبرالية، وغيرها...وهذه الأصوليات في حد ذاتها تمثل أنظمة مغلقة على مستوى ممارسة الديمقراطية داخل أطرها. أضف إلى ذلك، أنه لو نظرنا إلى تنظيم حزب الله لوجدنا أنه تنظيم منفتح، ليس فيه أثر لأسر وعائلات أو سلالات تمارس السلطة بالوراثة، فالكفاءة وحدها هي التي تحدد دور الفرد فيه، لذلك نجد أن صغار الكسبة، والموظفين، ورجال الدين الشباب، والعمال والفلاحين، كلهم يشاركون في القرار والسلطة بمستوياتها المختلفة. أما بيئة حزب الله فهي بيئة انفتاحية، فالجنوب مثلاً كان على الدوام مركزاً للإشعاع والإبداع الفني الأدبي السياسي العلمي الثقافي المعرفي، وهنالك مساهمة كبيرة قدّمها أهل الجنوب في إغناء حركة الفكر والثقافة والفن في لبنان، وليس صدفة أن يكون وليد غلمية مثلاً ابن الجنوب، إضافة إلى غيره الكثيرين من المبدعين، .. وليس صدفة أيضاً أن يكون رؤساء حكومات من الجنوب، فالرئيس الشهيد رفيق الحريري هو ابن الجنوب، كذلك الرئيس السنيورة هو ابن الجنوب، فهذه المنطقة مميزة ومنفتحة كما على الداخل، ..كذلك على العالم.

هنالك أيضاً من يقول أن حزب الله هو حزب شمولي وبالتالي لا قدرة له للتفاهم مع الآخر، وبالتالي مطلوب منه أن يجري عملية نقد ذاتي واسع، ما تعليقك؟

ـ أنا اختصاصي في الفلسفة الإسلامية، درست هذه الفلسفة وكان جلّ اهتمامي بالجانب الميتافيزيقي، ووصلت إلى الفلسفة الاسلامية بعد تجارب عديدة، وقراءات معمقة للتيارات السياسية المتعددة، القومية ـ الليبرالية ـ الماركسية الشيوعية على اختلاف مدارسها، وصولاً إلى التطورات الأخيرة التي طرأت على الفكر السياسي والاجتماعي العالمي مع نهاية القرن العشرين وبداية الألفية الثالثة، لذلك وبكل ثقة أقول لك، أن حزب الله بعيد كل البعد عن الشمولية، بالمعنى الذي يقصده البعض، أي الحزب المغلق الذي لا يقبل بالحقيقة خارجه، بل يعتقد أن الحقيقة متحصلة، وهو يفرض على الأخرين أن يسلكوا مسلكه ووفقاً لرؤيته الأحادية.

حزب الله ليس من هذا النوع، لأنه ينتمي إلى خلفية فكرية عقائدية تقوم على مبدأ الاجتهاد والتقليد، والتقليد عندنا ليس من الأصول بل من الفروع، والتقليد عمل حر مباشر، وهنالك حرية مطلقة على عكس مدارس أخرى. إذا درست الموضوع من زاوية فقهية، فنحن أهل الحقيقة ولسنا أهل الطريقة، ليس لدينا شيخ نتبعه، أو أمير جماعة، ولا شيخ مريد، ..فأنا أرحل رحلتي الذاتية إلى الله سبحانه وتعالى، وهذا الأمر لا يتعلق لا بالشيخ ولا بأي شخص أخر. وكما في الأمور الفقهية، كذلك في السياسة، خذ مثلاً، النموذج الإيراني إنه نموذج منفتح على الديمقراطية والانتخابات والتجديد وعلم الكلام الجديد، ويقوم على الحوار إنساننا.. إنسانهم والنقاش، وفيه تداول للسلطة.

