العدد السادس عشر - تشرين الثاني 2006

كلام الله تحتجزه الكتابة

محمد أركون
الاحد 19 تشرين الثاني (نوفمبر) 2006.
 

ترجمة الدكتورة ماري شهرستان

 

المفكر الإسلامي الكبير، محمد أركون نشر قبل شهرين في مجلة عالم الديانات المؤمنين ومنه معوقات يسلِّط الضوء على النهضة الثقافية العربية - الإسلامية، ويعزوها إلى هيمنة التفكير الاجتراري - التكراري، وإغلاق باب الاجتهادات، إذ لا يمكن تحديث الحياة وتطوير مناحيها بوسائل فكرية قديمة، كما أن الإقتباس لا يؤسس لحركة تغيير،  فالحداثة لا تُستورد. وبلغت أركون إلى وجود مذهب فكري إسلامي إنساني في العصر الكلاسيكي وتحديداً في القرن الرابع هجري - أي العاشر ميلادي - إبان عهد البويهيين، حيث ازدهرت العقلانية الفلسفية المتفاعلة مع الفكر الإغريقي، ولذلك، فهو يسأل: كيف السبيل إلى بعث الأنسنة من جديد في العالمين العربي والإسلامي؟

ربط "أركون" العلمنة بعمل الروح الدؤوب المشدود إلى امتلاك الحقيقة، والتحرر الفكري، والتعقل في تدبر أمر الموروث عبر إخضاعه للنقد التاريخي والتحليل الألسني التفكيكي بغية الكشف عن البنية اللغوية للنصوص، مميزاً في كل ذلك بين القرآن الذي هو كلام الله للجميع، وبين ما قام به الفقهاء، وهو في كل ذلك يشدد على ضرورة التأمل الفلسفي والروحي المشدود نحو نزعة كونية تشمل المجتمع البشري.

ويرى أركون أن تثبيت الكلام القرآني كتابةً قنن حيويته الروحية والأدبية من ضمن قواعد فقهية صارمة. ومن المؤكد أن هذه العقدية، التي فيها "تسليم بلا تمحيص"، أدت اليوم إلى تعرّض النص القرآني لقراءات شتى انطلاقاً من أغراض بحت إيديولوجية.

تعود كلمة "قرآن" إلى كلام الله المدوَّن في اللوح السماوي، ثم ،..إلى تجليات هذا الكلام في اللغة العربية، وإلى مجموع البيانات المحفوظة والمتلوَّة من قبل المؤمنين في ظروف متنوعة، وإلى السلطة المؤسِّسة المرتبطة بكلام محمد المبين.. فالكتاب السماوي لا يلتبس، إذن، مع المصحف الذي هو جمع مادي بحت لآيات ضمن سياق تاريخي معقد.

لكنّ تعدد المعاني هذا، يتناقض بشكل ٍ متزايد مع مدى "الإمتهان" المتنامي للدلالة على النص القرآني،خصوصاً في الاستعمالات الشعبية لهذا النص منذ ظهور الثورة المسماة "إسلامية" على ساحة الأحداث.

إن تحليل المشتقات الإيديولوجية، وحتى الاستيهامية، التي تفرّعت وانتشرت متوسلة نصوص القرآن في مختلف الخطابات الاجتماعية المتعلقة عموماً بالإسلام، تفرض القيام بالعديد من الدراسات الوافية، خصوصاً إذا ما ركزنا على مقارنة الفوضى الدلالية والمعنوية السائدة في يومنا هذا مع الخصوصيات المجازية والرمزية المنتشرة في الخطابات القرآنية حتى عام 632.

