العدد السادس عشر - تشرين الثاني 2006

هموم الوطن بالأحمر والأخضر

أسماء وهبة
الاحد 19 تشرين الثاني (نوفمبر) 2006.
 

أمين الصايغ:أحاول الهروب في لوحاتي إلى عالم مليء بالصفاء والسلام

الفضاء متلألئ، الأرض تموج بالناس، صوت الموسيقى الكلاسيكية تصدح بين الأضواء البرتقالية والحمراء والخضراء في حديقة ازرانت بلوحات معرض "الصفاء"  للفنان التشكيلي أمين الصايغ، الذي استقبل "تحولات" وكان معه لها الحوار التالي:

- ما هو القاسم المشترك بين كل لوحاتك؟

الشيء المشترك بينها هو اللون، الحالة، الخطوط، الصفاء. وهو بالمناسبة عنوان معرضي الأخير الذي أقمته في الجميزة في شهر أيار الماضي. يظهر هذا الصفاء في الإتساع الأفقي الذي تتمتع به كل اللوحات، وميلها إلى الطبيعة بطريقة مجردة. ويظهر جلياً من خلال استخدام الألوان النارية التي تضفي على اللوحة ضوءاً جميلا؛ من دون أن أنسى بعض الألوان الباهتة التي تضفي على الألوان النارية ثباتاً ورونقاً، كما قد تبرز للمشاهد جانباً من معاني اللوحة.

- يبرز في معظم لوحاتك اللونان الأحمر والأخضر، فهل من المضمون رمزية سياسية معينة؟

لا ليس هنالك علاقة بين الألوان والسجال السياسي الدائر حالياً. وينبع استخدامي للونين الأحمر والأخضر من طبيعتهما النارية، ربما بجسّدان حالة معينة كنت أعيشها فأسقطتهما على لوحاتي، سياسية كانت أو خاصة أو شاعرية.. لا أعرف.. فأنا لا أميل إلى تحليل حالتي النفسية وربطها بما أستخدمه من ألوان وما ترسمه ريشتي من خطوط.

- هل يفكر الرسام في لوحته قبل أن يرسمها؟

لا يجب أن يفعل ذلك، بل يجب أن يميل في عمله إلى العفوية، لأن التخطيط قد يفقد اللوحة حسها الفني الحقيقي.

- هل اعتمدت في كل معرضك على فكرة الألوان؟

نعم، لأني أعشق الألوان. وهناك تقارب بين الألوان التي استخدمتها، ولعل ذلك يعود إلى بيئتي البقاعية التي نشأت فيها. فالطبيعة تعني لي الكثير، وعشاق الطبيعة يغرمون بالألوان، ويميلون إلى التحليل اللوني وخلط الألوان في لوحاتهم للوصول إلى لون الطبيعة الذي شاهدوه.

 

- ما هو موقع معرض "الصفاء" على خريطتك الفنية؟

هو نقطة تحول في مسيرتي الفنية بعد أن توقفت عن إقامة أي معرض فني لبعض الوقت، لذلك يعني لي الكثير بين معارضي الثلاث السابقة له. فاللوحات الموجودة فيه تميل إلى التجريد، كما يمتاز بحرية أكبر وصدق أعمق. لذلك استغرق عام كامل من الكد والتعب حتى أنجزت 63 لوحة تدور حول الطبيعة، لكنها تختلف في مضامين تحليل هذه الطبيعة.

 

- ماذا أضاف إليك معرض "الصفاء"؟

أضاف لي الكثير، أهمها العزيمة التي لا تكسر القادرة على تخطي الأزمات التي يعيشها لبنان اليوم.

 

- لماذا لم تبرز في لوحاتك أياً من الأحداث التي مر بها لبنان؟

أعتقد البعض أن استخدامي للون الأحمر نابع من تأثري بهذه الأحداث، لكن هذه مقاربة ليست في محلها. إلا أن هذا لا يلغي تأثري بها، لكن أعتقد أن الفصل بين الرسم والسياسة أحياناُ قد يكون مهماً، فلماذا ينصب جلّ اهتمامنا على كل ما هو سياسي دون غيره من الأشياء الجميلة في حياتنا. أعتقد أن الطبيعة التي أبرزتها في لوحات معرضي أهم من إبراز تلك الشجون، لأنها تمثل لي صورة لبنان الحلم الذي أتمناه!

