العدد السادس عشر - تشرين الثاني 2006

ملاحظات حول تقرير أنان

غسان يوسف
الاحد 19 تشرين الثاني (نوفمبر) 2006.
 
New Page 1

قدم الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان تقريره نصف السنوي إلى مجلس الأمن حول تطبيق القرار 1559، ومن البديهي أن هذا التقرير قد أعده مبعوثه إلى المنطقة المكلف بمتابعة تنفيذ ذلك القرار تيري رود لارسن، وفي قراءة لهذا التقرير يتوقف المراقب عند جملة أمور ملفتة، منها ما ينم عن تحيّز واضح إلى المطالب الأمريكية ـ الإسرائيلية.. وأخرى تغيير مخالفات للقانون الدولي، وغيرها تتصف بانتقائية واضحة في ظل غياب نظرة شاملة ونوايا صادقة لحل المشاكل في لبنان والمنطقة.

1 - في المقدمة يساوي التقرير بين الإحتجاجات التي حصلت في الضاحية الجنوبية بعد تقليد شخصية الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله في برنامج تلفزيوني، والأعمال الحربية التي اندلعت بين "إسرائيل" وحزب الله بعدما شن حزب الله هجوماً غير مستفَز (وكأنما وجود الأسرى اللبنانيين في السجون الإسرائيلية لا يعتبر استفزازاً دائماً) فأسر جنديين وقتل عدداً آخر، ثم يتحدث عن نجاة مسؤول أمني في هجوم ومقتل أربعة من حراسه، وإصابة ستة مواطنين بجروح عندما أطلقت ثلاث قذائف على مبنى وسط بيروت، مع الإقرار والتسليم بالطابع العدواني ونوايا التخريب والإرهاب في محاولة قتل المسؤول الأمني وإطلاق القذائف الثلاث، إلا أن المسؤول الدولي غاب عن عدوان واسع النطاق شنته الآلة الحربية "الإسرائيلية" على لبنان.

-        فهذا العدوان لم يكن أعمالاً حربية بين حزب الله و"إسرائيل" حسب توصيفه، بل حرب ضد لبنان وصفهاالبعض بالحرب السادسة، إذن ما شأن حزب الله في طرقات عكار وجسورها وجسور كسروان، هذا إذا ما قلنا ما شأن "إسرائيل" في المدنيين والمنازل والبنى التحتية، ثم كيف يتجاهل المسؤول الدولي أن "إسرائيل" نفسها في بيان صادر عن حكومتها، اعتبرت الدولة اللبنانية مسؤولة وأن حربها هي ضد هذه الدولة، وهذا ما يفسر إقفال المطار والحصار الجوي والحصار البحري ثم قصف المعابر البرية.

-        هذه الحرب كانت موجهة ضد الدولة اللبنانية والشعب اللبناني. ألم يعرف المسؤول الدولي أن "إسرائيل" قتلت 46 عسكرياً وجرحت 446 آخرين من الجيش اللبناني، إضافة إلى قتل أكثر من  ألف مدني وجرح أربعة آلاف آخرين؟

-        إن إغفال هذه الحرب "الإسرائيلية" المدمرة عن التقرير هو سقوط مريع للتجرد المفترض توفره في كل تقرير يصدر عن الأمم المتحدة، ومن شأن هذا السقوط أن ينسف المصداقية المطلوبة، ويشرع الأبواب أمام افتراض نوايا عدوانية يبيتها لارسن حيال لبنان بأشكال مختلفة.

 

2 - عن انسحاب القوات الأجنبية، يسجّل التقرير الغارات الجوية "الإسرائيلية" والانتهاك المستمر للأجواء اللبنانية، ويذكر ادعاء الحكومة "الإسرائيلية" أن الطلعات الجوية تتم لأسباب أمنية من دون تعليق منه أو إشارة إلى ماهية الأسباب الأمنية، فإذا كان لارسن يسلم حقاً بالأسباب الأمنية الإسرائيلية؟ ولماذا يتجاهل في الوقت نفسه الأسباب الأمنية اللبنانية؟ ولماذا لم يدع إسرائيل إلى وقف خروقاتها الجوية والبرية أو يطلب من مجلس الأمن اتخاذ إجراءات ضد "إسرائيل" لاستمرارها بهذه الأعمال العدوانية؟.

-        حول استمرار "إسرائيل" في احتلال قسم من قرية الغجر، يقول لارسن في التقرير: "أتوقع أن ينتهي هذا الوجود قريباً في سياق محادثات ثلاثية حول التدابير الأمنية في القرية". هذا الإحتلال بالقوة يعتبره " وجوداً "، وعوضاً عن الدعوة للإنسحاب يكتفي بالتوقع بإنهاء هذا الوجود!!

