العدد السادس عشر - تشرين الثاني 2006

السلطة في الإسلام مدنية أم دينية؟

عبد الوهاب محمود المصري
الاحد 19 تشرين الثاني (نوفمبر) 2006.
 

اطلعنا، باهتمام بالغ، على مقال الكاتب نذير الحموي، المنشور في تحولات الغراء، (العدد/13/ـ تموز2006)، تحت عنوان خرافة الدولة المنشودة. ونقدم فيما يلي تعقيباً على مقال الكاتب الكريم، ونعرضه (باختصار) تحت عناوين سبعة هي:

ـ ملاحظتان لا بد منهما. ـ الدولة الإسلامية. ـ في الطاعة والخروج. خامساً ـ في الذميين. ً ـ في الإجابة عن الأسئلة. ـ في الرد على شبهات...

أولاً ـ ملاحظتان لا بد منهما!

لقد تملكتنا الدهشة، لدى قراءة مقال كاتبنا، لسببين اثنين، .. أولهما يتعلق بالمراجع، وثانيهما يتعلق بالتعريفات.

ـ فيما يتعلق بالمراجع: لوحظ أن مقال كاتبنا، وعلى الرغم من أنه مقال طويل (أكثر من /3000/ كلمة) ويعالج قضية خطيرة وحساسة للغاية، خلو من المراجع ( تقريباً).. فقد اقتصر كاتبنا على ذكر مرجعين اثنين فحسب (وهما: تاريخ بغداد للخطيب البغدادي، وهؤلاء أضاعوا فلسطين ليوسف عيد)، من دون ذكر أرقام الأجزاء و الصفحات المعنية!!!

ـ وفيما يتعلق بالتعريفات: يقول كاتبنا: لن ندخل مع الباحث المصري فيما ذهب إليه من إيراد التعريفات، لأن لكلٍ قناعاته في مثل هذه التعريفات، وكل يتبنى منها ما يخدم غرضه، وقد تتناقض هذه التعريفات إلى حد أن يلغي بعضها بعضاً. وما يهمنا هو الواقع وما ينطبق عليه، إن كان تعريفاً أكاديمياً أو حتى شعبياً، والغاية هي الوصول إلى ما يخدم مصلحة المجتمع قاطبة دون استثناء وهكذا، فإن كاتبنا لا يرى ضرورة لذكر التعريفات. ونحن نرى غير ما يراه كاتبنا.. إذ يمكن اعتبار مقالات كاتبنا ومقالاتنا حول الدولة الدينية مناظرة بالمراسلة إن صح التعبير، .. فالمناظرة بالتعريف (ونحن نصرّ دائماً على ضرورة التعريف) هي: المحاورة بين فريقين حول موضوع لكل منهما وجهة نظر فيه تخالف وجهة نظر الفريق الآخر، فهو يحاول إثبات وجهة نظره وإبطال وجهة نظر خصمه، مع رغبته الصادقة بظهور الحق و الاعتراف به لدى ظهوره. (عبد الرحمن حبنكة الميداني، ضوابط المعرفة، ص371).

والمناظرة تكون حول واحد أو أكثر من الجوانب التالية: العبارة، والنقل، والتعريفات، (لاحظ: التعريفات)، والتقسيمات، والتصديقات، والمركب الناقص وقيود القضايا.(الميداني، المرجع السابق، ص376).

ومن المعروف أن أولى مراحل المناظرة هي مرحلة المبادئ وفيها يتم تعيين محل النزاع، حتى لا يتشتت الفريقان في أطراف غير متطابقة، وحتى لا يتكلم كل منهما في واد غير الوادي الذي يتكلم فيه مناظره. (الميداني، المرجع السابق، ص 376).

ويقرر الدكتور الشيخ يوسف القرضاوي أن من الأمور المهمة لتقريب شقة الخلاف، تحديد المفاهيم التي يقع فيها النزاع، وبيان مدلولها بدقة ووضوح يرفع عنها الغموض والاشتباه، فكثير ما يحتد النزاع حول مفهوم معين، لو حدد بدقة وشرح بجلاء لأمكن للطرفين أن يلتقيا عند حدّ وسط. ومن ثم، .. كان علماؤنا السابقون يحرصون على تحرير موضع النزاع في المناظرات والخلافيات، حتى لا تنصب المعركة على غير شيء. وكثيراً ما يشتد الخلاف بين فريقين، ويثور العجاج بينهما، ثم يتبين في النهاية أن الخلاف كان لفظياً، فتوضيح المصطلحات، وإزالة الغبش واللبس عنها، يقرب المسافة بين المختلفين، وقد يزيل الخلاف من أساسه إذا صدقت النيات. (د.القرضاوي، الصحوة الإسلامية الاختلاف المشروع والتفرق المزموم، ص 83ـ90).

ونحن نرى أن الخلاف بين كاتبنا والإسلاميين يتمحور حول مفهوم الدولة الدينية وهذا ما سنوضحه في البند التالي من هذا البحث، بما يؤكد ضرورة تحديد المفاهيم أو التعريفات.

ثانياً ـ في الدولة الدينية:

يقول كاتبنا: إن إدخال الدين بالسياسة يعني بوضوح تام قيام دولة دينية تكون سياستها الداخلية والخارجية قائمة على الشرع الإسلامي، أو غيره، حسب اتجاهها الديني. وعليه، فالدولة الدينية هي دولة الجماعة المؤمنة، والمؤمنون هم رعايا للحاكم نيابة عن الله. ويقول كاتبنا أيضاً: الدولة الدينية هي دولة طائفية بل مذهبية تخص فئة دون غيرها، ومنها يخرج القواد والأمراء وأولو الأمر. ونحن نخالف كاتبنا فيما ذهب إليه، ونعالج ما طرحه تحت عنوانين اثنين: مفهوم الدولة الدينية و أشكالها، والموقف الإسلامي من الدولة الدينية..

