العدد السادس عشر - تشرين الثاني 2006

الدور الحضاري للسريان

موسى مخول
الاحد 19 تشرين الثاني (نوفمبر) 2006.
 

توطئـــــــة:

لا يمكن للّغة ولا للكتابة، ولا للأدب أن تبلغ انتشاراً« واسعاً» ما لم تكن هنالك تقاليد علمية، وتوصيل منظّم للمعارف.

ولقد كان السريان أقوياء بمدرستهم التي حصلوا فيها على التعليم والقراءة والكتابة، ومعرفة موسوعة ذلك العصر المتمثلة بالإنجيل، وأيضا«مواد التعليم الهليني» (اليوناني). ولهذا، فإن المدرسة السريانية العالية، ذات الأهمية الكبرى، وجامعتها القديمة أكاديمية الرها، ومن ثم أكاديمية نصيبين، شكلت المحور الأساس في هذا المضمار.

والمدرسة السريانية العليا، هي جامعة القرون الوسطى التي عرفتها بيزنطية، والغرب اللاتيني، متأثرة بالتقاليد والمناهج الإغريقية (اليونانية) القديمة. فالمدارس السريانية يذكرها بصورة دائمة 

وقد كانت بدايات القرون الأولى،.. من القرن الخامس إلى القرن السابع للميلاد، مرحلة ازدهار فعلي للمدارس السريانية، واستمرّت هذه المدارس تلعب دور المراكز التعليمية الرئيسية حتى القرن الثاني عشر للميلاد.

وقد أتاحت المدارس السريانية انتشاراً«واسعاً» للمسيحية، شمل مجمل مناطق الهلال الخصيب. وتشير إلى هذا الأمر الكثير من المؤلفات السريانية، التي قامت في تلك الأزمنة، من سير وتواريخ البطاركة والمطارنة، وتاريخ الأديرة، والوثائق اليومية، وتواريخ بعض المناطق، ومؤلفات هامة مثل كتاب «الرؤساء» لتوما المرجي، وكتاب «العفّة » لايشوعنداح (البصري).

وترتدي أهمية خاصة في هذا المجال أكاديمية نصيبين،.. إحدى أقدم المدارس الاكليركية. وقد وصلنا عن هذه الأكاديمية ما يجعلنا نكوّن صورة قريبة جداً« من واقعها آنذاك، حيث وصل إلينا نظامها الداخلي وقوانينها التي طبقت على مدى قرنين على الأقل. أما أهميتها فتظهر جلية من خلال إدخالها في المخطوطة الخاصة بمجموعة قرارات أكثر المجامع، والمجالس السريانية المسيحية، ويمثل هذا النظام الهام مادة بحثية تاريخية نادرة. وميزته الرئيسية تتجلى في دقّة المعلومات التي يقدمّها، ومن بينها عدة تواريخ هامة لا تثير صحتها أيّ شكوك أو تحفظات.

ولهذا، فقد استحقت مدرسة نصيبين، بجدارة، لقب أم العلوم. فكانت أولى المراكز التعليمية وأعظمها شهرة في بلاد الجزيرة الفراتية وما بين النهرين بخاصة، والهلال الخصيب بعامة. فالانتشار الواسع للثقافة السريانية والعلوم السريانية مرتبط بتاريخ مدن ما بين النهرين التي تشغل مدينتا الرها ونصيبين المكانة الأكثر ريادة فيها.

وحضارة منطقة بلاد الهلال الخصيب، هي أغنى من أن تحدد بمرحلة زمنية واحدة، أو بشعب واحد أو بجنس دون غيره. فهي حصيلة لما قام به السومريون والأكاديون والبابليون والأشوريين والسريان المسيحيون والعرب فيما بعد. فنحن بحاجة شديدة لبعث هذا الكّم الكبير من تراث هذه المنطقة ضمن سياقه التاريخي،.. أي بوضع كل لبنة فيه بمكانها، تاريخيا»، وعمرانيا« وثقافيا».

