العدد السادس عشر - تشرين الثاني 2006

اختبارات الاستراتيجية الإسرائيلية في فلسطين ولبنان (1 ـ 3 )

محمود حيدر
الاحد 19 تشرين الثاني (نوفمبر) 2006.
 

نهاية أطروحة الاحتلال

 

تسعى هذه الورقة إلى بيان منازل التحولات العميقة التي طرأت على أطروحة الاحتلال، ونظرية السيطرة على الأرض في الفكر الاستراتيجي الإسرائيلي. وهي تحولات لم تعد، بعد أكثر من نصف قرن على احتلال فلسطين، مجرد ظواهر سياسية عارضة، إنما هي تحولات تتصل بالمصادر التكوينية للميتافيزيقا السياسية التي دأبت عليها المؤسسة الإيديولوجية للحركة الصهيونية منذ تأسيسها. وهي المتمحورة حول فكرة "أرض الميعاد" و"إسرائيل الكبرى" وحول الاحتلال والتوسع، بوصفهما وسيلة مقدسة لبلوغ تلك الغاية.

 لم يبدأ السؤال حول نهاية أطروحة الاحتلال مع اشتداد الجدل الإسرائيلي المحموم إثر الانسحاب من غزة، لكن، ربما يكون قد بلغ تماميته مع هذا الحدث . ثمة من يقرر أن جدلاً كهذا اتخذ مجراه منذ أول انسحاب إسرائيلي من صحراء سيناء المصرية نتيجة اتفاق كامب دايفيد 1978. لكن الزخم المعمّق بصدد تلك الأطروحة الذي ترافق مع إجلاء الاحتلال من لبنان وغزة، هو الذي سيضع الأطروحة على نصاب السؤال الوجودي.

قال الذين عاينوا الانسحاب الأخير من غزة: كأنَّها بابل أخرى...، فلقد بدا لهؤلاء أن لا شيء يحملهم على مثل هذا الشعور كمشهد المستوطنين وهم يغادرون منازلهم،.. حاملين متاع الرحيل نحو استيطان آخر لا عهد لهم به من قبل.

كان على زعماء حركات الاستيطان أن يهبطوا إلى قاع الزمن اليهودي ليقيموا الحدّ على مَنْ شقَّ الطريق إلى سبي يهودي آخر. وحين استقال بنيامين نتنياهو من منصبه احتجاجاً على الانسحاب، كان على يقين من أنه فعل ذلك لإحساس كامن بالخوف على فكرة "أرض إسرائيل". لكنّ الذين ذهبوا إلى وصف الانسحاب من غزة بأنه حفرٌ معاكس في معادلة الحرب المفتوحة على الجبهة الفلسطينية ـ الإسرائيلية، فإنهم أقاموا الحدث على نصاب غير مألوف.

فالقراءة الأولى لجلاء الاحتلال عن هذا القطاع من الأرض الفلسطينية. دعت إلى أسئلة لطالما حجبتها المواجهات اليومية منذ مؤتمر مدريد للسلام في العام 1991ً. لعلَّ أبرز هذه الأسئلة هي تلك الموصولة بمعادلة لم يعد يقدر معها الفكر الاستراتيجي الإسرائيلي على وقف الأطروحة الفلسطينية من أن تأخذ مداها في عالم الجغرافيات السياسية المعاصرة.

من يرى إلى الصورة الإجمالية للطريقة التي يختبر فيها الإسرائيليون سلوكهم السياسي والأمني حيال "السلام" مع العرب، يجد نفسه في منطقة رمادية تكتظ بسوء الرؤية. وفي المختبر الفلسطيني، بنحو خاص، سوف تشتد "أطروحة السلام" إلى الدرجة التي تغدو معها أشبه بـ "لعنة" دائمة تلازم العقل السياسي الإسرائيلي.