1 ـ في مفهوم الدولة الدينية وأشكالها:

الدولة الدينية (أو الحكومة الدينية أو الثيوتقراطية theocracy) هي حسب قاموس وبسترز الجديد: حكومة الكهنة أو الرجال الذين يدعون معرفة إرادة الله. (انظر صفحة1025) وهي حسب قاموس لونغمان للإنكليزية المعاصرة: نظام اجتماعي أو دولة محكومة من قبل قادة دينيين (انظر صفحة1718). وهي حسب معجم المصطلحات الاجتماعية: النظام السياسي الذي يستند على التفويض الإلهي الخارج عن إرادة البشر، حيث يتولى السلطة رجال الدين، وفيه، فإن السلطة الدنيوية يجب أن تتبع السلطة الروحية. ويتضح من الدراسات التاريخية للثيوقراطية أنها كانت تتعارض مع النزعة الإنسانية Humanism من الناحية الفلسفية، ومع الديمقراطية من الناحية السياسية. (د. أحمد زكي بدوي، معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية، ص424).

والثيوقراطية في الفقه الدستوري تعني أن الله تعالى هو مصدر السلطة السياسية. (الدكتور أحمد العوضي، موقف الفكر السنّي من نظرية إلهية السلطة، مجلة دراسات علوم الشريعة والقانون، المجلد 28، أيار 2001، من ص22-31).

وللدولة الدينية، كما ظهرت في الفكر الغربي على مدى التاريخ، أربعة أشكال نجملها فيما يلي:

ـ الشكل الأول (إلهية شخص الحاكم): يقوم هذا الشكل على أن الحاكم هو الله ذاته.. فالسيادة للحاكم وحده، وسلطته مطلقة، وإرادته واجبة التنفيذ.

ـ الشكل الثاني (إلهية نسب الحاكم): حيث يعتقد الحاكم أنه من أصلاب الآلهة، وأنه يحكم باسمها، فهو المعبود ومصدر الدين، وتكون عبادته وطاعته واجبتين على الأمة.

ـ الشكل الثالث (إلهية حق الحاكم في السلطة السياسية): حيث يستمد الحاكم سلطته من الله مباشرة ومن دون تدخل إرادة أخرى، فهو وحده الذي يصطفي الحاكم ويمنحه السلطة.

ـ الشكل الرابع (إلهية اختيار الحاكم): ويقوم هذا الشكل على أساس أن الله تعالى لا يباشر بنفسه اختيار شكل السلطة، .. ولا شكل الحاكم، ولكنه يوجه إرادة الناس، .. بحيث يقع اختيارهم ورضاهم على من اصطفاه هو. (انظر التفاصيل عن الأشكال الأربعة في: الدكتور العوضي، المرجع السابق).

2 ـ في الموقف الإسلامي من الدولة الدينية:

من الواضح أن الأشكال الأربعة للدولة الدينية (أو الثيوقراطية) مرفوضة، كلها، من منظور المسلمين الذين يسمون أنفسهم أهل السنة والجماعة، وهم يشكلون الغالبية العظمى من المسلمين اليوم، بينما يشكّل المسلمون الذين يسمون أنفسهم الشيعة أقل من 15% من مسلمي عالم اليوم، أي بمعدل شيعي واحد من كل سبعة مسلمين. (انظر: الدكتور مراد هوفمان، الإسلام كبديل، ص126)..

فالشكلان الأول والثاني من الثيوقراطية (أي إلهية شخص الحاكم وإلهية نسب الحاكم) مرفوضان في الإسلام السني، لأن الإسلام يقوم على التوحيد ونفي الألوهية عما سوى الله تعالى. والشكل الثالث (إلهية حق الحاكم في السلطة السياسية) مرفوض أيضاً، لكون الإسلام لا يعترف بالسلطة أو الحكومة التي تدّعي أن الله تعالى اختارها لتحكم الناس، لأن الرسل والأنبياء، فحسب، هم الذين يختارهم الله تعالى، والطريق الشرعي الوحيد في الشريعة الإسلامية لمباشرة السلطة هو الترشيح فالانتخاب الحرّان، والبيعة الرضائية. وكذلك فإن الشكل الرابع من الثيوقراطية (إلهية اختيار الحاكم) مرفوض، لأن الجبر والتسيير يتنافيان مع الإسلام، فلا يصح القول بأن الله تعالى يوجه الحوادث بحيث لا يختار الناس إلا ما اختاره الله تعالى. وبذلك، فإن الثيوقراطية مرفوضة، جملة وتفصيلاً، في الإسلام السني. (انظر: الدكتور العوضي، المرجع السابق).

أما الشيعة (وهم قلة قليلة، والنادر لا حكم له عند العلماء)، فيرون (وحدهم، وما عدا الزيدية منهم) أن السلطة في الإسلام تكون بتفويض من الله تعالى، ويجعلون الطريق الشرعي إلى الإمامة النص الجلي من الله تعالى على لسان رسوله محمد، صلى الله عليه وسلم، إلى علي كرّم الله وجهه، ثم من إمام إلى إمام إلى يوم القيامة. (د. العوضي، المرجع السابق). وهم يعتبرون مرشد الثورة في إيران وكيل الإمام الغائب وولي أمر المسلمين، لكونهم يعتمدون ولاية الفقيه. ويقول المفكّر الدكتور محمد عماره في الموقف الشيعي من الثيوقراطية: ونحن إذا ذهبنا نبحث عن الملابسات التي صاحبت دخول فكرة السلطة الدينية ونظرية الحاكم بالحق الإلهي إلى تراث الإسلام الفكري، على يد الشيعة، في النصف الثاني من القرن الهجري الأول، وجدنا تلك الملابسات متميزة، .. بل ومختلفة عن نظيرتها في الحضارة الأوروبية المسيحية بالعصور الوسطى.. تمايزت النوايا واختلفت المنطلقات والغايات، ولكن النتائج عادت فاتحدت واتفقت كل الاتحاد وتمام الاتفاق.(...) فبينما كانت نظرية الحق الإلهي في أوروبا المسيحية التبرير للسلطة الظالمة، كانت عند الشيعة في الحضارة العربية الإسلامية، التعبير عن الشوق إلى قلب السلطة الظالمة، والإتيان بدلاً منها بسلطة العدل الإلهي.. كانت الرفض للظلم، والحلم بسلطان ذلك الإمام الذي اختار الله، وصنعه على عينه، ووهبه العلم غير المحدود، وعصمه ـ كالرسل والأنبياء ـ من الخطأ والضلال، والذي سيملأ الأرض عدلاً بعد أن ملئت جوراً! ولكنّ اختلاف النوايا وتمايز الغايات لم يمنعا اتحاد النتائج عند أصحاب النظرية في كل من الحضارتين: كهنوت الكنيسة الكاثوليكية في أوروبا المسيحية، والشيعة في حضارتنا العربية الإسلامية.. لأن جعل النظام السياسي وقمة السلطة في المجتمع ركناً من أركان الدين وشأناً من شؤون السماء قد أدى إلى عزل البشر وإبعاد الأمة عن أن تكون هي المصدر الأصلي والأساسي للسلطة والسلطان. ولذلك، وجدنا الفكر الشيعي يصل إلى النتائج نفسها التي وصل إليها أصحاب هذه النظرية في أوروبا المسيحية إبّان العصور الوسطى، وذلك عندما قرر الشيعة أن الإمامة تقاس على النبوة، ومن ثم، فإن الإمام ـ مثله مثل النبي والرسول ـ معصوم من الخطأ والضلال، بل إنه ينفرد بالعصمة وحده من دون سائر أفراد الأمة، وأن عصمته هذه ضرورية لضمان انتفاء الخطأ في أمور الدين والدنيا، لأن الأمة جميعها يجوز عليها الخطأ والاجتماع على الكفر والضلال، وليس هنالك معصوم سوى ذات الإمام!(...) ولقد رفضت كل التيارات الإسلامية غير الشيعية هذه النظرية، وفندت منطلقاتها ووسائلها النظرية، وما وصلت إليها من نتائج، وما ترتب عليها من آثار. ووجدنا لدى عديد من مفكري المعتزلة والخوارج وكل فرق أهل السنة صياغات نظرية تؤكد على أن السلطة مدنية، وليست دينية، وعلى أن العصمة والثقة هما لمجموع الأمة، وليستا لفرد من الأفراد. (الدكتور محمد عماره، الدولة الإسلامية بين العلمانية والسلطة الدينية، ص ص22 ـ 24).