لقد قادت الطرق التجارية السريان بعيدا« عن بلاد ما بين النهرين، فمن إيران توجهوا إلى منطقة القوقاز، وكان ساحل البحر المتوسط بين أيديهم، كما أبحروا في البحر الأحمر، ومن جهة أخرى ركبوا طريق العطور التجاري وصولا« إلى شواطئ البحر الهندي الشرقية. أما العرب القاطنون بين بيزنطية وإيران فقد وقعوا تحت تأثير السريان، ودخلت التعاليم الإنجيلية إلى جنوب الجزيرة العربية أيضا» 1)).  كما أن شعوب الشرق الأوسط ممثلة بالفرس والهنود تعلّمت الكثير من السريان، ويكفي أن نشير في هذا المقام إلى المدرسة السريانية الفارسية في الرها، وإلى أكاديمية نصيبين، وإلى مدارس: قنسرين، وبيت آبا، وبيت مار أوجين، وإلى المدارس التي قامت في دير مار متّى. وتنتمي أقدم التقاليد المسيحية في أرمينيا إلى السريان الذين تابعوا في مرحلة لاحقة مواعظهم ونشر التعاليم المسيحية في « ديلم، وغوزان، وملطية، وموقانة، والموصل، ومّيا فارقين»، ثم عقدوا اتصالات وارتباطات متينة مع نصارى الدولة اللخمية، على الحدود الشرقية للصحراء الممتدة بين سوريا والعراق، وعاصمتهم مدينة الحيرة، ونصارى «سبأ» في اليمن. وقد زرع السريان الديانة المسيحية في الهند أيضا، حيث يوجد الآن أكثر من عشرة ملايين مسيحي، ويربطهم التاريخ التقليدي باسم الرسول توما.

فالعلاقات المبكرة مع الهند أقامها السريان بفضل الأعمال التجارية المتنوعة واللقاءات المستدعية مع التجار، الذين كانوا يحضرون إلى الأسواق التجارية الموسمية،.. ولا سيما إلى «بطنان»،.. وعلى طول هذه الطريق تصادفنا شواهد الكتابة السريانية، والمسيحية السريانية، التي بدأت في أصقاع القارة الآسيوية منذ مرحلة مبكرة من تاريخ نشوئها (2).

فالعلاقات الاقتصادية البعيدة العهد بين السريان والشعوب الآسيوية المختلفة هي التي شكّلت الطرف الملائم لتأثيرهم الثقافي على شبه الجزيرة العربية والهند، ومناطق آسيا الوسطى. وكان من نتائج ذلك الوضع أن أصبحت اللغات الفارسية والتركية على نطاق معين تحت تأثير اللغة السريانية.

و في القرون الوسطى شهدت الثقافة السريانية انتشاراً عريضاً، وأظهرت تأثيراً«كبيراً» على تطور الثقافة العالمية. وباعتبار أن السريانية كانت لغة التجارة والدبلوماسية في آسيا الدنيا، فقد بدأت بالانتشار السريع قبل مدة من ظهور المسيحية. فالأبجدية السريانية الآرامية، كانت مريحة لمستعمليها، ولهذا انتشر استخدامها بسرعة على نطاق واسع نظراً لبساطة كتابتها.

لقد كانت السريانية اللغة الرسمية الفصحى، واللغة المحكية، في سوريا الساحلية، وفي مناطق ما بين النهرين،.. لا سيما عند الضفاف العليا والوسطى لنهري دجلة والفرات، وفي المناطق السورية الداخلية، وفي المدن الرئيسية مثل دمشق وأنطاكية، حيث هيمنت اللغة اليونانية، إذ كان جزء كبير من السكان يتكلمون اللغتين، وكثيرون من ممثلي الفئات المثقفة في هذه المدن كانوا يكتبون باللغتين السريانية واليونانية في آن واحد (3). ولهذا، فان الترجمات من إحدى هاتين اللغتين إلى الأخرى لم تكن بالأمر الصعب إطلاقاً. وقد كانت أهم المراكز العلمية والثقافية السريانية تقع في الجزيرة الفراتية، غير أن دخول المسيحية وانتشارها في هذه المنطقة لم يمنع الصابئة من البقاء على ديانتهم وتصّوراتهم العقائدية، والمحافظة على تقاليدهم الثقافية، كما استمرت هنا مراكز الوثنية القديمة. وفي الآثار المسيحية المكتوبة نجد كثيراً من المقالات والمباحث الجلية والمحاورات والمناظرات التي تعكس حقيقة الصراع الفكري بين المسيحية والعبادات القديمة في المنطقة.

