العدد السادس عشر - تشرين الثاني 2006

لبنان المستقبل إلى أين ؟

فاروق أبو جوده
الاحد 19 تشرين الثاني (نوفمبر) 2006.
 

القراءةٍ الهادئة لأوضاع لبنان ،بعيد وقف العمليات العدوانية "الإسرائيليّة" التي استمرّت ثلاثة وثلاثين يوماً،تذكّرنا بالسّنوات التي عاشها السيّد المسيح قبل أن يعذبه اليهود ويصلبوه معلّقاً على جبل الجلجلة في فلسطين ،

 هذه القراءة تقودنا إلى استنتاج هام، منطلقاً من التحية الكبيرة التي رفعها الناس في لبنان ،ممتدة إلى مساحة الأمة كلها والعالم العربي جميعه وكثير من دول العوالم الأخرى المظلومة والمقهورة ،

تحية تقدير وإعجاب بالبلد الصّغير ،شعباً وجيشاً و مقاومة .

كما أشادت تلك التحيات ،بإلتفاف "جميع اللبنانيين" على بعضهم واحتضانهم للنازحين من أبناء شعبنا الذين تعرّضوا للقصف والتقتيل والتشرّيد والتهجير ، شمالاً وبقاعاً وضاحيةً وجنوباً ،

 هذا الإلتفاف وهذا الإحتضان ،عزّزا صمود المقاومة ، وقوّيا من عضدها وثبّتا قدرتها على التصدّي والتحدّي.

وأشادت أيضاً بمواقف " المسؤولين" رئاسة ومجلساً نيابياً وحكومة،هؤلاء المسؤولين،الذين عبّروا عن روحية شعبنا الصابر الصّامد ، والرّاّفض للذل والهوان تحت العربدة الإسرائيلية .

 في قراءتنا الهادئة ، نرى أن المقاومة الوطنية التي ابتدأت في لبنان منذ الاجتياح الإسرائيلي لبيروت سنة 1982، تمكّنت ، بدماء أبطالها الشّهداء ، الدماء التي روّت أرض الوطن، وهي أزكى الشّهادات،وبسواعد مقاتليها البواسل وإيمانهم المطلق بأنّ "كل ما عندهم هو من الأمّة وكل ما عندهم هو للأمّة حتّى الدّماء التي تجري في عروقهم عينها هي وديعة الأمة فيهم متى طلبتها وجدّتها " ، وبفضل الأكتاف القوية لهؤلاء الجبابرة دحرت العدو الغاصب وحرّرت الأرض والإرادة وخرج هو مهزوماً من جنوبنا المحتل .

 نلاحظ أن العدو وللمرّة الأولى في حروبه المتعدّدة مع العرب،تكبّد خسائرجسيمة في الأرواح والعتاد والممتلكات والمنشآت لم يحسب لها حساباً ، لأنّه كان يعتقد، كالمعتاد، أن " رحلته السّياحية " ستنتهي خلال أيام ، ينجز مهمّته ، في تقويض لهيكلية المقاومة، وتعطيل لسلاحها،وتدمير لقدراتها البشرية و العسكرية والتنظيمية .

 ومع صمود الدّاخل اللبناني ، وقف المغتربون المنتشرون في كافة أنحاء المعمورة ، صفّاً واحداً ، إلى جانب أهلهم وإخوانهم وبني قومهم - فكنّا جميعاً،بنياناً مرصوصاً،يعصى على الطائرات المغيرة وعلى البواخر القاذفة وعلى المدافع المهدّمة.

 وزاد إعجاب العالم بنا ، عندما دقّت ساعة وقف الأعمال العدوانية من صبيحة ذلك اليوم ، وتدفق النّازحون عائدين إلى قراهم وبلداتهم، ليبدأوا ورشات الإعمار وإعادة البناء،وقطاف ما تبقّى من مواسم الخير في بساتينهم ومزارعهم وحقولهم...

 ويطلّ علينا الموفدون الدّوليّون ، يقترحون علينا أفكاراً،ويملون علينا شروطاً، ويطلبون منا مواقف ، وكلّها لا تخدم مصلحة لبنان، ولا تبني دولة عصرية ولا تنشئ نظاماً عادلاً يكون على مستوى تحدّيات العصر والمرحلة الآتية ...

 فأين هي إذن شعارات فرنسا الديغولية المستمدّة من ثورتها الرّائدة الرّافعة لقيم الحرية والمساواة والإخاء؟

عندما انتصرت الثّورة الفرنسية ،واستبدلت الحكم الملكي الإقطاعي ، عمدت إلى فصل الدّين عن الدّولة، وحدّت من تسلّط رجال الدّين على المؤسسات المدنية ، وأنشأت نظاماً اجتماعيا مدنيّاً علمانياً، تتوزّع فيه وبه العدالة الاجتماعية الحقوقيّة والإقتصاديّة على كافّة أبناء المجتمع من دون تمييز أو محسوبية أو مفاضلة.