وهكذا.. فالدولة الدينية، أو الثيوقراطية، مرفوضة لدى الإسلاميين (عدا قلة قليلة هم الشيعة)، وهذه حقيقة يعترف بها حتى المستشرق المعروف بعدائه للإسلام برنارد لويس، عندما يقول: إذا كنا نعني بالثيوقراطية دولة تحكمها الكنيسة أي الكهنة، فالإسلام ليس كذلك. (برنارد لويس، اللغة السياسية في الإسلام، ترجمة د.محمد علي مقلد، مجلة الفكر العربي المعاصر، العددان 72 و73، كانون الثاني 1990، ص43).

حاكمية الله أم حاكمية الشريعة؟

وعندما يرى كاتبنا في إدخال الدين بالسياسة، أو تديين السياسة، أو الدولة الإسلامية (التي ستكون موضوع بحثنا في البند التالي مباشرة) دولة دينية طائفية مذهبية يكون فيها الحاكم نائباً عن الله تعالى، فإنه يرتكب (تجاه الإسلاميين المنادين بإقامة الدولة الإسلامية) مغالطة تسمى تجاهل المطلوب، وقوامها: أن ينسب المغالط إلى خصمه قضايا يوهم بها أنها من لوازم مذهبه، مع أن الخصم لا يقول بها، بل قد ينكرها، وهي في حقيقتها ليست من لوازم مذهبه. (الميداني، ضوابط المعرفة، المرجع الأسبق، ص309).

ويلاحظ أن كاتبنا مع العلمانيين عندما يخلطون الأمور عامدين متعمدين.. فهم لا يفرقون بين السلطة السياسية التي هي اختصاص السيطرة في المجتمع، وبين السيادة أو الحاكمية التي هي اختصاص التشريع، بل يجعلونهما شيئاً واحداً، ثم ينسبون القول بالثيوقراطية إلى كل من يقول بحاكمية الله تعالى التي تتجسد على أرض الواقع في حاكمية الشريعة، وينتهون إلى أن يتهموا الإسلاميين بأنهم يدعون إلى إقامة دولة دينية، فتأمل يا رعاك الله!!!

ثالثاً ـ في الدولة الإسلامية:

يقول الإسلاميون (في أدبياتهم) إنهم ينشدون إقامة الدولة الإسلامية التي هي دولة مدنية مرجعها الدين أو الإسلام، وسنعرض (باختصار) هذه المقولة تحت عناوين ثلاثة: الدولة الإسلامية مدنية، والإسلام مرجعية.. لماذا؟ ومبادئ الحكم الإسلامي..

1 ـ الدولة الإسلامية دولة مدنية:

يقول الدكتور الشيخ يوسف القرضاوي (الذي هو الآن رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين) عن الدولة التي يبنيها الإسلام: إنها ليست دولة دينية أو ثيوقراطية تتحكم في رقاب الناس أو ضمائرهم باسم الحق الإلهي. ليست دولة الكهنة أو رجال الدين الذين يزعمون أنهم يمثلون إرادة الخالق في دنيا الخلق، أو مشيئة السماء في الأرض، فما حلّوه في الأرض فهو محلول في السماء، وما عقدوه في الأرض فهو معقود في السماء! فالحق أنها دولة مدنية تحكم بالإسلام، وتقوم على البيعة والشورى، ويختار رجالها من كل قوي أمين حفيظ عليم، فمن فقد شرط القوة والعلم أو شرط الأمانة والحفظ، فلا يصلح أن يكون من أهلها إلا من باب الضرورات التي تبيح المحظورات (د. القرضاوي، من فقه الدولة في الإسلام، ص30).

وهكذا.. فالدولة التي يبنيها الإسلام دولة يكون مصدر السلطة فيها الأمة لا الله تعالى، فتكون بذلك دولة مدنية لا دولة دينية.

2 ـ الإسلام مرجعية.. لماذا؟

يقول المفكر الدكتور عبد الوهاب المسيري: يقود بعض المفكرين تياراً سياسياً مهماً يؤمن بأن المرجعية الإسلامية هي المجال أو الطريق الوحيد لحل مشاكل هذا المجتمع، وهو ما اتفق معه، لأن أي مجتمع لابد أن يكون له مرجعية نهائية واحدة، ومن لم يكن عنده مرجعية نابعة من تراثه فيستوردها من الغير (د. المسيري، في حوار أجرته معه جريدة القاهرة، 24/1/2006). ويقرر المؤرخ الدكتور عبد العزيز الدوري أن الإسلام جاء بفكرة الأمة، وطبيعي أن العقيدة رابطة فيها. (د. الدوري، في مقابلة أجرتها معه مجلة المنابر، كانون الثاني 1989، ص41).