اللحظة الفلسطينية - الإسرائيلية الراهنة، تكثِّف أسئلة لطالما عاملها التفكير الإسرائيلي بحذر شديد. فالانسحاب من غزة، ومشروع إزالة المستوطنات، لا يعني مجرد فعل عسكري تكتيكي افترضته احتياجات أمنية لجيش الاحتلال بفعل الانتفاضة الفلسطينية. بل إنه فعل سياسي وأمني وأيديولوجي يُظهِّر بصفة أعمق الآثار المترتبة على فكرة الانسحاب، وكذلك على أي إجراء انسحابي من هذا النوع. فالجدل الذي يحتدم الآن في المجتمع الإسرائيلي يدور في فضاءات متعددة، أهمها وأخطرها، ذاك الذي يدخل إلى ما يجوز تسميته بـ"منطقة المقدس الأيديولوجي". إذ أن أطروحة الإنسحاب لا تجد في العقل الأيديولوجي الإسرائيلي ما يبررها، إلا كونها ناجمة من صيرورة من الانحدارات،.. بدأت من الإنسحاب من سيناء المصرية قبل نحو ثلث قرن، لتصل الآن إلى الإنسحاب من غزة الفلسطينية، مروراً بتجربة لبنان التي لا تزال تحفر مجراها الأليم جراء الهزيمة التي لحقت بجيش الاحتلال في ربيع العام 2000.

أكثر الإسرائيليين يقولون إنها "لعنة السلام" تلك التي دخلتها إسرائيل من دون أن تدرك أن أسئلة تتعلق بوجودها سوف تنهمر عليها كَسَيْلٍ لا رادَّ له. غير أن الإنسحاب من غزة، الذي قال المحيطون برئيس الوزراء السابق أرييل شارون "أنه سيفتح الطريق أمام "خارطة الطريق"، يأتي ليضاعف من علامات الشك التي أخذت تتراكم داخل النفس الإسرائيلية منذ مؤتمر مدريد للسلام في العام 1991.

هذا الأمر سيحمل شلومو بن عامي، وزير الخارجية الإسرائيلية السابق، على وصف خطة فك الإرتباط من غزة بأنها خطوة يضطر لتأييدها كل من يعتقد أن إسرائيل ستحكم على نفسها بالزوال أخلاقياً وسياسياً إن هي واصلت التمسك بخارطة المستوطنات الحالية، ولكن- يضيف بن عامي: "من الصعب عدم رؤية حقيقة أن هذه العملية مجزأة ومبعثرة من دون تفكير استراتيجي شامل، فأصحاب هذه الخطوة لا يعتبرونها جزءاً من خطة شاملة أكثر اتساعاً للتسوية السياسية التي توصل إسرائيل إلى الحدود الدائمة المعترف بها". وفي نهاية المطاف،.. يشترك السياسيان البارزان اليوم في إسرائيل، أرييل شارون وشمعون بيرس، في الموقف القائل بأن إسرائيل ليست ملزمة بالسعي إلى التسوية الشاملة وإنهاء الصراع ...

هذه عيّنة مما يطفو على سطح الإنفعالات الإسرائيلية حيال الأطروحة الإنسحابية. لكنها عيِّنة تعكس المواج الدائم الذي تظهّره منطقة الشك في مناعة المقدس السياسي الإسرائيلي حيال السلام مع العرب.

لكن، ثمة من يمضي إلى استقراء سؤال المابعد الإسرائيلي على الشكل التالي:

هل بدأت نهاية الحلم بسلام يمنح "الدولة" اليهودية نعمة البقاء؟

ذلك ما يثير غريزة التساؤل،.. ليس لدى الإسرائيليين وحدهم، وإنما أيضاً، وربما على الدرجة نفسها من الإهتمام، لدى العرب وسائر المهتمين بقضايا الصراع العربي- الإسرائيلي. أَوَلَيس ما يدعو للإستغراب أن السلام الذي يفترض أن يُخرج إسرائيل من عزلتها وعقدتها هو نفسه الذي يبعث الخوف لديها؟ تلك هي مفارقة السلام. ذلك أن أرجحية القوة التي تحظى بها إسرائيل في المنطقة لا يبدو أنها ستحفظ الوعاء الإسرائيلي من الثقوب، أو أنها ستوفر له الأمان في منطقة مملوءة بالأعداء المنظورين وغير المنظورين(1).

لقد تلقت إسرائيل صدمة السلام في حقبة شديدة الالتباس، ميزتها أنها حقبة انتقالية اضمحلت في خلالها الفوارق بين الإستراتيجي والمرحلي، وبين الأيديولوجي والسياسي، بين ما يفترض أنه ثابت لا يقبل التحول، ومتحول راح يرقى تدريجياً إلى نظام يتحكم في شروط اللعبة السياسية ويوجه مساراتها.