 

3 - عن بسط سيطرة الحكومة اللبنانية على الأراضي اللبنانية، يتوسع التقرير بشكل مسهب ويتطرق إلى الميليشيات الفلسطينية، والحادث الذي حصل بين الجيش اللبناني ومسلحين فلسطينيين في شرق لبنان، ويطالب الحكومة اللبنانية "أن تحدد أكثر فأكثر أطراً عملية سياسية،.. وجدولاً زمنياً واضحاً لنزع سلاح الميليشيات الفلسطينية في لبنان بشكل كامل"، ويدعو المانحين إلى دعم الجهود التي تبذلها الحكومة اللبنانية ووكالة الأونروا.

-        هكذا، وببساطة، وكأن لارسن يسأل ماذا يفعل هؤلاء هنا؟ بدل أن يسأل لماذا هؤلاء هنا؟ وهذا هو السؤال الأساسي، لماذا يوجد هنا لاجئون فلسطينيون وسلاح فلسطيني ومخيمات فلسطينية، خصوصاً أن القرار الصادر عن مجلس الأمن رقم 194 ينص على عودة اللاجئين، والقرار رقم 242 ينص في بنوده على حل عادل لمشكلة اللاجئين. بينما الحري بالمسؤول الدولي أن لا يكون انتقائياً،.. فيتطرق إلى جزء من المشكلة ويغفل لبها وأساسها، لا سيما أن هنالك قرارات دولية في هذا الموضوع.

-        يتحدث التقرير عن اغتيال الأخوين مجذوب في صيدا، والتصعيد على الخط الأزرق، ويفصل في الحديث عن ردود الفعل ومحاولات إطلاق الصواريخ، ويغفل تماماً فعل الإغتيال الذي قامت به "إسرائيل"، وتسببت في هذه الردود (إنه في مكان آخر يساوي بين أسر جنديين والحرب الإسرائيلية مع تركيز على الأسر)، خصوصاً أن الحكومة الشرعية المنتخبة في لبنان التي تحدث عنها قد أوقفت الفاعلين، وكشفت شبكة إسرائيلية اعترف أفرادها بالهجوم الإرهابي، وبهجمات أخرى إرهابية طاولت عدداً من قادة المقاومة في بيروت وضواحيها الجنوبية.

 

4 - حول موضوع سلاح حزب الله، يجهد التقرير في مقاربات متعددة من أجل نزع هذا السلاح المقاوم، فهو يستند إلى الطائف،.. وإلى القرار 1559، ثم 1701، وإلى موافقة وزراء حزب الله على قرار الحكومة بإرسال الجيش إلى الجنوب. ويتحدث عن الحوار ويجدد "دعوته كل الأطراف الذين يملكون القدرة على التأثير في حزب الله إلى دعم تحوله إلى حزب محض سياسي، وذلك تماشياً مع بنود اتفاق الطائف".

-        ينسى المسؤول الدولي أو يتناسى أن هذا السلاح قد أحبط الهجوم "الإسرائيلي" على لبنان، ومنع قوات النخبة "الإسرائيلية" من التقدم نحو الداخل اللبناني، ولو لم يكن هذا السلاح موجوداً لما كان لبنان على حاله الآن، بل لكان تحت الاحتلال والأعمال العدوانية المستمرة.

-        لقد أصبح سلاح حزب الله مطلب معظم اللبنانيين بعدما أثبتت قدرة عالية في التصدي لـ "إسرائيل"، فيما كانت بعض قوى المجتمع الدولي تعطي إسرائيل مهلاً وفرصاً من أجل إكمال هجومها على لبنان وضرب المقاومة.

 

5- ينتهي التقرير بالقول "سيكون على لبنان الشروع في حوار وطني شامل فعلاً. لا يمكن التوصل إلى حل سلاح الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية، إلا من خلال عملية شاملة تأخذ في الإعتبار المصالح السياسية والإقتصادية لكل اللبنانيين والأشخاص الذين يعيشون في لبنان".

-        كان الأجدى بالمسؤول الدولي أن يتحدث عن ضرورة انسحاب "إسرائيل" من الغجر ومزارع شبعا والإفراج عن الأسرى والمعتقلين، وحل مسألة اللاجئين إذا كان يحرص فعلاً على المصالح السياسية والإقتصادية للبنان وللأشخاص الذين يعيشون على أرضه ويقصد بذلك الفلسطينيين. إن ما يسميه نزع سلاح الميليشيات هو نزع ما تبقى من قوة للبنانيين تمهيداً لاستباحة بلادهم، وجعلها،.. إما ضفة غربية أو عراقاً آخر، وفي أحسن الأحوال أفعانستان أخرى، وذلك كله لا يخدم كل الأطراف ومصلحة أي من الفرقاء اللبنانيين.