ويمكن أن نرجع اعتماد الإسلاميين الإسلام مرجعية، إلى سبب ديني وأسباب دنيوية أو عملية.. فالله تعالى يقول: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً) ـ (المائدة: 30).

 

رابعاً ـ في الطاعة والخروج:

يقول كاتبنا: الرعية مفروض عليها الطاعة، وعصيان الخليفة عصيان لله، فهو ظل الله في الأرض. ذلك ما يراه كاتبنا في الحكم الإسلامي، ونحن نرى غير ما يراه..

فقد كان بعض العلماء القدامى يرون أن طاعة الحكم واجبة ولو كره منه الناس أشياء، وأنه لا يجوز الخروج على الحاكم إلا بإعلان الكفر صراحة، فإذا كفر بإنكار أمر من ضروريات أو بدهيات الدين حل قتاله، بل وجب، منعاً من فساده وفوات مصلحة تعيينه، وإلا فلا، حفاظاً على وحدة الأمة وعدم الفوضى. (الدكتور وهبة الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته، ج6، ص708).

وقال المعتزلة والخوارج والزيدية وكثير من المرجئة: الخروج واجب إذا أمكننا أن نزيل بالسيف أهل البغي ونقيم الحق، عملاً بقوله تعالى: (تعاونوا على البر والتقوى).. وقوله: (فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله)، وقوله: (لا ينال عهدي الظالمين). وقال أبو بكر الأصم: السيف واجب إذا اتفق على إمام عادل يخرجون معه لإزالة أهل البغي. (د. الزحيلي، المرجع السابق، ص709).

ويقول المرجع الشيعي السيد محمد حسين فضل الله: إذا انحرف الحاكم عن خط الاستقامة وتحوّل إلى مستبد، سقط تلقائياً، فلا يجوز للناس أن يلتزموا أو يسكتوا(...). أما مسألة أن يكون الخروج على الحاكم خروجاً على الإسلام، فهذا ليس صحيحاً. إذا أخطأ الحاكم وجب على الناس أن يخرجوا عليه ويسقطوه، فلا شرعية للحاكم الذي يخرج على خط العدالة، عدالة الدين وعدالة القانون. لا شرعية للحاكم إذا تحوّل إلى حاكم مستبد يحكم بأهوائه. حينذاك، يجب على الشعب، وجوباً شرعياً كوجوب الصلاة، أن يسقطه، ولا تبرأ ذمة أحد في اتباعه في أي شيء. (السيد محمد حسين فضل الله، في مقابلة أجرتها معه جريدة المحرر نيوز، 25/1/1998).

ونخلص من ذلك كله (حول الطاعة والخروج)، إلى أن طاعة الحاكم في الدولة الإسلامية واجبة، إلا أن يصل إلى الحكم بطريقة غير مشروعة، أو ن يخالف شروط العقد الاجتماعي أو عقد البيعة، أو أن يكفر كفراً بواحاً

خامساً ـ في الذميين:

يقول كاتبنا: القسم الأخير من رعايا أمير المؤمنين هم الذميون وأمرهم تابع لمزاج الأمير، فإن نالوا الحظوة والرضا كانوا في أمان، وإن نالوا الغضب والسخط فالويل كل الويل. فهذا الخليفة يفرض عليهم لباساً يميزهم عن الآخرين، وذلك يأمرهم بحمل الصلبان والأبواق في رقابهم، وآخر يهاجم معابدهم ليبيع الرهبان والقساوسة في سوق النخاسة. ونحن إذ نخالف كاتبنا فيما ذهب إليه، وخاصة عندما يقول عن الذميين إن أمرهم تابع لمزاج الأمير. وسنعرض وجهة نظرنا تحت أربعة عناوين هي: مفهوم أهل الذمة، وحقوق أهل الذمة، ونبذة عن تسامح المسلمين، والرد على الشبكات.

1 ـ في مفهوم أهل الذمة:

يؤكد الداعية المعروف الشيخ يوسف البدري أن لفظ أهل الذمة كان مصدر فخار لغير المسلمين، لأن معناه أنهم في كنف الله تعالى وليسوا في كنف الحاكم، وفي ذمة النبي لا في ذمة المسلمين، ومعنى ذمته أن ذلك الشيء يجب الحفاظ عليه ورعايته، لذلك كان أول معاش في الإسلام لذمي يهودي كان يتسوّل، فلقيه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فسأله عن السبب فقال: لثلاث.. الشيبة والجزية والحاجة. فقال عمر: ما أنصفناك إذا كنا أكلناك في شيبتك وضيعناك في شيخوختك، خذوه إلى بيت المال، فحطوا عنه الجزية، وافرضوا ما يكفيه ويكفي عياله، وافعلوا ذلك بأمثاله. (ذكره: أحمد عبد الله، مصطلح أهل الذمة، جريدة الشرق الأوسط، 18/5/2006).

ويقول مستشار وزير الأوقاف المصري الدكتور محمد شامة: لم تكن في العصور القديمة أقلية دينية تستطيع أن تعيش بين أغلبية تعتنق ديناً آخر، فجاء الإسلام وقال إن الأقليات الدينية في ذمتنا، لهم ما لنا وعليهم ما علينا. (ذكره: المرجع السابق).

ويقول عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية الدكتور حسن الشافعي: الذمة هنا ليست ذمة المسلمين، وإنما ذمة الله ورسوله. فالمقصود بالذمة من الناحية الدينية الحماية وليس الإساءة، فالنبي محمد صلى الله عليه وسلم يقول: من آذى ذمياً، فأنا خصمه يوم القيامة. (ذكره: المرجع السابق).

2 ـ حقوق أهل الذمة:

يرى الشيخ يوسف القرضاوي أن الشريعة الإسلامية كفلت حقوق أهل الذمة، وأن حقوقهم مضمونة الوفاء بضمانين (هما ضمان العقيدة التي تأمر بالعدل حتى مع غير المسلمين، وضمان المجتمع المسلم المسؤول بالتضامن عن تطبيق أحكام الشريعة)، وأن حقوق الذميين تشمل الحماية من الاعتداء الخارجي ومن الظلم الداخلي، وبما في ذلك: حماية الدماء والأبدان، وحماية الأموال، وحماية الأعراض، وحرية التدين، وحرية العمل والكسب، وتولي وظائف الدولة. (انظر تفاصيل تلك الحقوق في: د. القرضاوي، غير المسلمين في المجتمع الإسلامي، ص ص 9ـ30).