بعد الحرب الأخيرة التي حصلت، ما هي الآفاق المفتوحة أمام المقاومة، وإلى أي مدى ستساهم هذه المقاومة في استنهاض مقاومات أخرى في مناطق أخرى من العالم العربي، ..في فلسطين والعراق وعيرهما من البلدان؟

هذه المقاومة في انتصارها على العدو، حققت جملة مكاسب استراتيجية لعل أهمها إثباتها أن تربية الانسان على المستوى النفسي والروحي وإعداده على المستوى العسكري والعلمي والتقني جعلاه قادراً على أن يكسر أو أن يغلب الجندي الإسرائيلي. في الماضي كان عندنا نقص على مستوى إعداد الانسان الذي يواجه، وهذا بالضبط ما توفر للمقاومة نتيجة مجموعة من العوامل بحيث أن إنساننا تمكن من غلب إنسانهم، وهذه نقطة مهمة جداً في إعادة بناء الثقة بالذات، والثقة بقدرة إنساننا على الصمود والتحدي، إضافة إلى أن تضحيات شعبنا وقدرته على تحمل حسمت إلى حدّ كبير نتائج هذه المعركة، فيما قدرة العدو على التحمل محدودة بالنظر إلى خصوصية هذا العدو وهشاشة بنائه الاجتماعي والنفسي. وكان لافتاً ما ورد في رسائل سماحة السيد حسن نصر الله أبان الحرب الأخيرة من إشارات عديدة حول هذا الأمر، حين قال أن النصر سيكون لمن يقدر على التحمل أكثر والصبر لفترة أطول، وهذه حقيقة يعرفها العدو جيداً، لذلك لجأ هذا العدو بمؤازرة من الأعلام المعادي إلى تضخيم الخسائر في الجانب اللبناني كي يقال أن هذه الخسائر تمنع الحرب، .. أو تمنع التفكير بالمقاومة، .. لأنه إذا كانت الفكرة تتحول إلى إرادة، .. والإرادة تتحول إلى فعل، فهم يشتغلون على الفعل ليقوموا بإلغاء الفكرة، فأنت إذا فكرت بالمقاومة ستدفع ثمناً باهظاً وكبيراً جداً، وهنالك ـ مع الأسف ـ من يروج لهذه الفكرة في الداخل. بالعكس، نحن نقول للعدو، أننا قادرون على المقاومة، قادرون على الصمود وقادرون على هزيمتك، ما معنى ما كان المواطن الفقير الصامد يردده أثناء الحرب؟ ما معنى قوله فدى السيد؟ هذا ليس قولاً بسيطاً ولا عابراً، هذا قول يختصر فكرة التضحية، ويعني أن شعبنا قادر على تقديم التضحيات الجسام من أجل التحرر ومقاومة الظلم والاستكبار. في العلم الاستراتيجي العسكري، الحروب تؤخذ أو تربح بمدى قدرة الشعوب على التحمل والصمود، وبمدى ثقتها بقيادتها الحكيمة، التي لا تفرط بحقوقها السياسية، ولا تتاجر بها، وتقف إلى جانبها وتقودها إلى النصر، ..تلك المرأة المسنة التي ظهرت على شاشات الفضائيات لتقول أثناء الحرب أن بيتها في بيروت مهدم، ومنزلها في الجنوب مهدم، وأن كل هذا فدى المقاومة. هذه السيدة اختصرت في كلامها البسيط كل الحقائق عن شعبنا.

[النار.. إلى الداخل]

لديك أبحاث حول الشرق أوسطية، ما هي رؤيتك اليوم بعد التطورات الحاصلة في لبنان وفلسطين والعراق لمستقبل الأوضاع في المنطقة، أي بكلام أخر إلى أين تتجه المنطقة وما هو دور قوى الممانعة في الحفاظ على الهوية والدفاع عن المقدسات؟

