العدد السادس عشر - تشرين الثاني 2006

نحو دفاع عقلاني عن الدين عقلنة الدين وديننة العقل

الشيخ حيدر حب الله
الاحد 19 تشرين الثاني (نوفمبر) 2006.
 

تواجه حركة الفكر الاسلامي المعاصر اشكاليات عميقة تتصل بعقلانية الدين، وتمس، على السواء، المنهج، والخطاب، والآليات، والممارسة...

وليس الجدل في شأن الخطاب العقلاني الديني جديداً. وإن كان بعض الباحثين يرى أن موضوعة العقلانية موضوعة غربية محض، فالحقيقة هي أن الجدل الصوفي العرفاني، الوعظي... من جهة، والفلسفي، الكلامي، المنطقي من جهة ثانية...، والأصولي الفقهي،التاريخي من جهة ثالثة، تعبير جليّ عن صراع في العمق حول عقلنة الدين والخطاب الديني، مع الاعتراف الكامل بأن الإسهام الغربي، على هذا الصعيد، كان بارزاً جداً.

وبوصفنا معنيين بالهمّ الفكري، ينبغي أن نقف هنيهة مع هذه الاشكالية متعددة المنافذ، ونثير جملة تساؤلات نرى أنها تقف في صدارة أولويات مفكرينا وعلمائنا، كي يقدّموا إجابات صريحة وشفافة عنها، تخدم مسيرة التكامل الفكري والديني معا.

1
-  ثمة تساؤل كبير أكثر مما نتوقع، أثاره العرفاء المسلمون قبل أن تنشأ جدالاتنا المعاصرة بقرون، مفاده: هل ثمة طور فوق طور العقل؟ هل من الصحيح تأليه العقل إلى هذا الحد؟ من قال لكم: أن العقل محور الأشياء جميعها؟

وقد قدم التيار النقلي الإسلامي، المتمثل بالفقهاء، صياغة أخرى لهذا التساؤل كانت حصيلتها: هل للعقل مجال للكشف عن أسرار البشرية حتى نخوله سلطان التشريع؟ هل يمكن للعقل كشف جوهر النفس وتعقيدات الروح وتشابكات الاجتماع الانساني حتى يحق له القضاء بلا منازع في قضايا الانسان؟

وفي شكل ثالث، أثارت العقلانية النقدية الحديثة تساؤلها هذا مع كانط ومدرسته: هل يتسنى للعقل النظري كشف الوجود؟ أليس من الغباء البحث عن ماهيات الأشياء؟أليست القناعة بكشف ظواهرها وعلاقاتها تواضعاً قهرياً؟

ليست قدرة العقل، عند العرفاء والفقهاء...، وكذلك عند مدارس فلسفة العلوم الحديثة (القرن العشرين)، بهذا الشكل الدعائي الذي يجري تسويقه، مهنالك تيارات كبيرة وواسعة جدا لا تزال تنظر إلى العقل - مع كامل الاحترام والتقدير- نظراً مقيداً.

ما نريده، هنا، هو تسجيل ملاحظة على تيارات العقلنة المعاصرة في الوسط الإسلامي، نصوغها في سؤال، هو: ما دامت آخر منجزات فلسفة العلوم ومدارس علم المعرفة في الغرب، وغيره، قد أقصت العقل عن مكانته في التفكير الاغريقي...، فلماذا كل هذه الحملة الساخرة على التيار الديني عندما يحدّ أحياناً من نشاط العقل لصالح النص الإلهي،.. الذي يقول هذا التيار: إن أساس ثبوته كان من العقل؟! لماذا هذه الموجة الواسعة لإعمال العقل في مرافق الحياة جميعها بلا استثناء، والاطاحة بكل ما لا يدركه العقل، لكأن العقل كشف كل حقائق العالم والانسان؟!

إن منجزات العلوم الفلسفية الحديثة، باتت تساعد، أكثر من ذي قبل، على ممارسة تواضع عقلي، يفسح في المجال، على الأقل، لعدم رفض قضايا لا يدركها حتى الآن.

من جهة أخرى، يلاحظ المطالع لحركة الأحداث الثقافية إشكالية ثانية، وقعت فيها غيرمدرسة وتيار إسلامي معاصر. لقد قدم الاسلاميون خطابا يقلل من شأن العقل، تحت شعارنقصه وعجزه، لصالح استقدام مقولة الوحي في منظومة التفكير، والسؤال هو: هل إن الوصول إلى الوحي بعيد عن العقل؟!