وفيما يتعلق بوظائف الدولة خاصة، يرى بعضهم أن تحجب عن أهل الذمة الوظائف ذات الصبغة الدينية، كالإمامة ورئاسة الدولة والقيادة في الجيش والقضاء بين المسلمين والولاية على الصدقات ونحو ذلك، وإذ يلاحظ علماء ومفكرون معاصرون أن القرارات تتخذ (عادة) في هذه الأيام من قبل المؤسسات لا من قبل أفراد، فإنهم يجيزون تولي أهل الذمة كل الوظائف، وبما في ذلك رئاسة الدولة في حالة حدوث انتخاب بشكل ديمقراطي.

 3ـ نبذة عن تسامح المسلمين:

إن هناك شيئاً آخر لا يدخل في نطاق الحقوق التي تننظمها القوانين ويلزم بها القضاء وتشرف على تنفيذها الحكومات، وذلك هو روح التسامح التي تتجلى في حسن المعاشرة، ولطف المعاملة، ورعاية الجوار، وسعة المشاعر الإنسانية من البر والرحمة والإحسان وهي الأمور التي تحتاج إليها الحياة اليومية ولا يغني فيها قانون ولا قضاء. وهذه الروح تكاد لا توجد في غير المجتمع الإسلامي.

ويرجع أساس روح التسامح عند المسلمين (في معاملة مخالفيهم في الدين)، إلى الأفكار والحقائق الناصعة التي غرسها الإسلام في عقول المسلمين وقلوبهم، وأهمها: اعتقاد كل مسلم بكرامة الإنسان أياً كان دينه أو جنسه أو لونه (ففي القرآن الكريم: ولقد كرمنا بني آدم ـ الإسراء: 70)، واعتقاد المسلم أن اختلاف الناس في الدين واقع بمشيئة الله تعالى، الذي منح هذا النوع من خلقه الحرية والاختيار فيما يفعل ويدع. (ففي القرآن الكريم: فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر ـ الكهف: 29)، واعتقاد المسلم بأنه ليس مكلفاً أن يحاسب الكافرين على كفرهم، أو أن يعاقب الضالين على ضلالهم، فكل ذلك حق لله تعالى وحده يوم الحساب.

4 ـ في الرد على الشبهات:

 برغم هذه الصفحات المشرقة من العدالة والسماحة في الحضارة الإسلامية، وبرغم هذا التاريخ الحافل بالتسامح الفذفي شتى صوره ومظاهره، فإن بعض المستشرقين (ومن شايعهم من أبناء جلدتنا!) مازالوا يثيرون بعض الشبهات لتشويه حقيقة الإسلام. ومن أبرز هذه الشبهات: ختم رقاب أهل الذمة، وملابس أهل الذمة..

* أما شبهة ختم رقاب أهل الذمة فيقيمونها على أمور ثلاثة.. أولها أن هذا الختم دائم ومستمر، وثانيها أن المسلمين هم مبتكرو وهذه الأمور الثلاثة غير صحيحة كما بين ذلك المنصفون من المستشرقين أنفسهم، الذين درسوا قضية أهل الذمة درساً فاحصاً، ومن أبرزهم المستشرق ترتون. أما عن الأمر الأول، فقد ذكر المؤرخ اليعقوبي أن دقّ ختم الرقاب كان وقت جباية جزية رؤوسهم، ثم تكسر الخواتيم.(تاريخ اليعقوبي، ج2، ص13). وقال أبو يوسف ينبغي أن تختم رقابهم في وقت جباية جزية رؤوسهم، حتى يفرغ من عرضهم، ثم تكسر الخواتيم(أبو يوسف الخراج، ص72). وأما عن الأمر الثاني، فيقول المستشرق ترتون: لا من الحق أن نحمل العرب وزر هذا العيب، إذا لم يكونوا فيه إلا مقلدين لما اتبعه البيزنطيون قبلهم (ترتون، أهل الذمة في الإسلام، ص132). وأما عن الأمر الثالث، فيذكر الدكتور علي حسن الخربوطلي أن السياسة التي سار عليها المسلمون في ختم الرقاب وقت تأدية الجزية، جرياً على ما كان متبعاً عند الرومان البيزنطيين، ليست صورة لاضطهاد أو إذلال، ولكنها وسيلة لمعرفة و تمييز من أدى الضريبة ومن لم يؤدها

ـ وأما عن الشبهة المتعلقة بملابس أهل الذمة وأزيائهم، التي يضخمها المستشرقون (ويروون عن عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهما أنهما اشترطا على أهل الذمة ألا يتشبهوا بالمسلمين في ثيابهم وسروجهم)، فبغض النظر عن أن بعض المستشرقين الآخرين يشكلون في نسبة تلك الشروط على الخليفتين العادلين المذكورين، يقول الدكتور علي حسن الخربوطلي: ونحن نرى أنه لو افترضنا جدلاً حقيقة هذه الأوامر الصادرة عن الخليفتين، فقد كان هذا لا غبار عليه، فهو نوع من التحديد للملابس في نطاق الحياة الاجتماعية، للتمييز بين أصحاب الأديان المختلفة، فقد كانت الملابس المتميزة هي الوسيلة الوحيدة لإثبات دين كل من يرتديها. وكان للعرب المسلمين ملابسهم، كما للنصارى أو اليهود والمجوس ملابسهم أيضاً، وإذا كان المستشرقون قد اعتبروا أن تحديد شكل ولون الثياب هو من مظاهر الاضطهاد فنحن نقول لهم: إن الاضطهاد في هذه الصورة يكون قد لحق بالمسلمين وأهل الذمة على السواء، وإذا كان الخلفاء ينصحون العرب والمسلمين بأن لا يتشبهوا بغيرهم، فمن المنطقي أن يأمروا غير العرب وغير المسلمين أن لا يتشبهوا بالعرب المسلمين. (د. الخربوطلي، المرجع السابق، ص86و87). وقد ناقش المؤرخ ترتون هذه المسألة أيضاً، وقال: كان الغرض من القواعد المتعلقة بالملابس سهولة التمييز بين النصارى والعرب، وهذا أمر لا يرفى إليه الشك، بل نراه مقرراً تقريراً أكيداً عند كل من أبي يوسف (في كتابه: الخراج) وابن عبد الحكم (في كتابه: فتوح مصر)، وهما من أقدم الكتَّاب الذين وصلت إلينا كتبهم (ترتون، المرجع الأسبق. ونحن ننقل عن: د. القرضاوي، غير المسلمين، المرجع السابق، ص61).