 لكننا لم نلحظ أن الموفدين الفرنسيين طرحوا أو لفتوا أو اقترحوا، إصلاح النّظام اللبناني ، الذي لم يأت علينا إلاّ بالويلات والكوارث والظلم، حتّى باتت مشاكلنا الاجتماعية تجتر نفسها وتعيد حالاتها من حين إلى آخر ، خصوصاً عند انتهاء ولاية كل رئيس للجمهورية ...

فهل حقاً أن فرنسا تقبل أن ننشئ في لبنان نظاماً طليعياً راقياً، يعتمد الكفاءة والاختصاص والشّهادات العليا ،واسطة وحيدة واحدة، لا الاعتماد على المعايير التقليدية اللبنانية المتعارف عليها والتي لم تجلب علينا إلاّ الويل والخراب ؟ ...

كما أننا، نقرأّ دائماً ،في الصحف اليومية ، ونرى على شاشات التّلفزة ، ونسمع من وسائل الإعلام الأخرى ، عن الزيارات التي يقوم بها مسؤولون أميركانيّون " غيّورون على لبنان " ومصيره ، ويصرّحون عن الإصلاح والدّيمقراطية وحرية الشّعوب وحقّها في تقرير مصيرها،.. والحفاظ على سيادتها وأمنها وسلامها واستقرارها،

فأين هي الولايات المتحدة من كل هذا، وهل هي في وارد المساعدة لإصلاح الوضع اللبناني نحو التّطوّر للأفضل، وإبدال النّظام القائم بنظام أعدل وأخير وأحسن منه،حتّى ينعم الشّعب اللبناني بسلمٍ أهلي مبني على العدل الاجتماعي الحقوقي والعدل الاجتماعي الاقتصادي،فنصبح كلّنا معاً أبناء بلد واحد نتساوى فيه بحقوقنا وواجباتنا ، يجتهد فيه أبناؤنا لتحصيل العلم والشّهادات والاختصاص حتّى يساهموا في بناء الدّولة القوية القادرة العادلة ، المجسّدة لإرادتهم والمحققة لطموحاتهم .؟

 وبهكذا عهد جديد ونظام جديد نحافظ على المكتسبات ، ونحفظ حقّنا في حياة حرّة جيّدة عزيزة ، فيأتي الإعمار والبناء ، على مستوى التحديّات الكبرى ، ويعود لبنان ضمانةً للفكر الحرّ ومنارة تضيء للبنانيين،.. وتشعّ على محيط لبنان، لبنان المطلوب منه أن يكون دائماً مستعدّا ًللمجابهة والتحدّي .

 ولكن ،.. إن لم نعمل على إصلاح نظامنا القائم ـ بينما العالم يسير قدماً نحو الأفضل والأحسن والأجمل ، أما نحن في لبنان نبكي مآسينا وننوح على واقعنا ونموت في حميّات أمراضنا المستعصية ولا نتجرّع الدّواء الشّافي حتى نبرأ من أسقامنا وعللنا المزمنة ـ سنظل دائماً في مهب الرياح والعواصف العاتية،.. تأتينا من كل ناحية،.. فلا نقدر على مجابهتها ولا على تحدّيها ولا على الصّمود حيالها .

 فإذا لم تفعّل إرادتنا نحن، بحرّيتنا نحن، وكرامتنا نحن ، لتأمين مصلحتنا القومية نحن ، فعبثاً يحاول أولئك الذين يرتمون في أحضان الغير ،وكأنّ واشنطن وبوش، وباريس وشيراك، ولندن وبلير، بالنسبة إليهم، أقرب إلينا وأنفع وألزم من بلاد الشّام وفخامة الأسد، مستغلّين الأوضاع المتردية ليقيموا على ذلّها عزّاً لهم مبنياً على ذلّ الخنوع والتّبعية والإستزلام للإرادات الخارجية التي تستغلّهم وقوداً لتأمين مصالحها هي ...

فلنعمل كلّنا معاً بمحبّةٍ و انفتاحٍ وتفاهم لنبني عهداً مثاليّاً جديداً،.. لا سلاح فيه ولا رصاص،.. لا حديد ولا نار ، بل نظام عدل اجتماعي حقوقي ، أقوى وأعمّ وأشمل وأفضل من السّلاح ومن الرّصاص ومن الحديد ومن النّار ؟! ...

ربّما يكون هذا حلماً جميلاً . أفلا يحق لنا أن نحلم بغدٍ جميل !!