وقد يكون الواقع الاستثنائي الذي تحتله إسرائيل في خارطة الشرق الأوسط، وضع هذه الدولة، أكثر مما وضع سواها من دول المنطقة، أمام اختبارات استثنائية. من أهم هذه الاختبارات، الاستجابة لدعوة سلام مع العرب، لم تكن "إسرائيل" هي التي وضعت مقدماتها وشروطها. فقد جاء مؤتمر السلام في مدريد أواخر العام 1991 كحصيلة لتطورات مدوية في المنطقة والعالم، تمثلت بنهاية الدولة السوفياتية في الحرب الباردة، وهزيمة العراق الأولى في حرب الخليج الثانية.

الولايات المتحدة الأميركية المنتصرة في الحربين معاً، هي التي وضعت تلك المقدمات والشروط..، فالفراغ الذي نشأ من انعدام الوزن في المجالين الإقليمي والدولي جعل الولايات المتحدة مضطرة إلى رسم إطار للصراعات تمهيداً لاحتوائها. ولقد كان نصيب الصراع العربي - الإسرائيلي من سد الحاجة الأميركية هو مؤتمر السلام.. الذي حقق بعد نحو أربع سنوات على افتتاحه إنجازين خطيرين تمثلا باتفاقيتي سلام فلسطينيةـ إسرائيلية، وأردنية إسرائيلية.

العقل السياسي الإسرائيلي، بعناصره المختلفة، لم يكن متهيئاً، أقله بالقدر الكافي، لاختبار السلام مع العرب. فحتى الدعوة إلى مؤتمر مدريد كان المجتمع السياسي ـ الإسرائيلي، ومواقع القرار فيه، لا يزال يحصر تفكيره الاستراتيجي ضمن مفهوم تعزيز القلعة الإسرائيلية والمحافظة على مجالاتها الحيوية، وفي مقدمها الأراضي العربية المحتلة عام 1967.

وحين حفر التفاوض مع العرب مساراته المعروفة لم يلبث العقل الإسرائيلي، الحاكم والمعارض على السواء، أن وجد نفسه كمن يدخل في مساومات على أوراق هي في مجال سيطرته التامة عليها. فالنخب الإسرائيلية، على اختلافها، أفصحت عن ريبتها من أن السلام مع الأنظمة السياسية العربية لن يدوم. وما دام الأمر كذلك،.. فليس من الأكيد أن ينجح سلام على الورق.

حاول الإسرائيليون منذ البداية أن يتجاوزوا فوضى الحسابات التي فرضتها شروط اللحظة السلمية. كان عليهم أن يوائموا بين رؤيتهم التقليدية الاستراتيجية لمصالح إسرائيل ودورها في المنطقة، وبين الاستجابة لضرورات المصالح الأميركية لنظام أمني وسياسي في الشرق الأوسط. والهاجس الذي حمل الإسرائيليين على الذهاب في رحلة المواءمة هذه، هو في الكيفية التي يمكن لهم أن يحرزوا الحدّ الأقصى من المكاسب في لعبة سلام لم يصنعوا هم شروطها المطلقة. ولذلك،.. سنرى أن الدينامية التي اعتمدت في المفاوضات تضمّنت جملة منطلقات يمكن أن تشكل في مجموعها رؤية إسرائيل للسلام مع العرب:

أولاً: منطلق الغلبة. وذلك، ضمن فرضية أن التفاوض مع العرب هو تفاوض لا متكافئ لصالح إسرائيل المتفوقة عسكرياً. وأن مآله لا يجوز إلا أن يكون لمصلحة إسرائيل بالكامل.

ثانياً: منطلق الإكراه. أي الاستعداد لتصفية أي إمكانية لتعديل نسبة القوى مهما كانت طفيفة. وهذا المنطلق يفترض استخدام سلاح القوة. الذي يبدأ بالضغط السياسي والاقتصادي إلى أن يصل إلى شنّ حرب محدودة خاطفة.

ثالثاً: منطلق احتواء اللحظة. أي النظر إلى السلام كفسحة تاريخية نوعية لمراكمة انتصارات إضافية لإسرائيل.