 

آثار الطبري

 

للخروج من هذه الفوضى، اقترحتُ في سلسلة من النشرات، تفكيك هذا الشيء التاريخي المسمى "مصحف" إلى أصوله ، الذي تم انتزاعه بشكل ٍ تدريجي من خلال المعرفة النقدية، وهذا التفكيك يستوجب العمل المكثف، التفسيري والتأويلي واللاهوتي والقانوني، على التراث الإسلامي من عام 632 إلى عام 923.  فعام 923 هو مفصل زمني هام، إذ، فيه مات الطبري، وهو المؤرِّخ الكبير والقانوني ومفسّر الكتاب المقدس، تاركاً وراءه انجازاً ضخماً تفرَّع عنه تياران متميزان تركا بصمات ٍ واضحة تطغى على ماعداها في تاريخ الفكر الإسلامي، ومن هذه البصمات التصوّران الرئيسيان لـ: "قرآن" و "مصحف".

ولذلك، هنالك في الإسلام ما قبل وما بعد الطبري قياساً إلى المعرفة الإناسية- التاريخية لثنائية: "قرآن/ مصحف"، وبالتالي، قياساً إلى إعادة تقييم الواقع الإسلامي كدين أو كإطار لانتشار موضوع الإيمان، وكقوة نهوض تاريخية للمجتمعات المسمّاة إسلامية.

كلُ آثار الطبري تعتمد على "الأخبار" التي محتواها إعلامي، وهي موثقة بسلسلة من "الإسنادات" التي تسمح بإعادة المعلومة إلى النبي وصحبه، أي إلى زمن تأسيس عصر دين الحق الموحى،.. والمبيّن في القرآن الذي لا ينفصل عن التعاليم والتفاسير وأفعال وقرارات النبي خلال رسالته (610- 632). 

لقد ظلَّ الطبري منفتحاً نسبياً على الأخبار المتناقضة التي جرى تداولها في زمنه؛  حتى انه كان يضع الروايات المتخالفة مع بعضها ليترك الجدل قائماً حول رهانات اختلافها. وهذا الأمر يضيىء على الظروف الفكرية والمنطقية لتشكّل أهل "السنة" كحالة، تُعزى تاريخياً إلى جدل الذواكر الجماعية المتنافسة سياسياً وثقافياً.

لكن، منذ من القرن التاسع إلى القرن العاشر، تم وضع وتثبيت المدونات الكبيرة القانونية للمعتقد "السنيّ". أما مجموعة القوانين الشيعية فقد استقرت بعد ذلك مع بعض التفاوت: ومن الواضح أن المناقشات حول "متغيرات" النصوص المجموعة في "المصحف"  تدعم الحدود التي رسمها الطبري. بعد ذلك تمّ الانتقال التدريجي من تعددية الآراء والمدارس إلى التقديس العقدي والنضالي للمدونات القانونية للمعتقد،.. مع ازدياد المجاهرة بالإيمان على غرار ابن بطّة (توفي عام 997).

في هذا السياق تمّ فرض الإجماع حول المصحف بعد أن منع ابن مجاهد (توفي عام 936)- وبدعم من السلطة- جميع القراءات المخالفة (مختلف القواعد و المفردات. أو أي إحصاء نصّي يختلف عن مجموع النصوص المثبتة في المصحف) التي كانت شائعة حتى ذلك الوقت.

هنالك قارئ يدعى "ابن شانابود" تمت إدانته من المحكمة لأنه حاول خرق هذا المنع. حينذاك، تم الدخول في طور "مجموعة القوانين الفقهية الرسمية المغلقة" التي فرضت نفسها أكثر من أي وقت ٍ مضى. واستحوذت على إجماع كل الدول المعاصرة التي تستمد شرعيتها من سياسة تقوية التراث التقليدي الجامد. وكل دولة. بالإضافة إلى تحجيمها القانون وحصره في إحدى المدارس الفقهية الأربعة الكلاسيكية التي بقيت واستمرت ـ ظلّت تشجِّع أيضاً تقديس القانون الفقهي، بوصفه "الشريعة" التي تعني "القانون الإلهي" قبل تنظيمها ضمن تراث فقهي. ومنذ القرن العاشر، أصبح دعاة المدارس أعلاماً ورموزاً ارتفعوا إلى مصاف السلطة الدينية التي كانت بمثابة الوسيط ما بين كلام الله والمؤمنين الخاضعين للقوانين اللاهوتية- الشرعية التي تم تقديسها إثر سلسلة من الشروح والتفاسير التقليدية الجامدة.