لقد أحدثت القراءات الجديدة دينياً اختراقاً غير يسير في هذا الجدار، فقد نقلت المعركة المتعلقة بقوة العقل وسلطانه، مع التيارات المدرسية، من خارج النص، مفرغة مقولات المدرسيين من تأثيرها، مطلقة مقولات ذاتية الفهم لتدخلها في النص نفسه، عبر إفراغه من قوته اليقينية، وبيئيته، وتفاعل المعارف البشرية فيه تفاعلا كاملا، وتعدد القراءات والفهم...

لقد بدا فهم النص، وهو العملية الأهم التي يمارسها المدرسيون، أمراً أقل قوة، تماماً كما حاول المدرسيون إظهار العقل المفارق للنص ضعيفاً هزيلاً، وقد حاول المنحى الجديد الميل إلى القول: إنّ العمليتين عقليتان، وأن يكون موضوع الدراسة نصاً لا يصيرّها نصية بحت عندما يكون العقل هو أداتها، كما نجد في علم أصول الفقه الاسلامي.

وبهذا، نخلص إلى ما أردناه من أنّ تواضع الجهد العقلي، سواء منه المفارق للنص أم الساعي إلى فهمه، أصبح أمراً واقعاً، يفرض على الطرفين معاً عدم التعامل مع العقل بطريقة دعائية وشعارية لتحقيق مكسب،.. أو تسجيل نقطة، الخ...

2- لكنّ الدعوة إلى تواضع العقل، اليوم، لا تعني إقصاءً له، كما يرغب فريق آخر. إنّ تواضع العقل مقولة تنسجم وإعطاءه مكانته المحددة، ولا تعني أنّ العقل لم يعد حاكماً أو نافذ الأمر، لأن أقل صيغة يمكننا تبنيها من الزاوية الانسانية في شان العقل، هي أنه الوسيلة الأكثر حظا في بلورة حياة افضل، مهما كانت قيمتها العلمية، أي أن نظرة منفعية للعقل تسمح لنا باعطائه دوراً متميزاً، وإذا أردنا أن نتجاوز عقبات فلسفة المعرفة الأولية، صحّ لنا القول: إنّ العقل أكثر وسيلة يمكن توظيفها للوصول إلى ما هو الأكمل.

3- وانطلاقا من التوازن المطلوب بين مكانة العقل وتواضعه، على الصعيد الديني، تبدو أمامنا ظواهر مستجدة تحاول اغتياله تحت مسمّيات العرفان، أو التصوف أو الفقه أوالتعبّد. وإنّ المرء ليجد استلاباً شاملاً، عندما يدخل هذا العالم، فمن تفسير مغلوط للاستاذ (الشيخ) في العرفان الاسلامي يصيّره إلها، ليجعل المريد أو السالك عبداً مسخراً منقاداً لا مجال عنده للتفكير أو المساءلة أو..، لأن ظواهر كهذه تحيله محجوباً مبعداً... إلى تصور ملتبس لمفهوم المرجعية والفقاهة،.. يدفع الفرد العادي إلى تجميد فكره بصورة شبه شاملة...

إنّ شيوع وسائل معرفية في الأوساط الإسلامية لم يجر سلفا قراءتها بدقة فلسفية وعلمية، أدى، ويؤدي، إلى مظاهر جلية لاستلاب العقل، ومصادرة التفكير، من دون أن ندخل في نماذج عينية نافذة في الأوساط الدينية، كبعض المظاهر المتطرفة للاستخارة، أو الارتباط بعوالم الجن، أو الرؤى والأحلام ارتباطاً يزيد على المعدل الطبيعي للامور، أو خلع صفات الآلهة على العظماء أو...؛ الأمر الذي بات يدفع في الطرف الآخر إلى موجة إنكار شاملة لمقولة الغيب،.. تقصيها إقصاء غريبا تحت شعار العلمية والموضوعية و...

4- هذا الإقصاء للغيب وخوارقه ومتعالياته، يعيد إلى الأذهان جماع الوضعية والبراغماتية في التفكير، وهو جماع نجد تداعياته اليوم في القول: يمكنني ان أقبل بالدين عندما تقدمون عبره أنموذجاً حياً ونافعاً.