 

 

 

- صعوبة تفسير اللوحة مشكلة تواجه عدداً من زوار المعارض الفنية. كيف يمكن مساعدتهم لتخطي هذه المشكلة؟

أعتقد أن تفسير اللوحة يفقدها قيمتها، لأن كل شخص يتفاعل مع اللوحة على طريقته فاللوحة الفنية كالأحاسيس الإنسانية يصعب في بعض الأحيان تفسيرها.

- ما المشاكل التي تواجه الرسام اليوم؟

أعتقد أن تراجع كل ما هو ثقافي يشكل كارثة بحد ذاته، بالإضافة إلى التعتيم على كل ما هو فني محترم. كما تكمن مشكلة آلية إيصال الأعمال الفنية الراقية إلى الناس، بالرغم من أن الفن هو الواجهة الثقافية التي تميز لبنان. لكن تدخل رأس المال في الحركة الفنية أصاب هذه الصورة ببعض الإهتزاز، هذا عدا عن افتقارنا إلى نقاد فنيين محترفين يعتمدون على التحليل المنهجي للوحات، يغوصون في العمق للوصول إلى أحاسيس الرسام وإيحاءاته الإبداعية التي جسدها في لوحاته؛ بل نجد اليوم نقاد يعتمدون على عمل حرفي وليس احترافي تدخل فيه الأمور الشخصية والعلاقات الخاصة.

- هل مازال اللبنانيون يقبلون على المعارض الفنية؟

نعم، لكن هنالك تراجع واضح لحركة الفن بشكل عام والفن التشكيلي بشكل خاص.

- إلى أين تأخذك لوحاتك؟

تأخذني إلى الخيال حيث صور أنسجها على طريقتي يملئها السلام .

- إلى أي مدى يؤثر مكان عرض اللوحات على المتلقي؟

له تأثير كبير، لأنه كالوعاء الذي يحتضن اللوحة. فالتجانس بينهما مطلوب، حيث يشعر المتلقي بالحميمية بين اللوحات ومكان عرضها.

- كيف يمكن أن تخلق ريشتك من الألوان لوحة راقصة صاخبة؟

الرقص ينبع من اللون بحد ذاته، ومن خلال الحالة النفسية للفنان إن كانت حزينة أو سعيدة. فالحزن والفرح يلتقيان حول الرقص، وأعتقد أن المنظر المثالي لصخب الألوان هو الطبيعة. ومن المهم أن يتجرد الفنان عن كل ما يحيط به أمام لوحته وألوانه، لذلك تجردت عن ما يسمى بثقافة الألوان التي ألقت بظلالها على المجتمع اللبناني، بعد أن احتكركل فريق سياسي لون له، وبالطبع يتهم كل من يستخدم أحد تلك الألوان بالإنتماء لهذا الفريق السياسي أو ذاك، الشيء الذي قيد الفنانين إلى حد ما .

- هل يجب أن يتحرر الفنان من كل القيود؟

بالطبع، لأن الفن يساوي الحرية المتحررة من الحدود والضوابط والخطوط حمراء. وإذا راعى الفنان أثناء عمله تلك الأشياء سيرهن نفسه وموهبته لموقف معين، مما سيلقي به وراء قضبانها. وهذا للأسف جزء من صورة الفن في لبنان عموما. لذلك من المهم أن يستمر الفنان في البحث عن خطه الخاص طوال حياته، لأنه إذا وجده سيتوقف عن الإبداع. وعلى صعيدي الشخصي ما زلت أبحث عن الضوء واللون.

- ما الذي تحاول الهروب منه في لوحاتك؟

الحزن الذي يعيشه لبنان، والذي أحاول الهروب منه إلى واقع آخر مليئا بالخيال، الذي بات عاملاً جاذباً للمشاهد اللبناني حيث الراحة والسعادة وربما الأمن.

- ما الذي يحدد مسارك الفني في هذه اللحظة؟

لا أكترث كثيراً بهذه المسميات. أنا اليوم في حالة وقفة مع الذات، وكل أعمالي التي أقدمها نابعة من داخلي وأحساسي رغم الصعوبات، وافتقار الدعم لكل فنان مبدع، لكأن هنالك استمراراً لمقولة أن الثقافة هي ترف لا يتمتع به إلا القادرون عليه، مما أبعد العمل الثقافي عن حياة الناس. لكن هنالك بعض الإرهاصات التي بدأت تتشكل اليوم والتي ستدخل الثقافة، رغما عن أصحاب هذا المنطق، إلى لبّ حياة الناس.