 

 

 

 

الإسلام الكلاسيكي، الإسلام المتجمد، والإسلام الشعبي

 

إن العمل على تكريس استقرار الأصوليات التقليدية أدّى إلى الإلغاء التدريجي للحوار والمناقشة حول أصالة مصادر أسس الإيمان (الأصول) والشريعة، وإلى غياب تسلسل السلطة، والتسلسل العقائدي والانتمائي لطبقات العلماء في العلوم الدينية، وإلى السيطرة القضائية على كل محاولة تدّخّل نقدي تطال مجموعة القوانين الرسمية المغلقة. إن تعزيز هذه الآلية المسيطرة على المستوى الفكري والمعرفي، أدى في النهاية إلى انعدام الاجتهاد الفقهي الذي يفترض أن يؤدي دوره من دون وسيط، للجواب على المسائل المطروحة من خلال تأويل النصوص التي تعتبر الارتفاع بمستوى الإدراك وتحسين مستوى العيش شرطان أساسيان مقدسان ومطهران للإيمان الحق.

إن صلابة العقائد الدينية التقليدية هيئات للفترة الطويلة (1400- 1830) التي تم خلالها "اجترار" كلامي للمعارف المجتزأة والمشوهة، والمقتلعة من سياقها النصّي، والتي تعود إلى الإسلام الكلاسيكي الذي هو نفسه موجَّه نحو تثبيت التقليد كغاية،.. أكثر مما هو نشاط إبداعي يتيح الدراسة الحرة للفكر الإسلامي (632-900).

تسمّى الفترة بين 1830- 1945 بعصر النهضة في العالم العربي، حيث تمّ خلالها التوصل مع روح الحداثة التي عمّت أوروبا الغربية. لكن هذا التواصل، لم يؤدِ، إلا نادراً، لإخضاع المسائل المرتبطة بمجموعات القوانين الإيمانية إلى الضرورات الوضعية، بل ظلت مغلقة على الدوام. وفي عام1945، قامت حركات التحرير القومية وحُرِّّكت الجماهير الشعبية للتخلّص من الاستعمار، ورفعت شعارات، ذات ووزن في المستوى الإنساني، وهذا يستوجب منا أن نتذكره في قراءتنا كي لا نقع في الوضعي الانتقاصي.

لقد قام "القرآن/ المصحف"، مثل التوراة والأناجيل، بوظيفتين رئيسيتين في تنشيط الوجود الإنساني ضمن إطار الفكر الإيماني، حتى عندما تحوَّل إلى مدونة رسمية مغلقة.

الوظيفة الأولى، هي دعم القوة الروحية والأدبية التي أدت في حينه إلى خرق جميع أشكال الانغلاق في الطقوس الشكلية والقوانين العقائدية السابقة لها. والوظيفة الثانية، هي بناء فضاءات رمزية مثالية تحيي الأمل، وتشفي من المخاوف الوجودية، وتحوِّل الألم إلى طاقة للتجاوز، مغذية حب القريب لتحاشي العنف المنظم. وهنا تبرز علمانية،.. أصبحت من مزايا العالم الثالث الذي سار على طريق الثورات المسماة اشتراكية.. نتيجة التثاقف الحديث الذي خطط له رواد النهضة. لكن الهزائم السياسية لهذا التوجه العلماني ـ الذي كان في جوهره ضد الديمقراطية ـ فتح الأبواب على البديل الوحيد المتاح في المجتمعات التي يسري فيها الواقع الإسلامي، ألا وهو: الثورة المسماة دينية.