أما الوثائق الرئيسية للمسيحية، فقد كانت باللغة اليونانية. في حين أنه على أطراف المناطق التي أخضعت للثقافة الهيلينية ـ في الرها مركز الجزيرة ( أورفا اليوم) ـ اهتزت الثقافات الأكثر قدماً، حيث تغلغلت المسيحية بعمق في القرون الأولى التي أعقبت ظهورها، وأصبحت الدعوة إلى اعتناقها والإيمان بعقيدتها تنشر بواسطة اللغة السريانية، التي هي أيضاً لها تقاليدها الثقافية العريقة.

لقد ترجمت إلى السريانية في القرنين الثاني والثالث للميلاد كمية كبيرة من الآثار والمؤلفات اليونانية: الليتورجيات، وكتب الأدعية والمواعظ «آغيولوغيا»، ناهيك عن العهد الجديد. وبدءاً من ظهور المسيحية أصبح الازدهار صفة ملازمة للسريانية قرناً إثر قرن، وقد سيطر الأدب السرياني، ليس في المؤلفات الكنسية العقائدية وحسب، وإنما في المجالات العلمية، وفي مختلف نواحي المعرفة الوضعية، إذ ارتدت السريانية في منطقتي الشرق الأدنى والشرق الأوسط طابع اللغة العالمية، لغة الديبلوماسية والتجارة، وأصبحت المحطات التجارية السريانية مواطن ومنابع للكتابة والمراسلات السريانية، إضافة إلى أهميتها العلمية والدعاوية بالنسبة للسريان، الذين عرّفوا الشعوب الأخرى على نتائج أعمالهم، وعلى منجزاتهم العلمية والثقافية وعلى السمات الخصوصية لثقافتهم الوطنية، هذه الثقافة التي اشتهرت بأنها تمثل قيم العهد الجديد وقوانينه من جهة، والآراء الفلسفية لأرسطو والأفلاطونيين الجدد من جهة أخرى (4).

فقد أسهم السريان إسهاماً عظيماً في العلوم العالمية وفي الثقافة الإنسانية جمعاء، حيث عرّفوا الشرق على تلك النزعة الخاصة بتطّوير الثقافة العالمية القائمة على منجزات العصر القديم. فالروح اليونانية والفلسفة اليونانية كان عليهما أن يصبحا بمتناول شعوب الشرق، وهذا ما قام به السريان.

ويمكن تفسير قوّة التأثير الحضاري السرياني بالمستوى الرفيع الذي وصلت إليه علومهم، والفكر الفلسفي النظري، وكذلك المعارف العلمية التطبيقية التي انتقلت عندهم من جيل إلى جيل. وقد منحوا عمقاً في التفكير والتأمل مستفيدين من الفلسفة اليونانية القديمة والعلوم الشرقية القديمة، وخصوصاً في مجالات الفلك والتنجيم وجغرافية الأرض. فأضافوا إلى المعارف النظرية المذكورة ممارسات عملية مبدعة، تجّلت في شهرتهم كأطباء معالجين وكيميائيين وصيادلة أدوية.

