العدد السادس عشر - تشرين الثاني 2006

لبنان في مرحلة انتقالية من "هدنة رمضان" إلى أزمة مفتوحة

سركيس أبو زيد
الاحد 19 تشرين الثاني (نوفمبر) 2006.
 

ماذا بعد الحرب الإسرائيلية على لبنان وما نتج عنها من تداعيات وتغيرات هامة؟ ماذا عن الأسئلة المعلّقة التي مازالت مطروحة بإلحاح، ولا تجد جواباً نهائياً مقنعاً لها؟

 ماذا عن سلاح حزب الله ومصير حكومة السنيورة وأمن القوات الدولية والخروقات الإسرائيلية، وضبط الحدود البحرية والبرية والجوية، وتنامي الحركات الأصولية والتسريب المحتمل للقاعدة؟

ماذا عن الحالة التي يمرّ بها لبنان؟

 استناداً إلى صراعة وقوة المعطيات الأولية، الإقليمية والداخلية، يمكن استنتاج الملاحظات التالية:

- الوضع في لبنان هو جزء من مشروع "الشرق الأوسط الكبير" المأزوم من أفغانستان وإيران والصومال والسودان مروراً بالعراق وفلسطين ومحيطها. والحرب الأخيرة وضعت لبنان في مركز الاهتمام الدولي، وأكثر من ذلك..في عين العاصفة الإقليمية. وهكذا،.. تحوّل إلى مختبر لأزمات المشرق العربي، وساحة تجاذبات،.. من تبدياتها نزير العودة إلى سياسة المحاور العربية المدعومة من الإدارة الأمريكية بهدف إثارة فتن، بأشكال وأساليب مختلفة، بين محور "الإعتدال" الرسمي على الطريقة الأمريكية، وجبهة المقاومة والممانعة على امتداد العالم العربي.

 

- لبنان اليوم مايزال في مرحلة انتقالية، بانتظار ما ستؤول إليه استحقاقات حاسمة في الفترة المقبلة. ومن أبرز هذه الاستحقاقات: الانتخابات الأمريكية التشريعية والإنتخابات الرئاسية الفرنسية، الملف النووي الإيراني، الأزمات في العراق وفلسطين و"إسرائيل"، ثم تنامي العداء للإدارة الأمريكية..

في ظل هذه المرحلة الإنتقالية دولياً وإقليمياً، يمر لبنان ذاته بمرحلة انتقالية، ولكن على إيقاع متوتر، وحالة غير مستقرة مفتوحة على كل احتمالات التجاذب والإنقسام والتفجر.

الحدود اللبنانية الإسرائيلية تمر بحالة هدنة هشة، هي أشبه باستراحة المحاربين نتيجة الهزيمة التي شكلت صدمة لا سابق لها سياسياً وعسكرياً لـ"إسرائيل" فرضت عليها مراجعة عميقة لوضعها واستراتيجيها العسكرية والأمنية، هذا من جهة. ومن جهة أخرى حاجة حزب الله إلى مرحلة التقاط الأنفاس وإعادة تنظيم قواه. هذه الحالة تراوح الآن بين وقف إطلاق نار حذر وبين تجدد الحرب وفق ما سنؤول إليه جملة التفاعلات الإقليمية والداخلية. ويتخلل هذه اللحظة الزئبقية تهافت إلى تجميع أوراق دولية وإقليمية ولبنانية ليستعملها كل فريق ساعة الحسم،.. بالحرب أو بالتسوية. وخطورة هذا الصراع هي في استغال طابعه الداخلي كل هذه المدة،.. لأن نتائجه ستقرر مصير نفوذ وسلطة كل فريق هنا وهناك.

- من ضمن المرحلة الإنتقالية إقليمياً ودولياً ولبنانياً تتخذ "هدنة رمضان" أهمية خاصة. فمن جهة فقدت الأكثرية النيابية الحاكمة شرعيتها الداخلية، وأصبحت رهينة الخارج نتيجة رهانها الواضح على القرارات الدولية والقوات الدولية والدعم الدولي. ومن جهة أخرى، فإن المقاومة والمعارضة، تجم قواها وتوسع دوائر تأثيرها وتعدّ العدة من أجل تغير الحكومة وإعادة التوازن والإتزان إلى الحكم.

ولكن، ماذا في في احتمالات ما بعد "هدنة رمضان"؟

 الاحتمال الأول: تمديد مدة الهدنة نتيجة لنصيحة أمريكية، خلاصتها أن الحكومة ضعيفة، وغير قادرة على الصمود في وجه القوى الداعية لتغييرها. خصوصاً أن الإدارة الأمريكية غير قادرة حاليا على إنقاذها ونجدتها بسبب الإرباكات العسكرية والسياسية التي تواجهها في فلسطين والعراق، وعلى أكثر من ساحة عربية وشرق أوسطية. كما أن الرئيس بوش بحاجة إلى فترة زمنية إضافية ريثما تتمكن وزيرة خارجيته من تجميع قوى الإعتدال الرسمي العربي، في موقف يوفر مساندة عربية أقوى للحكومة الهشة في لبنان.

الإحتمال الثاني: تجدد الحرب "الإسرائيلية" على لبنان، وربما تتخذ هذه الحرب أبعاداً إقليمية خطيرة هدفها، إضافة إلى ضرب قوة المقاومة، محاصرة سوريا تمهيداً لعزل إيران، أو ربما استغلال تجدد الحرب كمدخل لتحريك عملية السلام في المنطقة.

الإحتمال الثالث: صياغة تسوية تاريخية جديدة في لبنان، نتيجة المأزق الذي يواجه مختلف الأطراف المحلية، على أن يكون الحل انعكاساً لتسوية إقليمية ودولية مازالت معالمها غير واضحة حتى الآن.

في كل الحالات، مازال الوضع في لبنان يتجه إلى مزيد من التوتر والتأزم في ظل الفرز الحاد للمواقع والمواقف والتحالفات.

وبانتظار مخارج لهذا المناخ السلبي المتعدد الرؤوس، لبنان إلى أين ؟ هل نحن حيال أزمة وجودية،.. أم أزمة حكومة وحكم ونظام، أم ستظل مختلف القوى تدور في حلقة التفتيش المستمر عن تسوية شبه مستحيلة في ظل تأزم إقليمي ودولي شديد التعقيد؟