وراء الشكلية

إن ثنائية "قرآن مصحف" التي تحولت إلى وظائف طقسية خلال قرون الجمود، فرضت نفسها الآن وكأنها السلطة العليا لجميع "الإقرارات الشرعية"،.. وفي الواقع، إن هذه الإقرارات الشرعية لاترقى إلى مستوى التشريعات في مجتمعات ينبغي عليها أن تتصدّى في آن ٍ معاً للتحديات الثنائية الناجمة عن تداعيات الحداثة ـ التي لم تندمج معها أبدا ـ والعولمة التي هي اكثر تدميراً للثقافات المغلقة ضمن الطوق العقائدي للتراث.

 إن الاستهلاك الشعبي لمضمون النص "القرآن المصحف" هو صفحة من التاريخ غير المكتوب في إرث الكتب المقدسة بشكل ٍ خاص، وتاريخ الايديولوجيات الوضعية التي تحرك الخيال بشكل ٍ عام.

لقد لخصت في خطوط عريضة، من أجل جمهور واسع، العلو التاريخي للصرح الثقافي والروحي الإسلامي الذي يتجاوزمجمل تلك الأغراض التاريخية التي أسميتها ثنائية

"قرآن/ مصحف"،.. وخطابات قرآنية،.. ومجموعة القوانين الرسمية المغلقة COC والمدونات التأويلية حيث يسجل المجتهد صاحب التأويل في سجل الحياة نجاحاته وهزائمه وأبحاثه، معتمداً ـ رغم الضغط المستمر. على إرادته في القوة والتوسع.

إن ما أورثته التقاليد الدينية تحت عنوان الكتابات المقدسة يقدم أيضا بعداً عميقاً في تاريخ الشواهد على خصوبة الإبداع، وعلى علو المقدرات التصورية لكلام الحياة المستعاد، والذي تجدد نشاطه في الحياة اليومية انطلاقاً من ذلك الدعم التقني الصامت الذي هو "النص".

ولكن،لايمكن تجاهل أن ثقافة الإيمان في الوقت الراهن قد حدّ منها انتشار عدم الأيمان. فثقافة الإيمان، تكاد تكون صفة ملازمة للمتخلّفين والنامين والمُستعمَرين، والمسحوقين، والمنبوذين. أما ثقافة اللاإيمان فهي صفة يعزوها البعض إلى المجتمعات ألاستهلاكية. لكنّ هذا التصنيف مضلّل لأن التدين الذي يعمّ الولايات المتحدة، أو الطبقات الغنية في البلاد الفقيرة، يقوم بدمج انتهازي لرفاهيات يوفرها الشكلان المتنافسان للثقافة المعاصرة. وهذا الوضع يتطلّب الانكباب على إعادة تأسيس وتوسيع الفكر النقدي المطبَّق على البنى المرتجلة لجميع أنظمة القيم التي تتصادم، وتتصارع، وتلغي بعضها بعضاً بغضب ٍ شديد، مقوية سيادة العنف المنظّم الذي أصبح اليوم أنشط من أي وقت ٍ مضى في تاريخنا العام منذ 1945

إن وضع الآيات القرآنية في مدونة رسمية مغلقة يشجع انتقاء التفاسير الأكثر تعسفية لتقديس وتصديق التصاريح العقائدية،.. والصفقات السياسية الأكثر تضاداً مع مقاصد النصوص ذاتها.

ينبغي التركيز على إبراز الآيات التي تساعد على دعم الأفكار الحديثة في العدالة، والتسامح، وحقوق الإنسان، والديمقراطية، والمعرفة العلمية، والابتعاد بحرص شديد عن إشكالية النصوص الفقهية التي تتناول وضع النساء، وحريات المواطن، والممارسات النقدية للمعرفة، والإرث،.. الخ. [1]


 

[1]  من اجل تحليل اكثر تفصيلاً حول التلاعب بالمدونات الرسمية المغلقة من قبل مختلف الناشطين الاجتماعيين، انظر في كتاب

ل"محمد آركون" HUMANISME ET ISLAM صفحة 43- 51. 