موقع نصيبين ومكانتها الإدارية:

تزاحمت الشعوب القديمة على تثبيت ركائزها الحضارية في بلاد ما بين النهرين، ونشبت بينها صراعات تمخضت عن قيام مدن استمدت بريقها من مجد الامبراطوريات السابقة، فكانت هذه المدن تنشط حيناً فتزخر فيها الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وتخمد أحياناً فتسقط من حساب الأباطرة والملوك. وقد توافرت لمنطقة الهلال الخصيب شروط الحضارة الأولى،.. من مناخ جيد وتربة خصبة وموارد مياه، فعمرت مدنه وازدهرت عبر حقب التاريخ المتعاقبة، الأمر الذي رتب قيام دول وزوال أخرى.

والمعروف أن الكثير من الشعوب الغالبة بنت حضارتها على أنقاض ما تركته الشعوب السالفة المغلوبة، ليصبح بعد ذلك تاريخاً يضاف إلى سجل المدينة. وتعود أهمية نصيبين في بلاد الهلال الخصيب إلى جذورها التاريخية قبل الميلاد، فهي معروفة عند الشعوب القديمة بدورها الرائد في الميادين العلمية، إلا أن تراخي الزمن وتبدل المعطيات ساهما في الحد من وهجها الثقافي كما حلّ في غيرها من مدن هذا المشرق. وقد تناقضت الآراء حول هذه المدينة من التمحيص في أهميتها وآثارها. فمنهم من ذمّها بكثرة الأمراض والأوبئة والحشرات، ومنهم من أثنى على لطيف هوائها وغنى بساتينها وبياض ورودها حتى أصبحت أمنية الأنبياء ومرتع قلوب الشعراء. وقد تمنى أبو النواس في أشعاره بأن يكون حظه من الدنيا نصيبين (5).

وتعتبر أهمية مدينة نصيبين أوسع من الاقتصار على ذكر مظاهرها الخارجية. كانت هذه المدينة تشكل مفصلاً بين الامبراطوريات، بل بين حضارات مختلفة، فتاريخها حافل بالأحداث، ويحمل أكثر من دلالة وعبرة، سواء من ناحية صراع الأمراء والدويلات للسيطرة على المنطقة، أو من ناحية الموقع الاقتصادي والعسكري الهام الذي أغرى الأمراء والأمم. وقد كانت قبل الفتح الاسلامي منارة علم يهتدي بنورها رواد الثقافة، بما عرف عن مدرستها الشهيرة وما أخرجته من طلاب وعلماء وأساتذة.

أما بالنسبة لموقع نصيبين الجغرافي ، فقد ذكر للمرة الأولى على لوحة مسمارية محفوظة في متحف لندن، في سياق الحديث عن حروب دارت سنة 612 ق.م. بين الأشوريين من جهة والماديين من جهة ثانية (6)، و يبدو أن هنالك أكثر من موقع يسمى نصيبين ( قرية من قرى حلب)، (تل نصيبين) أيضاً من نواحي حلب،وهناك أيضاً نصيبين على شاطئ الفرات شمال حران تعرف بنصيبين الروم (7)، وهي اليوم داخلة في الأراضي التركية وقريبة من مدينة القامشلي السورية.

وهذا يدل على أن نصيبين مدينة موغلة في القدم، هذا ما تقوله الآثار الموجودة فيها. وبعد اجتياح الفرس للجزيرة الفراتية، ثم فيما بعد، اجتياح الروم والبيزنطيين لها، أصبحت الجزيرة الفراتية مقسّمة بين الروم من جهة، والفرس من جهة ثانية. وكانت نصيبين تحتل الموقع الوسط بين الدولتين. وقد تحتم على هذه المدينة أن تكون مسرحاً للعمليات الحربية بين الفريقين فترة من الزمن، وكانت دائماً محور المساومة والصلح بين الأفرقاء. لذا حرص ملوك الروم على الاستئثار بها، وإعمارها اقتصادياً وبشرياً لتشكل موقعاً متقدماً في وجه الامبراطورية الفارسية (8).