 وآخر الكلام

اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا إتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.

سادساً في الإجابة عن الأسئلة

يقول كاتبنا: لو سلمنا جدلاً معهم (يقصد الإسلاميين) بقبول قيام هذه الدولة (يقصد الدولة التي ينشدها الإسلاميون)، فإننا نطالبهم الإجابة عن عدد من الأسئلة. ثم يطرح كاتبنا ثمانية أسئلة سنذكرها، فيما يلي، مع اجتهاداتنا (الموجزة) في الإجابة عنها، مستندرين (أساساً) إلى أدبيات الإسلاميين..

* السؤال الأول: أي مذهب من مذاهب الجماعة الإسلامية صاحبة الإجماع الأنفة الذكر سيكون عماد التشريع للدولة المنشودة؟

..الجواب: إن تقسيم المذاهب الإسلامية إلى سنة وشيعة وخوارج تقسيم قديم لا يلائم مستجدات العصر. ونرى أن التقسيم الملائم في ظروفنا الحاضرة هو التقسيم الثنائي على مذهبين اثنين.. مذهب أهل الغلو أو التطرف، ومذهب أهل الوسطية أو الاعتدال. والحق أن الكثرة الكاثرة من مسلمي اليوم على مذهب الوسطية، الذي هو مذهب الدكتور الشيخ يوسف القرضاوي رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين (ويرى الكثيرون أنه شيخ الصحوة الإسلامية)، وهو المذهب القائم على: الجمع بين السلفية والتجديد، والموازنة بينا الثوابت والمتغيرات، والفهم الشمولي للإسلام (بكافة أبعاده: الإيماني والاجتماعي والسياسي والتشريعي والحضاري)، والبعد عن تجميد الإسلام، أو تميبعه (بتصيره أو بلشفته أو رسملته)، أو تجزئته. (انظر التفاصيل في: د. القرضاوي، الصحوة الإسلامية وهموم الوطن العربي والإسلامي، ص 35-84). وهكذا، فإن هذا القصور للوسطية يخرج من ساحتها صراحة أو ضمناً، المتشددين والمغالين والمتطرفين، وبما في ذلك من يتشدد عند إصدار الفتاوى، ومن يعظم الأئمة المسلمين بصورة غير مشروعة، ومن يؤله العقل، ومن يقزم العقل أيضاً.

* السؤال الثاني: أما هو مصير من لا ينتمي إلى أحد مذاهب علماء المسلمين؟

** الجواب: تنفيذاً لأمر الله تعالى في القرآن الكريم: ( أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) - النحل: 125.. نرى أن تطبق تجاههم خطة الخليفة عمر بن عبد العزيز تجاه الخوارج (التي هي في الأصل خطة الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه)، وتقوم على أمور ثلاثة.. الأمر الأول أنهم أرادوا الحق فأخطؤوه، ومن ثم فقد آثر الخليفة أن يجاد لهم عسى أن يعيدهم الجدال على الحق ولم تمنعه هيبة الدولة أن يستقبل اثنين منهم، ليحاورهما ويرد على كل شبهاتهما. والأمر الثاني أنه أراد أن يفهم الخوارج أن نزوع الدولة إلى الحوار ليس عن ضعف، ولكنه أعذار منه إلى الله أن يقتل أحداً أو يسفك دماً، فأرسل إليهم رجلاً في ألفين. والأمر الثالث: لو أصروا على القتال ولم يرجعوا، فإن الدولة لا تجديداً من دفعهم، فإن قبلوا أن يعيشوا في الدولة بدون امتناع فلبا تثريب عليهم، على أن لا يفسدوا على أهل الذمة، ولايتناولوا أحداً من الله. (انظر: الدكتور كمال السعيد حبيب، الأقليات والسياسة في الخبرة الإسلامية، ص 173). وقد أوجز المفكر الإسلامي رشيد رضا روح هذه الخطة في التعامل (عملياً) مع المخالفين بالقول: نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه. ثم جاء الدكتور الشيخ يوسف القرضاوي فأضاف: إذا كان التعاون في المتفق عليه واجباً، فأوجب منه هو التسامح في المختلف فيه. وبين الدكتور القرضاوي أن هذا التسامح يقوم على جملة مبادئ ذكر منها: احترام الرأي الآخر، وإمكان تعدد الصواب، وحتمية الاختلاف في تكييف الواقع (تحقيق المناط). (انظر التفاصيل في: د. القرضاوي، الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم، المرجع الأسبق، ص 97 - 113).

* السؤال الثالث: الذميون هم أهل الكتاب /اليهود والمسيحيون/ وما هو مصير من لا ينتمي إلى هذه الديانات مثل: الصابئة المندائية، اليزيديدن...؟

** الجواب: أساس العلاقة مع غير المسلمين (أهل الكتاب والصائبة واليزيديين وغيرهم) هو قوله تعالى في القرآن الكريم: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطو إليهم إن الله يحب المقسطين. إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على أخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم انطالمون) - الممتحنة: 8و9 فاليرو القسط مطلوبان من المسلم للناس جميعاً، ولو كانوا كفاراً بدينه، مالم يقفوا في وجهه ويحاربوا دعوته، ويضطهدوا أهله. (د. القرضاوي، غير المسلمين..، المرجع الأسبق، ص5و6).

* السؤال الرابع: يجري على الملحدين ما يجري على غير المسلمين كما بينا في الجواب عن السؤال السابق (الثالث).

* السؤال الخامس: ما هي نظرة الدولة المنشودة إلى دولة أخرى قائمة على مذهب آخر. هل ستكون على قاعدة الشرع أما قاعدة المصالح؟

** الجواب: نفهم من السؤال أن الأمر يتعلق بدولتين إسلاميتين تقوم إحداهما على مذهب إسلامي، وتقوم الأخرى على المذهب إسلامي آخر، فإذا كان الأمر كذلك، فإننا، إذ نستذكر أن الدولة الإسلامية لا تستحق اسمها، أي أن الدولة إسلامية إلا إذا كانت تقوم على الشرع، وبحيث تكون سياساتها شرعية المنطلقات والمناهج والغايات، نرى أن ليس هناكدولة إسلامية يمكن أن تقوم على المصالح.