ترجمة الدكتورة ماري شهرستان

 

المفكر الإسلامي الكبير، محمد أركون نشر قبل شهرين في مجلة عالم الديانات المؤمنين ومنه معوقات يسلِّط الضوء على النهضة الثقافية العربية - الإسلامية، ويعزوها إلى هيمنة التفكير الاجتراري - التكراري، وإغلاق باب الاجتهادات، إذ لا يمكن تحديث الحياة وتطوير مناحيها بوسائل فكرية قديمة، كما أن الإقتباس لا يؤسس لحركة تغيير،  فالحداثة لا تُستورد. وبلغت أركون إلى وجود مذهب فكري إسلامي إنساني في العصر الكلاسيكي وتحديداً في القرن الرابع هجري - أي العاشر ميلادي - إبان عهد البويهيين، حيث ازدهرت العقلانية الفلسفية المتفاعلة مع الفكر الإغريقي، ولذلك، فهو يسأل: كيف السبيل إلى بعث الأنسنة من جديد في العالمين العربي والإسلامي؟

ربط "أركون" العلمنة بعمل الروح الدؤوب المشدود إلى امتلاك الحقيقة، والتحرر الفكري، والتعقل في تدبر أمر الموروث عبر إخضاعه للنقد التاريخي والتحليل الألسني التفكيكي بغية الكشف عن البنية اللغوية للنصوص، مميزاً في كل ذلك بين القرآن الذي هو كلام الله للجميع، وبين ما قام به الفقهاء، وهو في كل ذلك يشدد على ضرورة التأمل الفلسفي والروحي المشدود نحو نزعة كونية تشمل المجتمع البشري.

ويرى أركون أن تثبيت الكلام القرآني كتابةً قنن حيويته الروحية والأدبية من ضمن قواعد فقهية صارمة. ومن المؤكد أن هذه العقدية، التي فيها "تسليم بلا تمحيص"، أدت اليوم إلى تعرّض النص القرآني لقراءات شتى انطلاقاً من أغراض بحت إيديولوجية.

تعود كلمة "قرآن" إلى كلام الله المدوَّن في اللوح السماوي، ثم ،..إلى تجليات هذا الكلام في اللغة العربية، وإلى مجموع البيانات المحفوظة والمتلوَّة من قبل المؤمنين في ظروف متنوعة، وإلى السلطة المؤسِّسة المرتبطة بكلام محمد المبين.. فالكتاب السماوي لا يلتبس، إذن، مع المصحف الذي هو جمع مادي بحت لآيات ضمن سياق تاريخي معقد.

لكنّ تعدد المعاني هذا، يتناقض بشكل ٍ متزايد مع مدى "الإمتهان" المتنامي للدلالة على النص القرآني،خصوصاً في الاستعمالات الشعبية لهذا النص منذ ظهور الثورة المسماة "إسلامية" على ساحة الأحداث.

إن تحليل المشتقات الإيديولوجية، وحتى الاستيهامية، التي تفرّعت وانتشرت متوسلة نصوص القرآن في مختلف الخطابات الاجتماعية المتعلقة عموماً بالإسلام، تفرض القيام بالعديد من الدراسات الوافية، خصوصاً إذا ما ركزنا على مقارنة الفوضى الدلالية والمعنوية السائدة في يومنا هذا مع الخصوصيات المجازية والرمزية المنتشرة في الخطابات القرآنية حتى عام 632.