لكنّ الحروب المتتالية بين الفرس والروم، أبقت على خراب كثير من الحواضر والمدن الفراتية. وعندما نظّم الروم صفوفهم تحت راية فكرية جديدة، هي المسيحية، ترك ذلك وقعاً وصدى ايجابياً في نفس سابور ابن أزدشير الامبراطور الفارسي. وأثناء مفاوضات مع ملك الروم خاطبه قائلاً: "إنكم خرّبتم بلادنا وأفسدتم فيها، فأما أن تعطونا قيمة ما أهلكتم، وأما أن تعوضونا نصيبين". وقد حصل الفرس على نصيبين ورضوا بها كتعويض عما أنزله الروم من خسائر (9). ولم يرض الفرس أن يبقى في نصيبين أي ساكن من قبل الروم، بل شرّدوهم ليجعلوا منها خط الدفاع الأول عن الامبراطورية، ونقلوا إليها حوالي اثني عشر ألف بيتاً (10). واتخذوها قاعدة لمنطقة «بيت عرباي» أو بلد العرب، وهو الاسم الذي أطلقه السريان على ديار ربيعة الممتدة من بيت « بازيدي» قرب جزيرة ابن عمر شرقاً إلى بلد ونصيبين غرباً. ومن طور عبدين شمالاً إلى جبال سنجار جنوباً (11).

وقد تغيرت المعادلات السياسية والعسكرية في منطقة نصيبين وديار الجزيرة الفراتية بعد أن دخلتها جيوش العرب المسلمين، الذين أصبحوا القّوة الثالثة إلى جانب الامبراطوريتين الفارسية والبيزنطية، فعينوا على ديار الجزيرة عمالهم، وأصبحت نصيبين هدفاً لمن يطمحون في دويلات مستقلة عن الخلافة الاسلامية، بسبب بعدها عن مركز الخلافة. فكثرت فيها الثورات، وأصبحت ملجأ للناقمين على الخلافة المركزية، وهذا ما أدى إلى تغيير نظام الحكم فيها بصورة متتالية.

ولأن سكان الجزيرة بقوا على دين المسيحية، فرض الاسلام عليهم الجزية، التي أحرجت وجهاءهم، لذلك فاوضوا الخليفة عمر بن الخطاب بعد أن هددهم بالنفي والسبي، وأخيراً قبلوا بعد أن غيّروا اسمها، لما يترتب عليهم من شروط إن قبلوها باسمها، ورضي الخليفة بذلك، ولا فرق عنده كيف يسمونها، لأنها بالنتيجة أموالاًَ تعود إلى خزينة الاسلام. (12).

المسيحيون في نصيبين

لقد سكنت في نصيبين شعوب مختلفة تركت فيها آثارها وبصماتها الفكرية والبشرية والتي أخرجت ثمارها بالمدرسة السريانية، اليونانية. (13) وقد أقيم فيها الكثير من الأديرة والكنائس.وذكرت المصادر أن الأسقفية الكنسية عرفت منذ القرن الرابع للميلاد، وكانت مدينة نصيبين مركزاً للمطرانية النصرانية النسطورية.حيث انتظمت فيها الأسقفيات الكنسية في المنطقة، وتخرج من هذه الدور علماء ورجال لاهوت تفرّقوا في ديار الجزيرة الفراتية، عاملين بعلومهم التي تلقوها في هذه المؤسسات. وتركوا العديد من الآثار، كمراكز الأديرة وأطلال الكنائس في تلك النواحي، وهذا ما يشير إلى أن تاريخ المسيحية في نصيبين يعود إلى القرون الأولى لظهور المسيحية. وفي عهد الفرس الساسانيين (226
-  637 م) تمكنت المسيحية في نصيبين من شق طريقها إلى إمارة «حدياب» (
14). وغدت نصيبين مركزاً مسيحياً نسطورياً هاماً. لكن معظم المصادر الكنسية لم تتحدث عن كيفية دخول المسيحية وانتشارها في المدينة، على مدى القرون التي سبقت تأسيس مدرستها الشهيرة. ولا شك في أن الدور العلمي الذي قامت به هناك، منحها أهمية جذب السكان المسيحيين إليها. كما أن مدرسة نصيبين السريانية المسيحية النسطورية بقيت إلى ما بعد الفتوحات الاسلامية، .. حتى منتصف القرن الثامن للميلاد.(15) اذ كان للمسيحيين السريان الدور الكبير في ترجمة الفلسفة والعلوم إلى لغتهم السريانية.

