العدد السادس عشر - تشرين الثاني 2006

اقتصاد المعرفة... وتوظيف المقومات الذاتية في سوريا

عيسى المهنا
الاحد 19 تشرين الثاني (نوفمبر) 2006.
 

بمقاييس ومؤشرات علمية لواقع اقتصادي تم تحديدها مؤخراً، وبأهداف وغايات نطمح إليها مستقبلاً، تظهر على المستوى الاقتصادي فجوة لا يمكن تجاهلها بين الطموح والواقع، يحددها كمياً على المستوى العملي: كل من معدلات النمو المحققة في السنوات الأخيرة (والتي وصلت في أحسن أحوالها إلى 2.5%) ومعدل نمو سكاني تراوح بين 4.2% في نهاية التسعينات و2.4% في نهاية عام 2004 (والذي يلتهم مؤشرات النمو الاقتصادية حتى يعدمها) (1) ومعدلات بطالة وفق إحدى الدراسات الأكاديمية في سوريا تجاوزت 15% (2).

وعلى مستوى الطموح، هنالك هدف نبغي الوصول إليه لاقتصاد أصبح النهوض به ضرورة ملحة، واعتبرت فيه نسبة7% مقياساً نسبياً لهذا الطموح، فهذا المعدل السنوي يشكل هدفاً لابد من الوصول إليه على مدى سنوات قادمة، ولا بد من ضخ استثمارات تصل إلى 950 مليار ليرة سورية على مدى خمس سنوات قادمة، إضافة لموارد سوريا المقدرة بـ 850 مليار ليرة سورية. (إن هذه الأرقام والمؤشرات هي بعض من دراسة لواقع اقتصادي راهن قام بها فريق اقتصادي في سوريا) (3).

هذا التجاذب بين قطبي الواقع والطموح يدفعنا لإنتاج تصورات تترواح بين إفراط في التفاؤل لتحقيق الطموح وسوداوية ناجمة عن المعيقات واحتماليات الفشل في الوصول للهدف المأمول،.. وما بينهما من احتمالات مفتوحة على مستقبل ضبابي.

هذا البحث عن حلول اقتصادية يأخذنا نحو التفكير الجدي لوضع أسس علمية للخروج من مأزق قادم، لا يفيد فيه تجاهلنا احتمال وقوعه،.. مما يدفعنا بقوة لوضع إطار، وإن كان نظرياً،ً لحل يفترض فيه أن يكون واقعياً مبنياً على أسس علمية رياضية، بحيث تكون عناصره الموضوعية متوفرة أصلاً بين أيدينا، يحكمها ويحكمنا الواقع والطموح،.. الضرورات وجملة من الحيوية أهمها :

1. تحقيق نسبة نمو تصل إلى 7% على الأقل خلال فترة خمس سنوات، أو أقل، إن أمكن.

2. الزمن الواجب تحقيق الأهداف خلاله محدود جداً، ومكلف وفق معادلة الكلفة المضاعفة للزمن.

3. يجب أن تكون احتمالية الفشل، أو الإخفاق، معدومة، لأن أي خطأ يعني عودة لما قبل نقطة البداية.

يأخذنا الإطار النظري السابق باتجاه المعطيات الثلاث وما يدور في فلكها لحل أوحد حتمي،.. عناصره المتوفرة بين أيدينا تفرض علينا استبدال معدلات النمو السابقة ذات النموذج الرياضي  الخطي والوتائر المنخفضة، وتحويلها إلى معدلات عالية تفوق الوتائر السابقة وتحقق الأهداف المرسومة، وتأخذ وتائر النمو ضمنه شكلاً أسياً جديداً يحل مكان النموذج الرياضي السابق، بما يحقق وتائر نمو عالية ضمن فترات قياسية، ويجب أن تكون احتمالية الخطأ فيه شبه معدومة . يجسد هذا النموذج اقتصاد ذات نمو أسي يمثله اليوم اقتصاد المعرفة (الجديد كعلم بمقاييس نشوئه زمنياً) وهذا المجال الاقتصادي يحدد بمرحلتين تاريخيتين متفاوتتين بخصوصيتهما:

الأولى : قديمة قدم التاريخ، تتكون عملياً من جملة عناصر مختلفة تتناسب مع تاريخيتها، تتجسد حواملها المعرفية بالعادات والتقاليد واللغة، والتراكم المعرفي في المجالات المختلفة، البيئية والجغرافية والتاريخية والمعمارية والجمالية والاجتماعية والاقتصادية والصناعية والطبية.. وغيرها من التراكمات المعرفية غير المنتهية، والمتوفرة حتى الآن. والتي ما زالت تحكمنا بطابعها، ونعيش في ظلها وضمن إطارها المعرفي التاريخي التراكمي، حاملة بين طياتها بعداً اقتصادياً يمكن استثماره  وطنيا ًبحسن إدارة وإرادة.

الثانية: حديثة تمتد لعدة عقود مضت، إذ بدأ وضعها في إطار علمي منذ 1962وتمثلها جملة من العناصر، في مقدمتها قوة المعرفة الكامنة في مجالات العلم والعلماء والجامعات ومراكز البحث المختلفة، التي يتحقق فيها وبها ما يسمى التراكم المعرفي، الضروري للوصول إلى إنتاجية ذات وتائر عالية في قطاعات الإنتاج المعروفة. ويمتاز هذا التراكم المعرفي بأنه بدأ يصوغ شكلاً من أشكال رأس المال غير الملموس(رأس المال المعنوي) ذي القيمة المرتفعة جداً.

 أمام هذين الخيارين، ولعدم قدرتنا على امتلاك قوة المعرفة بأبعادها الحديثة، وبغياب القدرة الإستراتيجية والتخطيطية والعلمية لاستثمارها، جرّاء ضعف الإنفاق على مستويات التعليم المختلفة الذي ينعكس بدوره على نوعية المخرجات وضعف ميزانيات المؤسسات العلمية، وغياب شبه كامل لمراكز البحث العلمي ومؤسساته،.. والأهم من كل ما سبق تلاشي ميزانية البحث العلمي كنسبة مئوية من الناتج الإجمالي المحلي. حيث يجب أن لا تقل هذه النسبة عن 2.5% لتضمن الاستمرار والتشغيل والإنتاج، والمؤسف أنها حتى اليوم أقل من 0.7 %(2) بكثير لدى مختلف الدول العربية، هذا بدوره يؤدي إلى حالة هدر مالي، مثاله الموحي إعداد مهندسين من دون أن تتوفر إمكانية لتأمين أعمال ملائمة لاختصاصاتهم، أو تأمين مؤسسات تحتضنهم للاستفادة من طاقاتهم وعلمهم ومعرفتهم،.. مما يؤدي بالنتيجة لهدر مالي كبير تعكسه ظاهرتا الهجرة والتغريب الداخلي للاختصاصين والمهنيين.

في مثل هذا الواقع،.. يبقى البديل اقتصاداً معرفياً رأسماله معنوي معتمد على الخصوصية التاريخية والجغرافية للبلدان والمناطق ومنها سوريا بكل مناطقها ومدنها وقراها، وهذا النوع من النشاط الاقتصادي متمثل بأنواع المعارف المتبقية فيها، والتي تحمل بطبيعتها بعداً اقتصادياً يمكن الإفادة منه،.. وربما من أدق تفاصيله، لتحقيق قفزة نوعية تنجز فعلاً حقيقياً للواقع، ويندرج في هذا الإطار المعارف المحلية والتقليدية والترابطية والحميمية والتراكمية والمتأصلة واللغوية وغيرها... التي يجسدها مثلاً اقتصاد ثقافة الآثار المترامية في مختلف أطراف سوريا، وما تنطوي عليه من مقومات ذاتية وغنى، مؤهلة لأن توظف في عمليات استثمارية بكلفة شبه معدومة قياساً إلى المردود الممكن تحصيله، ونذكر هنا ما قاله أحد علماء الآثار الألمان بعد أن زار تدمر: أعطونا تدمر وخذوا ما نملك من صناعات ثقيلة في ألمانيا.