المنطقة شهدت متغيرات كبيرة بعد 11 أيلول 2001 وهذه المنطقة هي في حالة حرب، لأن مجرد وجود أكثر من 140000 عسكري أجنبي يعني أننا نشهد حالة حرب، وليس هنالك من عاقل يقول خلاف ذلك. ما معنى هذا الوجود الكثيف لقوات قدمت من قارات أخرى، ماذا نسمي هذا الوضع؟ هل هذا عرس؟ أم حفلة كوكتيل؟ إنها حرب بأشكال ووتائر مختلفة. في العراق تجري اليوم محاولة استدراج لقوى الإرهاب إلى الداخل العراقي، وتحويل نار هذه الحركات الإرهابية إلى الداخل العراقي، أي أن الأمركيين قاموا بعملية تحويل للنيران، وقد نجحوا في هذا الأمر، .. أي في تحويل النيران المشتعلة إلى الداخل العراقي، ومع هذا أخفق الأميركيون في إدارة العراق، وتنامت أعمال مقاومة حقيقية تشكل تهديداً جدياً للاحتلال.أما في لبنان وفلسطين فالوضع مختلف، .. ذلك أن الأميركيين لم يدخلوا إلى هذه المناطق مباشرة، إنما حاولوا الدخول عبر آليات أخرى مثل: رفع شعارات الدمقرطة، .. حريات، .. ثورات شعبية حمراء وصفراء مثل ثورة الأرز، أيضاً عبر دفع أموال هائلة على الميديا الإعلامية لتحويل الوعي الشعبي ونشر أفكار تخدم مصالحهم في المنطقة.

النظام الشرق أوسطي الجديد، ليس البداية، فلطالما كانت هنالك مشاريع قديمة للشرق الأوسط منذ كيسنجر وحتى اليوم، هذا المشروع في نسخته الأخيرة يقوم على فكرة أن إسرائيل هي الدولة الأقوى اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً. هدف هذا المشروع تطويع المنطقة بقوة الميركافا والأباتشي. لكن المقاومة كسرت هذه المعادلة حين أخرجت الميركافا منها. ومشروع رايس الأخيرة في التمييز بين معتدل ومتطرف هو استمرار للعبة قديمة جديدة، تقوم على فكرة تحويل النار إلى الداخل، إنها اللعبة ذاتها، ولكن بسيناريوهات مختلفة.

يرى البعض أنكم أدخلتم إشكالية العلاقة بين المثقف والسلطة إلى الشأن العام من باب الثقافة الواسعة التي تتميزون بها. هل يستطيع المثقف أن يدفع بالسلطة إلى الأمام لما فيه خير المجتمع؟

أشكرك على هذا السؤال، أنا أتيت إلى السياسة من خلفية فكرية تستند إلى مبدأ ولاية الفقيه، .. أنا آتٍ من خلفية فلسفية تحاكي جمهورية أفلاطون، المعرفة هي جزء أساسي في الموضوع، وللمثقف دور كبير في تجسيد الثقافة والمعرفة مسلكاً حياتياً متنوراً، وفي ترجمة هذه الأفكار التي يحملها إلى واقع ملموس، وألا يكون قد ارتكب فعل الخيانة للأمانة التي يحملها، أنا حين أحيد عن منهج المعرفة والأخلاق في إدارة الوزارة، أو أي شأن عام، أكون قد ارتكبت فعل الخيانة ـ لا سمح الله ـ فأنا مؤتمن على حقوق الناس وعلى مصالحهم، وأي فعل مخالف لموجبات الدفاع عن حقوق الناس يفقدني شرعية السلطة التي أمارسها، لأن شرعية السلطة تستند إلى فكرة الحق والعدل بين الناس، والمؤسف أن بعض المثقفين قد أساؤوا إلى أنفسهم بالدرجة الأولى، وإلى الثقافة ودورها في النهوض بالمجتمع بالدرجة الثانية. وأنا آمل أن يلهمني الله سبحانه وتعالى القوة لكي نثبت مفاهيم الحق والخير والجمال في الأفعال لا في الأقوال فحسب.