صحيح أن الغاية من تطبيق الشريعة هي تحقيق مصالح البشر في الدنيا والآخرة، ولكنه ليس صحيحاً القول بأن الدولة الإسلامية يمكن أن تقوم على قاعدة لمصالح. والحق أنه حيثما يكون شرع الله, فثم مصلحة البشر.

* السؤال السادس:لو قامت دولة دينية لا تنتهج مذهب إجماع المسلمين، ما هو الموقف منها؟

**الجواب: يجري عليها ما يجري على المخالفين كما بينا في جوابنا على السؤال الثاني.

* السؤال السابع:إذا نجح التكفيريون وأقاموا دولتهم. ما هو الموقف منهم؟

**الجواب:يجري عليهم (أيضاً) ما يجري على المخالفين كما بينا في جوابنا عن السؤال الثاني.

* السؤال الثامن والأخير: ما هو معيار الدخول في معدودية هذه الدولة وحيازة جنسيتها؟

**الجواب: يقول إعلان المبادئ الصادر تحت عنوان رؤية إسلامية معاصرة، عن ثلة من كبار علماء ومفكري الإسلام المعاصرين تمثل الكثرة الكاثرة من مسلمي العصر:الموقف الإسلامي الصحيح من الأقليات غير المسلمة داخل الأقطار الإسلامية...موقف يقوم على المساواة الكاملة بين المسلمين وغير المسلمين بحيث يتمتعون جميعاً بالحقوق المدنية والسياسية على قدم المساواة التي يكفلها الدستور وتنظمها القوانين... وإن مبدأ المساواة في الحقوق المدنية والسياسية، المادي منها والمعنوي، لا ينفي المبدأ المعمول به في الدنيا كلها من أن يكون حق تقرير الأمور للأغلبية وتظل حقوق الأقلية مصانة ومحفوظة.(د. أحمد كمال أبو مجد ـ تقديم, رؤية إسلامية معاصرة, ص56 و 57).

 

سابعاً ـ في الرد على شبهات

ننهي هذا البحث/التعقيب بوقفات سريعة نرد فيها على شبهات ثلاث أثارها كاتبنا.. أولها حول الإمام أبي حنيفة، وثانيهما حول العثمانيين, وثالثها حول طالبان..

1.  فيما يتعلق بأبي حنيفة

*يذكر كاتبنا هذا الإمام مرتين على أنه الإمام أبو حنيفة الفارسيمعتبراً (ضمناً) أن فارسية هذا الإمام أبي حنيفة (و الأصح أفغانيته) سبة في جبينه تمنع من الاقتداء به أو اتخاذه مرجعاً في الدين. ونحن إذ نستذكر أن الله تعالى يقول في القرآن الكريم: )إن أكرمكم عند الله أتقاكم ( ـ الحجرات: 13، وأن الرسول محمداً صلى الله عليه وسلم يقول:لأفضل العربي على أعجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا أحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر، إلا بالتقوى ـ (رواد مسلم وآخرون).. نسأل كاتبنا: ما قولك في أن الرسول محمدا ًصلى الله عليه وسلم اعتبر سلمان الفارسي من آل البيت، وأنه اتخذ من بلال الحبشي مؤذناً؟!؟ وما قولك في أن كثيراً من علماء الحضارة الإسلامية لم يكونوا عرباً؟!؟ وأن أحد أبطال التحرير الذي تفتقد أمتنا اليوم نظيراً له (وهو صلاح الدين الأيوبي) لم يكن عربياً، إنما كان كردياً من تكريت في العراق؟!؟ وما قولك في أن الشيخ محمد عبده (الذي يعتبرونه أحد رواد الإصلاح والتجديد)، والشاعر أحمد شوقي (الذي أمير الشعراء..الشعراء العرب طبعاً)، والشيخ أحمد كفتارو (الذي كان رحمه الله مفتياً للجمهورية العربية السورية على مدى عقود من الزمن) ليسوا من أصول عربية؟!؟

* ويأخذ كتبنا علينا أننا ذكرنا اسم الإمام أبي حنيفة بلقبه الذي عرف به في الأدبيات الإسلامية وهو الإمام الأعظم (كيف لايكون الإمام الأعظم والشافعي يقول فيه: الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة؟!؟). ونحن نقول إننا اقتبسنا هذا اللقب عن كتاب صدر عن المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في الجمهورية العربية المتحدة تحت عنوان الإمام الأعظم أبي حنيفة المتكلم، وهو رسالة جامعية نال عليها مؤلفها عناية الله إبلاغ درجة الماجستير من كلية أصول الدين في جامعة الأزهر!!!

* ويتهم كاتبنا الإمام أبا حنيفة بأنه يتعالم حتى على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وعلى الخلفاء الراشدين، فينسب كاتبنا إلى أبي حنيفة القول عن الرسول: لو أدركني رسول الله لأخذ برأيي، وعن الخلفاء الراشدين هم رجال ونحن رجال. ومن الواضح أن ثمة افتراء وتجنباً على أبي حنيفة، يفضحهما قول هذا الرجل الذي عرف بروعه وتقواه أكثر مما عرف بعلمه وفقهه: آخذ بكتاب الله تعالى، فإن لم أجد فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن لم أجد في كتاب الله ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذت بقول الصحابة... آخذ بقول من شئت منهم، وأدع قول من شئت منهم، ولا أخرج عن قولهم إلى قول غيرهم. فإذا انتهى الأمر (أوحاء) إلى إبراهيم والشعبي وابن سيرين والحسن وعطاء وسعيد بن المسيب (وعدد رجالاً)، فقوم اجتهدوا، فأجتهد كما اجتهدوا. وقد ورد هذا القول للإمام الأعظم أبي حنيفة في كتابي الانتقاء لابن عبد البر ومناقب الإمام الأعظم لموفق المكي، وورد ما في معناه أيضاً في كتاب أصول السرخسي. (ونحن ننقل عن وهبي سليمان غاوجي الألعاني، أو حنيفة النعمان، ص 124و133).