هذا التمركز الحضاري للمسيحية في نصيبين ساعد على تحصين موقعها في الجزيرة الفراتية حتى خلافة المتوكل العباسي. ومع أن الفكر الاسلامي والدعوة الاسلامية قد رافقا الفتوحات إلى ديار الجزيرة، فان المسيحية ظلت دين الأغلبية المطلقة بين السكان (16). إضافة إلى قسم من الأكراد واليزيدية،.. وساعدها في ذلك قربها من بلاد الروم. بالمقابل، كان يحد من دورها ممارسات بعض الموظفين والحكام إبان عصور الخلافة الإسلامية، رغم أن المسيحيين كانوا يقومون بدور فعّال في تطور الحياة الثقافية والاقتصادية في ديار الجزيرة. لكن الظروف السياسية كانت تفرض واقعها السلبي على الحياة الاجتماعية في الجزيرة وأنحاء الشرق الإسلامي، وبشكل خاص على المسيحية، وقد كرس هذا الواقع حكام نصيبين والموصل، ويذكر أن الملك الصالح اسماعيل بن بدر الدين لؤلؤ، بالتعاون مع جماعة من المسلمين والأكراد فتَك بالمسيحيين، وأجبرهم على ترك ديارهم والاحتماء في مدينة أربيل عشية الغزو المغولي (17).

وقد اتخذ السريان الجرامقة من نصيبين ميداناً انطلقوا منه في نشاطهم العلمي، وفيها أسّسوا مدرستهم الشهيرة. وقد شاركت نصيبين في شهرتها العلمية مدناً أخرى انطلقت منها العلوم مثل الرهاً (أو رهاى)، والمدائن (18).

و أشار ابن خلدون إلى أن الجرامقة نزلوا أرض الجزيرة وملكوها، وبنوا فيها المدن (19). وتنسب بعض المصادر تسميتهم بالجرامقة إلى منطقة «جرمق» من بلاد فارس، لكن أصولهم تعود إلى الآراميين، الذين نزحوا إلى منطقة عيلام، هرباً من تهديد الأشوريين لوجودهم. وخلال الفتح الاسلامي لديار الجزيرة الفراتية، كان الجرامقة يسكنون منطقة الموصل.

كما عرفت الجزيرة الفراتية اليهود منذ القدم في إمارة حدياب اليهودية. وقد بلغت هذه الإمارة شأناً بعيداً في عهد ملوكها المتهودين، ثم اتسعت لتضم بعضاً من منطقة نصيبين والأراضي المجاورة (20). وبعد تغلب المسيحية في ديار الجزيرة تحول معظم يهود حدياب إلى المسيحية، وبعد وصول الفتح الاسلامي، دخل قسم منهم في دين الاسلام. وقد أشار الأب جان فييه اليسوعي إلى نفوذ الوجود اليهودي في نصيبين في العهد الاسلامي، ووصل بهم الأمر لأن يهدموا كنيسة القديسة "فيرونيه"، واضطر "شمعون الزيتي" أسقف حّران لأن يعيد بناءها ثلاث مرات، وفي كل مرة كانوا يتعاونون على هدمها تحت جناح الظلام. (21)

الهـوامـش:

1 نينابيغوليفسكايا: ثقافة السريان في القرون الوسطى - ترجمة د. خلف الجراد، ص: 39
-  مواد وأبحاث من اصدار معهد الاستشراق التابع لاكاديمية العلوم السوفياتية، موسكو
-  دار العلم -
1979 اصدار الترجمة: دار الحصاد للنشر والتوزيع، سوريا - دمشق أيلول 1999 مطبعة العجلوني.