 

آثار الطبري

 

للخروج من هذه الفوضى، اقترحتُ في سلسلة من النشرات، تفكيك هذا الشيء التاريخي المسمى "مصحف" إلى أصوله ، الذي تم انتزاعه بشكل ٍ تدريجي من خلال المعرفة النقدية، وهذا التفكيك يستوجب العمل المكثف، التفسيري والتأويلي واللاهوتي والقانوني، على التراث الإسلامي من عام 632 إلى عام 923.  فعام 923 هو مفصل زمني هام، إذ، فيه مات الطبري، وهو المؤرِّخ الكبير والقانوني ومفسّر الكتاب المقدس، تاركاً وراءه انجازاً ضخماً تفرَّع عنه تياران متميزان تركا بصمات ٍ واضحة تطغى على ماعداها في تاريخ الفكر الإسلامي، ومن هذه البصمات التصوّران الرئيسيان لـ: "قرآن" و "مصحف".

ولذلك، هنالك في الإسلام ما قبل وما بعد الطبري قياساً إلى المعرفة الإناسية- التاريخية لثنائية: "قرآن/ مصحف"، وبالتالي، قياساً إلى إعادة تقييم الواقع الإسلامي كدين أو كإطار لانتشار موضوع الإيمان، وكقوة نهوض تاريخية للمجتمعات المسمّاة إسلامية.

كلُ آثار الطبري تعتمد على "الأخبار" التي محتواها إعلامي، وهي موثقة بسلسلة من "الإسنادات" التي تسمح بإعادة المعلومة إلى النبي وصحبه، أي إلى زمن تأسيس عصر دين الحق الموحى،.. والمبيّن في القرآن الذي لا ينفصل عن التعاليم والتفاسير وأفعال وقرارات النبي خلال رسالته (610- 632). 

لقد ظلَّ الطبري منفتحاً نسبياً على الأخبار المتناقضة التي جرى تداولها في زمنه؛  حتى انه كان يضع الروايات المتخالفة مع بعضها ليترك الجدل قائماً حول رهانات اختلافها. وهذا الأمر يضيىء على الظروف الفكرية والمنطقية لتشكّل أهل "السنة" كحالة، تُعزى تاريخياً إلى جدل الذواكر الجماعية المتنافسة سياسياً وثقافياً.

لكن، منذ من القرن التاسع إلى القرن العاشر، تم وضع وتثبيت المدونات الكبيرة القانونية للمعتقد "السنيّ". أما مجموعة القوانين الشيعية فقد استقرت بعد ذلك مع بعض التفاوت: ومن الواضح أن المناقشات حول "متغيرات" النصوص المجموعة في "المصحف"  تدعم الحدود التي رسمها الطبري. بعد ذلك تمّ الانتقال التدريجي من تعددية الآراء والمدارس إلى التقديس العقدي والنضالي للمدونات القانونية للمعتقد،.. مع ازدياد المجاهرة بالإيمان على غرار ابن بطّة (توفي عام 997).

في هذا السياق تمّ فرض الإجماع حول المصحف بعد أن منع ابن مجاهد (توفي عام 936)- وبدعم من السلطة- جميع القراءات المخالفة (مختلف القواعد و المفردات. أو أي إحصاء نصّي يختلف عن مجموع النصوص المثبتة في المصحف) التي كانت شائعة حتى ذلك الوقت.

هنالك قارئ يدعى "ابن شانابود" تمت إدانته من المحكمة لأنه حاول خرق هذا المنع. حينذاك، تم الدخول في طور "مجموعة القوانين الفقهية الرسمية المغلقة" التي فرضت نفسها أكثر من أي وقت ٍ مضى. واستحوذت على إجماع كل الدول المعاصرة التي تستمد شرعيتها من سياسة تقوية التراث التقليدي الجامد. وكل دولة. بالإضافة إلى تحجيمها القانون وحصره في إحدى المدارس الفقهية الأربعة الكلاسيكية التي بقيت واستمرت ـ ظلّت تشجِّع أيضاً تقديس القانون الفقهي، بوصفه "الشريعة" التي تعني "القانون الإلهي" قبل تنظيمها ضمن تراث فقهي. ومنذ القرن العاشر، أصبح دعاة المدارس أعلاماً ورموزاً ارتفعوا إلى مصاف السلطة الدينية التي كانت بمثابة الوسيط ما بين كلام الله والمؤمنين الخاضعين للقوانين اللاهوتية- الشرعية التي تم تقديسها إثر سلسلة من الشروح والتفاسير التقليدية الجامدة.