هذه المقولة تظهر، ولو بشكل نسبي، القيمة المادية الحقيقية لهذه الثروة المعرفية الأثرية الاقتصادية غير المستثمرة جيداً، والتي تساوي، من دون أدنى شك، مليارات من الدولارات غير المستثمرة، بفرض أن الصناعات الألمانية الثقيلة تساوي مليارات فقط. ونقيس على ذلك أوغاريت وعمريت وبارة وسيرجلة وقلعة سمعان العامودي وأفاميا ودمشق وماري وحلب وبصرى، ومعلولا بلغتها الآرمية وفرادتها في العالم.

ومن باب آخر. وضمن الإطار نفسه، تمثل صناعة الغار مثالاً حيوياً لمقومات اقتصاد معرفي يمكن أن يحقق برأسمال معنوي وتائر عالية للنمو. ذلك، لأن مثل هذه الصناعة ذات الطابع الفولوكلوري، تمتلك جملة من المقومات والخصوصيات القابلة للتفاعل مع حاجات ثقافية مستجدة عالمياً لتعطي نتائج مبهرة جراء ميزتي الندرة والخصوصية، مما يجعل من شجرة الغار المتوفرة في سوريا وصناعة استخراج الزيت منها قيمة اقتصادية مبنية على خصوصية المعرفة المتراكمة عبر الأجيال. والأهم أنها تستطيع أن تحقق جودة عالية، لا بسبب كونها فقط من مكونات طبيعية خالصة، بل لأن هذا النوع من المنتجات مرغوب عالمياً في ظل العودة للتعامل مع المنتجات الطبيعية (إذا ما خضع لمقاييس علمية في التصنيع والتسويق). ولا تملك أي بقعة في العالم مقومات عملية لهذه الصناعة أكثر من سوريا وهذا يعني أن أسواق العالم تكون مفتوحة أمام منتج يحمل خصوصية سورية، من العسير أن ينافسه منتج آخر من نوعه.

وهنالك، على سبيل المثال إنتاج نوعي آخر نستطيع أن نوظفه كاقتصاد معرفي، إنه الدراما السورية، ومقوماتها أصبحت متوفرة في سورية في هذه المرحلة فإنتاج مسلسل تلفزيوني يكلف 15- 20 مليون ليرة سورية ينجز خلال ثلاثة أشهر، لكنه يحقق ربحاً قدره 10- 15 مليون ل.س خلال ثلاث سنوات (4) أي ما يقارب 22% سنوياً، وقس على ذلك مئات الأمثلة، التي إذا ما فعلّت واستغلت لاستغنينا عن قسط كبير من حاجتنا للتمويل الخارجي الذي نحن بحاجة إليه لتحقيق 7% معدلاً للنمو. ونكون قد استفدنا من ميزات التراكمية واللاتنافسية للمعرفة التي يمكن أن تحقق طموحنا وغاياتنا.

إن النجاح في إدارة اقتصاد المعرفة يتحدد تبعاً لتنظيمها وشكلها وإدارتها ومدى القدرة في التقاط عناصر جديدة من هذه المعرفة بما يلبي الحاجات المتزايدة. ويخفف من الآثار الناجمة عن التداخلات العالمية للاقتصاد وتفاعلاتها السلبية حيال اقتصاديات الدول النامية. 

الهوامش 

1 الشيخ حسن ، ضحى ، تخطيط معدلات النمو الاقتصادي في سوريا ، معهد التخطيط

 للتنمية الاقتصادية والاجتماعية بدمشق.

2 معهد التخطيط للتنمية الاقتصادية والاجتماعية بدمشق.

3 محاضرة للأستاذ عبدالله الدردري النائب الاقتصادي ،ندوة الثلاثاء الاقتصادي في 

  7/2/2006 بمكتبة الأسد ، دمشق .

4  نجيب نصير كاتب تلفزيوني (الأرقام تقديرية).