2- فيما يتعلق بالعثمانيين

يقول كاتبنا: المذهب الحنفي انتشر في بلادنا مع الاحتلال العثماني والذي يراه البعض فتحاً. وهكذا، فإن فترة الحكم العثماني في بلادنا تعتبر في نظر الكاتب احتلالاً! ونحن نخالفه في هذا التوصيف المتعسف، ونحيله إلى شهادتين (من ضمن شهادات كثيرة) لمفكرين ليسا (على وجه اليقين) من الإسلاميين.. أحدهما عربي وثانيهما غربي، وهما المفكر القومي عوني فرسخ، والمستشرق المعروف برنارد لويس...

* يقول المفكر فرسخ: لاشك أن العثمانيين شكلوا ما بين فتح القسطنطينية سنة 1453م وتوقيع اتفاقية قارلوجه سنة 1691م، استعادة المسلمين دوراً عالمياً فقدوه في مطلع القرن الحادي عشر الميلادي، وأسهموا (يقصد العثمانيين) في نشر الإسلام خارج المدى الذي وصله الفاتحون العرب ومن تفرعوا عن الدولة العربية الإسلامية. كما قدموا دعماً للمقاومة العربية (لاحظ: قدموا دعماً للمقاومة العربية) في مواجهة طلائع الاستعمار الأوروبي، فلهم- بالتالي- تقدير كل من يعتنق الإسلام ويتمثله حضارة (عوني فرسخ، القوميون والإسلاميون العرب، مجلة المستقبل العربي تشرين الأول 2000، ص54.

* دأأويقول المستشرق برنار ولويس: كانت الإمبراطورية العثمانية، منذ تأسيسها حتى زمن سقوطها، دولة تكرس قواها في سبيل تقدم شوكة الإسلام وحمايته ضد أي اعتداء خارجي. وقد ظل العثمانيون طول أربعة قرون تقريباً في حرب مستمرة ضد الغرب المسيحي، أولاً لمحاولة فرض حكم إسلامي على جزء كبير من أوروبا وهي محاولة رافقها النجاح، وثانياً لشن حرب دفاعية تأخيرية مديدة في وجه الهجوم المعاكس الذي شنه الغرب. (ذكره: موفق زريق، نهضة أم تغريب، ص47).

3 - فيما يتعلق بطالبان

يقول كاتبنا: لو قامت هذه الدولة (يقصد الدولة التي ينشدها الإسلاميون) على مذهب التكفيريين الساعين لها بجد، فما مصير المخالفين لرؤيتهم؟ حدثتنا الروايات القادمة من أفغانستان أيام طالبان والقاعدة بالعجب العجاب. (لاحظ أن كاتبنا لا يذكر هنا أي دليل أو أي مرجع!!!). لطالبان الحق في كل شيء وسواهم يسام سوم العبيد، والمخالف لأقل الأوامر مصيره الموت، فإما أن تكون معهم مطيعاً إلى حد العمى، وإما عدوهم الذي مصيره الهوان والموت، والحالتان تشكلان خسارة لا محالة. والمرأة عندهم ممنوعة من التعليم ومن العمل، وممنوعة حتى من التسول إذا أرادت أن تطعم أيتامها؟ لكن لا بأس بأن تكون جزءاً من شبكه دعارة يترأسها أحد زعماء طالبان، وزراعة الحشيش ممنوعة ولا بديل، لكن إذا كانت عوائدها لأحد زعماء طالبان فلا بأس، وهذا كله ضمن فتاوى شرعية وسياسة قائمة على الشرع!؟.

وهكذا، فإن كاتبنا يشيطن طالبان، دون دليل، على الطريقة الأميركية!!! ونحن نتساءل: إذا كانت للإمبراطورية الأميركية حجتها المضمرة (وهي احتلال أفغانستان، ثم العراق، للسيطرة على منابع النفط ومساراته وعلى العالم بأسره)، فما هي حجة كاتبنا؟!؟ ولقد أثبتت الوقائع الحسية أن حركة طالبان قد حققت (خلال فترة حكمها القصيرة) انجازين كبيرين فشل في تحقيقهما من كان قبلها ومن جاء بعدها أيضاً، ألاوهما تحقيق الأمن والاستقرار والقضاء (تقريباً) على زراعة المخدرات، وكل ذلك لأسباب إيديولوجية أو دينية، فهل يعقل أن يكون زعيم من طالبان (المتهمة حتى بالتشدد في تطبيق الشريعة) ضالعاً في شبكات الدعارة كما يدعي كاتبنا دون دليل؟!؟ وإذا كان الأفغانيون في عهد طالبان فقراء ومحاصرين بأوامر أميركية (مثلما كان العراق محاصراً أيضاً بأوامر أميركية لأكثر من عشر سنوات مات فيها لنقص الغذاء والدواء أكثر من نصف مليون مدني عراقي ومعظمهم أطفال تحت الخامسة، ومثلما لبنان محاصر ويدمر الآن بأوامر أميركية وأيد صهيونية قتلت أكثر من ألف شهيد وجرحت الآلاف وهجرت مئات الآلاف وحرقت الأخضر واليابس من أجل إنشاء الشرق الأوسط الجديد على الطريقة الأميركية!!)، وكانت طالبان ـ بالتالي ـ عاجزة عن توفير فرص العمل للرجال (والعمل حق للرجال وواجب عليهم أيضاً)، فكيف يمكن أن تطالب طالبان بتوفير فرص العمل للمرأة (والعمل حق للمرأة وليس واجباً عليها)؟!؟ وإذا كانت المرأة فقيرة وتعول أيتاماً، فهل من الأكرم لها أن تتسول في الشوارع، أما أن تبقى في بيتها ويوفر لها المجتمع الإسلامي حاجاتها دوحاجات من تعول، ضمن نطاق التكامل الاجتماعي في الإسلام، بواسطة الزكاة والصدقات وغيرهما؟!؟ ثم كيف يتسنى لكاتبنا أن يقول دون أن يقدم أي دليل: الطالبان الحق في كل شيء وسواهم يسام سوم العبيد، والمخالف لأقل الأوامر مصيره الموت، فإما أن تكون معهم مطيعاً إلى حد العمى، وإما عدوهم الذي مصيره الهوان والموات؟!؟ قليلاً من العد يا كاتبنا الكريم!!!

اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.