 

 

 

 

الإسلام الكلاسيكي، الإسلام المتجمد، والإسلام الشعبي

 

إن العمل على تكريس استقرار الأصوليات التقليدية أدّى إلى الإلغاء التدريجي للحوار والمناقشة حول أصالة مصادر أسس الإيمان (الأصول) والشريعة، وإلى غياب تسلسل السلطة، والتسلسل العقائدي والانتمائي لطبقات العلماء في العلوم الدينية، وإلى السيطرة القضائية على كل محاولة تدّخّل نقدي تطال مجموعة القوانين الرسمية المغلقة. إن تعزيز هذه الآلية المسيطرة على المستوى الفكري والمعرفي، أدى في النهاية إلى انعدام الاجتهاد الفقهي الذي يفترض أن يؤدي دوره من دون وسيط، للجواب على المسائل المطروحة من خلال تأويل النصوص التي تعتبر الارتفاع بمستوى الإدراك وتحسين مستوى العيش شرطان أساسيان مقدسان ومطهران للإيمان الحق.

إن صلابة العقائد الدينية التقليدية هيئات للفترة الطويلة (1400- 1830) التي تم خلالها "اجترار" كلامي للمعارف المجتزأة والمشوهة، والمقتلعة من سياقها النصّي، والتي تعود إلى الإسلام الكلاسيكي الذي هو نفسه موجَّه نحو تثبيت التقليد كغاية،.. أكثر مما هو نشاط إبداعي يتيح الدراسة الحرة للفكر الإسلامي (632-900).

تسمّى الفترة بين 1830- 1945 بعصر النهضة في العالم العربي، حيث تمّ خلالها التوصل مع روح الحداثة التي عمّت أوروبا الغربية. لكن هذا التواصل، لم يؤدِ، إلا نادراً، لإخضاع المسائل المرتبطة بمجموعات القوانين الإيمانية إلى الضرورات الوضعية، بل ظلت مغلقة على الدوام. وفي عام1945، قامت حركات التحرير القومية وحُرِّّكت الجماهير الشعبية للتخلّص من الاستعمار، ورفعت شعارات، ذات ووزن في المستوى الإنساني، وهذا يستوجب منا أن نتذكره في قراءتنا كي لا نقع في الوضعي الانتقاصي.

لقد قام "القرآن/ المصحف"، مثل التوراة والأناجيل، بوظيفتين رئيسيتين في تنشيط الوجود الإنساني ضمن إطار الفكر الإيماني، حتى عندما تحوَّل إلى مدونة رسمية مغلقة.

الوظيفة الأولى، هي دعم القوة الروحية والأدبية التي أدت في حينه إلى خرق جميع أشكال الانغلاق في الطقوس الشكلية والقوانين العقائدية السابقة لها. والوظيفة الثانية، هي بناء فضاءات رمزية مثالية تحيي الأمل، وتشفي من المخاوف الوجودية، وتحوِّل الألم إلى طاقة للتجاوز، مغذية حب القريب لتحاشي العنف المنظم. وهنا تبرز علمانية،.. أصبحت من مزايا العالم الثالث الذي سار على طريق الثورات المسماة اشتراكية.. نتيجة التثاقف الحديث الذي خطط له رواد النهضة. لكن الهزائم السياسية لهذا التوجه العلماني ـ الذي كان في جوهره ضد الديمقراطية ـ فتح الأبواب على البديل الوحيد المتاح في المجتمعات التي يسري فيها الواقع الإسلامي، ألا وهو: الثورة المسماة دينية.