رابعاً: منطلق إعادة الاعتبار لنظرية الإجماع الإستراتيجي. لا سيما بعدما تعرضت هذه النظرية لكثير من الاهتزاز في أثناء وبعد حرب الخليج الثانية 1991. وقبلها في أثناء وبعد حرب غزو لبنان عام 1982 وما ترتب عليها من نتائج لا تزال ذيولها ومضاعفاتها إلى الآن.. ناهيك عن التحولات الجيو ـ استراتيجية التي أعقبت زلزال الحادي عشر من أيلول (سبتمبر). وربما كان رئيس الدبلوماسية الإسرئيلية في ذلك الوقت، شيمون بيريز مدركاً لجوهر الاهتزاز الذي تعرضت له تلك النظرية، وفلسفته حيال هذا الأمر أن الإجماع الإستراتيجي الذي كان ممكناً في لحظة الاستعداد للحرب، هو ممكن أيضاً في لحظة الاستعداد للسلام(2).

وتحت عنوان "على مفترق طرق"، في كتابه عن الشرق الأوسط الجديد يقول بيريز ما يلي: "إن العديد من أصدقائي، بل وأكثر الخصوم، يسألوني كيف أمكنني استبدال اهتمامي بالقوة العسكرية لإسرائيل. وفي الوقت الذي لا أرى فيه سبباً للإعتذار أو الندم، لا أرى مانعاً من الشرح: فعلى ما أذكر لم أكن أنا الذي عمل على تغيير المسار من التصور التقليدي للدفاع الوطني القائم على أنظمة الأسلحة إلى التصور الحديث القائم على الاتفاقيات السياسية، وهذا التصور يضم عناصر أخرى مثل الأمن الدولي والاعتبارات الاقتصادية. فالواقع يؤكد بأن العالم شهد تغييرات كاسحة، وعملية التغيير إنما تجبرنا على استبدال مفاهيمنا القديمة بمواقف أقرب إلى الحقائق الجديدة."

ما كان يكشفه كلام بيريز هو يقينه أن إسرائيل تعبر نفقاً إجبارياً لا بدّ لها من التكيف معه، بينما هي في الحال القصوى من التماسك والإنسجام ووحدة القرار. أما حديثه عن استبدال المفاهيم القديمة بمواقف أقرب إلى الحقائق الجديدة، فإنما كان يعكس دعوته إلى إحداث تحول في السياسات التكتيكية،.. من دون أن تتأثر المبادئ الأساسية التي يقوم عليها الإجماع الاستراتيجي في إسرائيل.

لقد اصطدمت هذه المنطلقات النظرية بمسلسل اختبارات لا حصر لها في خلال المفاوضات مع العرب. وفي المختبر الفلسطيني على التخصيص، ظهرت الحساسية الإسرائيلية في أكثر عوارضها حدّة. فقد وجدت القيادة السياسية في إسرائيل نفسها أمام استحقاق التخلي عن جغرافيا سياسية ( في غزة والضفة الغربية) تعتبر في الأصل واحدة من أهم المَدَياتِ الحيوية للأمن القومي الإسرائيلي؛ فضلاً عن أن الجغرافيا السياسية إياها تشكل باعثاً على  خوف حقيقي من أن تتحول تدريجياً، ـ وحتى بحسب نصوص إتفاقية الحكم الذاتي الإنتقالي
-  إلى دولة فلسطينية مكتملة السيادة.

لقد تكشفت للقيادات الإسرائيلية حقائق غير مرضية في سَيْريَّات التفاوض. فمفهوم المؤقت والعابر في هذه السيْريَّات، أخذ ينقلب إلى حالة دائمة مفتوحة على احتمالات،.. أكثرها لا يقع في الحسبان. لا سيما جهة المستقبل الذي سيؤول إليه المسار الإسرائيلي
-  الفلسطيني بالنسبة لتوسيع الحكم الذاتي ووضع القدس، وقضية اللاجئين، وحق العودة، وترسيم الحدود ألخ...

الخوف من مجتمعات عربية معادية صحيح أن إسرائيل حققت كسباً استثنائياً في تأكيد شرعيتها السياسية في المنطقة عن طريق الاعتراف بها من جانب العرب، لكن الصحيح أيضاً هو أن هذا الكسب الاستثنائي لشرعية الوجود السياسي أطلق مخاوف لا حصر لها حول مستقبل دولة تمكث في محيط لا تزال مجتمعاته المدنية، والقطاع الغالب من مجتمعاته السياسية، معادية لوجودها وشرعيتها.