2المرجع السابق ص: 40

3الأب سمير خليل: دور المسيحيين في النهضة العباسية في العراق وسوريا (750
-  
1050 ) المسيحية عبر تاريخها في المشرق العربي، ص 491
-  
411. برنامج الدراسات والأبحاث، بيروت - لبنان، 2001.

- نينا بيغوليفسكايا: ثقافة السريان في القرون الوسطى ص: 38
-  
50.

4نينا بيغوليفسكايا: ثقافة السريان ص: 38 - 50.

- المطران سويروس اسحق سكا، نشؤ المدارس المشرقية وتراثها - المسيحية عبر تاريخها في المشرق العربي ص: 235
-  
251.

- المطران مارباواي سورو - نشؤ الكنائس المشرقية وتراثها. المرجع السابق ص: 251
-  
266.

- الأب سمير خليل - دور المسيحيين في النهضة العباسية، المرجع السابق ص: 491- 511

- سباستيان بروك، نشؤ الفكر المسيحي، المرجع السابق، ص: 144
-  
161

5يوسف نعيم علي أحمد: نصيبين من الفتح الاسلامي حتى الفتح العثماني، ص: 1، جامعة القديس يوسف، بيروت - لبنان، 1996.

6هنري عبود: معجم الحضارات السامية ص: 849.

7ياقوت الحموي: معجم البلدان، جزء الخامس، ص: 286.

8يوسف نعيم علي أحمد: نصيبين من الفتح الاسلامي حتى الفتح العثماني.

9ابن خلدون: كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر، المجلد الثاني، ص: 482، دار الكتاب اللبناني، بيروت، لبنان سنة 1977.

10ابن الأثير: الكامل في التاريخ، الجزء الأول، ص: (386
-  
396 )، دار صادر، بيروت، لبنـان، سنة 1976.

11توما المرجي: كتاب الرؤساء، ص: 61، المطبعة العصرية، الموصل، سنة 1966.

- بابو اسحق: مدارس العراق قبل الاسلام، هامش، ص: 26، مطبعة شفيق، بغداد، سنة 1955.

12اليعقوبي: تاريخ اليعقوبي، الجزء 2، ص: 150دار صادر، بيروت، لبنان، سنة 1960.

13هنري عبود: معجم الحضارات السامية، ص: 849
-  
850.

14أحمد سوسة: ملامح من التاريخ القديم، ص: 48، بغداد، العراق، سنة 1948.

15محمد ماهر حمادة: المكتبات في الاسلام، نشأتها وتطورها ومصائرها، ص (14
-  
15
-  
18 ) مؤسسة الرسالة، بيروت ، لبنـان، سنة 1959

16يوسف نعيم علي أحمد: نصيبين من الفتح الاسلامي حتى الفتح العثماني - ص: 260.

17ابن العبري: تاريخ مختصر الدول، تحقيق الأب أنطوان صالحاني اليسوعي، ص: 283، المطبعة الكاثوليكية، بيروت، لبنـان، سنة 1958.

18ادي شير: مدرسة نصيبين الشهيرة، المطبعة الكاثوليكية، بيروت، لبنان، سنة 1905.

- تاريخ كلدو واتسور، الجزء الثاني، ص: 268، المطبعة الكاثوليكية، بيروت، لبنـان، سنة 1912 (المؤلف غير مذكور).

19ابن خلدون: كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر، الجزء 2، ص: 268، دار الكتاب اللبناني، بيروت ، لبنـان، سنة 1977.

20سليمان الصائغ: تاريخ الموصل، الجزء الثاني، ص: 13
-  المطبعة الكاثوليكية - بيروت - لبنان - سنة
1928.

21  Fiey Jean Maurice. Nisib، Métropole - Syriaque Oriental -

Louvain 1977يوسف نعيم علي أحمد: نصيبين من الفتح الاسلامي حتى الفتح العثماني، ص: 272