وراء الشكلية

إن ثنائية "قرآن مصحف" التي تحولت إلى وظائف طقسية خلال قرون الجمود، فرضت نفسها الآن وكأنها السلطة العليا لجميع "الإقرارات الشرعية"،.. وفي الواقع، إن هذه الإقرارات الشرعية لاترقى إلى مستوى التشريعات في مجتمعات ينبغي عليها أن تتصدّى في آن ٍ معاً للتحديات الثنائية الناجمة عن تداعيات الحداثة ـ التي لم تندمج معها أبدا ـ والعولمة التي هي اكثر تدميراً للثقافات المغلقة ضمن الطوق العقائدي للتراث.

 إن الاستهلاك الشعبي لمضمون النص "القرآن المصحف" هو صفحة من التاريخ غير المكتوب في إرث الكتب المقدسة بشكل ٍ خاص، وتاريخ الايديولوجيات الوضعية التي تحرك الخيال بشكل ٍ عام.

لقد لخصت في خطوط عريضة، من أجل جمهور واسع، العلو التاريخي للصرح الثقافي والروحي الإسلامي الذي يتجاوزمجمل تلك الأغراض التاريخية التي أسميتها ثنائية

"قرآن/ مصحف"،.. وخطابات قرآنية،.. ومجموعة القوانين الرسمية المغلقة COC والمدونات التأويلية حيث يسجل المجتهد صاحب التأويل في سجل الحياة نجاحاته وهزائمه وأبحاثه، معتمداً ـ رغم الضغط المستمر. على إرادته في القوة والتوسع.

إن ما أورثته التقاليد الدينية تحت عنوان الكتابات المقدسة يقدم أيضا بعداً عميقاً في تاريخ الشواهد على خصوبة الإبداع، وعلى علو المقدرات التصورية لكلام الحياة المستعاد، والذي تجدد نشاطه في الحياة اليومية انطلاقاً من ذلك الدعم التقني الصامت الذي هو "النص".

ولكن،لايمكن تجاهل أن ثقافة الإيمان في الوقت الراهن قد حدّ منها انتشار عدم الأيمان. فثقافة الإيمان، تكاد تكون صفة ملازمة للمتخلّفين والنامين والمُستعمَرين، والمسحوقين، والمنبوذين. أما ثقافة اللاإيمان فهي صفة يعزوها البعض إلى المجتمعات ألاستهلاكية. لكنّ هذا التصنيف مضلّل لأن التدين الذي يعمّ الولايات المتحدة، أو الطبقات الغنية في البلاد الفقيرة، يقوم بدمج انتهازي لرفاهيات يوفرها الشكلان المتنافسان للثقافة المعاصرة. وهذا الوضع يتطلّب الانكباب على إعادة تأسيس وتوسيع الفكر النقدي المطبَّق على البنى المرتجلة لجميع أنظمة القيم التي تتصادم، وتتصارع، وتلغي بعضها بعضاً بغضب ٍ شديد، مقوية سيادة العنف المنظّم الذي أصبح اليوم أنشط من أي وقت ٍ مضى في تاريخنا العام منذ 1945

إن وضع الآيات القرآنية في مدونة رسمية مغلقة يشجع انتقاء التفاسير الأكثر تعسفية لتقديس وتصديق التصاريح العقائدية،.. والصفقات السياسية الأكثر تضاداً مع مقاصد النصوص ذاتها.

ينبغي التركيز على إبراز الآيات التي تساعد على دعم الأفكار الحديثة في العدالة، والتسامح، وحقوق الإنسان، والديمقراطية، والمعرفة العلمية، والابتعاد بحرص شديد عن إشكالية النصوص الفقهية التي تتناول وضع النساء، وحريات المواطن، والممارسات النقدية للمعرفة، والإرث،.. الخ. [1]


 

[1]  من اجل تحليل اكثر تفصيلاً حول التلاعب بالمدونات الرسمية المغلقة من قبل مختلف الناشطين الاجتماعيين، انظر في كتاب

ل"محمد آركون" HUMANISME ET ISLAM صفحة 43- 51.