لقد أمكن الكلام على زمن سياسي إسرائيلي جديد لا ينفك يواصل حركية الولادة والتبلور. إنه زمن يقوم على قاعدة تصّور، قوامه الخوف من سلام لا تحميه سوى اتفاقات سياسية مع الحكومات العربية. غير أن هذه الحجة التي استند إليها استراتيجيون اسرائيليون ما لبثت أن فقدت سحرها الأيديولوجي عندما تبين بوضوح لا لبس فيه، أن استراتيجية إسرائيلية للسلام يجري إعدادها وتحضيرها جنباً إلى جنب، في موازاة الحركة اليومية لمفاوضات السلام. وهي استراتيجية مبنية على نسقين متوازيين متكاملين:

الأول: سياسي مرحلي ويقوم على الإفادة القصوى من انعدام ميزان القوى مع الأطراف العربية، لإجراء اتفاقات، وتوقيع مواثيق تعزز من شرعية الوجود الإسرائيلي،.. وتمنحه عوامل قوة إضافية في السياسة، والاقتصاد، والأمن، والتبادل الدبلوماسي، وتطبيع العلاقات على مختلف المستويات.

الثاني: استراتيجي، ويقوم على مبدأ التفوق في القوة على الصعيدين التقليدي والنووي.

ولعل نظرية "الحزمة الاستراتيجية"، التي سوَّق لها أيديولوجيو التيار العمالي خلال التسعينات من القرن المنصرم، شكلت وعاء هذين النسقين. ذلك، أن شرط أيّ سلام مع العرب هو استواؤه على الارتباط الوثيق مع الغلبة الجيو-اسراتيجية التي يؤِّمنها احتكار القوة النووية في الشرق الأوسط الكبير.

حين أطلَّت السنوات الأولى من القرن الجاري، ظهرت ملامح السلوك الإسرائيلي خارج هذين النسقين  المذكورين. والذين اكتفوا بهما كمعيار على سوية الدولة واستقرارها، ما لبثوا حتى عادوا ليروا عوالم أخرى للتراجيديا الإسرائيلية.

ثمة من علماء الإجتماع الإسرائيليين من ساورهم شك كبير في قدرة المجتمع والدولة على وقف الإضطراب الحاصل في الوعي الإسرائيلي. ولا سيما في أنساقه التي انبنت في أصلها على الإنسجام الحميم بين اللاَّمتناهي الأيديولوجي وواقع حال ووظيفة إسرائيل في خلال العقود المقبلة.

العلامات الأولية للمشهد بدت كما لو أنها تتكثَّف تحت هذا العنوان" إنها علامات تشير إلى بداية الجغرافيا الإسرائيلية ونهايتها في آن. ولإيضاح هذه الجدلية المركَّبة المثيرة للإشكال، وجدنا في معنى البداية، أنَّ أطروحة الانسحاب جعلت من المقدّس الإسرائيلي "أمراً متحولاً" بعدما كان ثابتاً إيديولوجياً لا نقاش فيه.

وأما معنى النهاية، فنجده في وصول الفكر الاستراتيجي الإسرائيلي، أو في جزء وازن منه، إلى المحطة التي لم تعد فيها "أرض إسرائيل الكبرى" مفتوحة على مداها اللاَّمتناهي.

استتباعاً لهذين المعنيين، تعود الأطروحة الفلسطينية لتستوي على نشأة جديدة، ربما للمرة الأولى منذ نكبة فلسطين الكبرى في العام 1948.

هل كان الحادث الفلسطيني ـ الإسرائيلي في غزة، يدل على ظهور خارطة طريق من نوع جديد إلى بقية فلسطين؟(3)

هنالك سؤال يفترض الكلام على حيِّز أكثر عمقاً في جدليات المواجهة الفلسطينية ـ الإسرائيلية. عنينا به الحيِّز المتصل اتصالاً حميمياً بمشكلة الهوية في إسرائيل. حيث تدخل الجغرافيا كمكوِّن تأسيسي لتلك الهوية التي راحت تغادر زواياها المغلقة في المراحل المتأخرة من الصراع.  

يتبع......

ـ باحث في الفكر السياسي والفلسفي ـ رئيس تحرير "مدارات غربية" بيروت ـ باريس. ـ مستشار في مركز الحضارة للدراسات الإيرانية ـ العربية ـ مدير مركز "دلتا للصحافة والأبحاث" بيروت لبنان ـ بيروت ـ ص.ب: 5748/113

 

e-mail: mahmoudhaidar327@hotmail.com

tel Mobile: 03/540762

Fax: 01/815519