وهذه المقولة القائمة على الاعتراف الذي نحمله إزاءها اليوم، تدفعنا من الطرف الآخر للسعي إلى تدّين العقل. يجب أن لا نغرق أنفسنا في عقلنة للدين لا تأخذ بعين الاعتبارهذا الجانب، ومعنى ديننة العقل هو أخذ هذه المتعاليات أساساً ثابتاً عقلياً، واقحامها في الحياة والمادة انطلاقاً من تمازج الغيب والشهادة في التفسير الديني ـ خصوصاً في أشكاله الفلسفية الأخيرة ـ مع الملأ في الحركة الجوهرية.

ومعنى ما نرومه، هنا، هو أنّ آليات المحاكمة العقلية للقضايا الدينية، يجب أن تأخذ بعين الاعتبار البعد الغيبي، ومن ثم،.. فإذا أريد تقديم تفسير اجتماعي أو نفساني أو اقتصادي أو... للدين، يجب أن لا نتصور أنّ هذا التفسير هو الصورة النهائية عن الدين، ومن ثم يجب الإقرار بأننا ما زلنا نقرأ الدين من إحدى زواياه.

إنّ الصورة العلمية هذه عن الدين، والتي تقدمه بوصفه أمراً عقلانياً، يجب أن تبقي على النقطة المخفية في الدين نفسه، والتي نسميها البعد الغيبي. وهذا الاحتفاظ بالبعد الغيبي إنما هو نتاج مزدوج من الاعتراف بالمكانة الحقيقية للعقل من جهة، والاعتقاد بالمبدأ الأعلى من جهة أخرى، لأننا هنا نفترض أننا نتكلم من داخل الدين بوصفنا مؤمنين به لامن خارجه، وإلا فإنّ الحديث سيغير مساره على الافتراض الثاني.

5- من هنا، نسجل ملاحظتنا على بعض التيارات المعاصرة التي قرأت الدين من زاوية علم الاجتماع، أو علم النفس أو الاقتصاد، الخ.. وهي قراءة بالغة الأهمية، لكنها استهلكت نفسها في ذلك، موحية بأنّ الدين هو هذا البعد فحسب، وعندما يكون الدين هذا البعد فقط فانّ موجة ترحيل المتعاليات الغيبية ستبدأ بالتأكيد، لأن آليات العلوم الانسانية، التي ندافع بالتاكيد عن إعمالها في المجال الديني، لم تعتد إقحام موضوعة الغيب في قراءة الدين ولا غيره، الأمر الذي يجبر عالم الاجتماع الديني، من حيث لا يشعر، على تقديم صورة مادية (لا بالمعنى السلبي) للدين، ولمّا كانت هذه الصورة منقوصة لم يكن من المسموح علمياً عرضها بوصفها صيغة نهائية، أي أنّ في الدين، وبالمجمل، نقاطاً تتعالى عن الصيغ الموجودة في القراءات المادية للحياة.

6- ويبقى، في هذه العجالة، أن نشير إلى مسالة الدفاع العقلاني عن الدين. إن العقل الحداثي الذي سكن عقولنا في العالم الاسلامي، لم يعد يرضى بالدين بوصفه صورة غامضة، بل يجب تقديم تصور عقلاني عن الدين من جهة، كما يجب أن نمارس أعلى درجات العقلانية في دفاعنا عن الدين، من جهة ثانية، أقصد بها هنا العقلانية السلوكية.إن الدفاع العقلاني الهادئ عن الدين بات يلح اليوم لإبعاد مظاهر التكفير والتفسيق والتضليل والتجهيل... المتبادل في أوساطنا، فقد شبعت عقولنا وأسماعنا صوراً هجومية كهذه، أكدت التجارب أنها لم تعد تنفع، إذا أرددنا أن نقيمها في الحدّ الأدنى من الزاوية المنفعية.

كما إنّ الدفاع العقلاني عن الدين، يستدعي اليوم تركيب الأجزاء المبعثرة من الصورالتي نحملها عنه، أي يجب تقديم الدين في صورة متكاملة، وهذا التبعثر في المفاهيم يقف على النقيض من المنحى العقلاني، الأمر الذي يلزمنا، في أبسط صوره، بقراءة الدين والتراث قراءة شمولية مشرّفة، والخلاص من القراءات المحلية له، أي من قراءته بوصفه فقهاً، آو تاريخا،ً أو عبادة، أو عقلا، أو اقتصاداً الخ...، وبهذه الروح المشّرفة، غير المحصورة في إطار محدد، يمكن، أكثر فأكثر، إبداء الوجه العقلاني للدين من دون الدخول في متاهات مظلمة.