العدد السادس عشر - تشرين الثاني 2006

وليم حسواني: "الزمن يتغير لكن الناس في بلدي صورة متحجرة"

حاورته: مريم خريباني
الاحد 19 تشرين الثاني (نوفمبر) 2006.
 

شخصية ظريفة ومحبّبة، صوتٌ ساحر فيه كلّ الطيبة والحنان، والقوّة والعزّة في آنٍ معاً.

 هذا هو وليم حسواني ( الشاويش)، تعلّم الكثير من الحياة وعلّم ويعلّم الكثير لأبناء الحياة. لا يزال ينضح بالشباب، شباب الروح وشباب الفكر.

وليم حسواني المسرحيّ المحبوب، الذي عايش الرحابنة في جميع مسرحياتهم ( عاصي ومنصور معاً)، مإذا عن تجربته المسرحية ومإذا عن وليم حسواني الانسان في الحياة العادية, الشاعر وصاحب الصالون الأدبي وشعري منذ سنوات.

استقبلني في منزله المتواضع وأجاب على أسئلتي برحابة صدر وكان الحوار التالي:

- وليم حسواني، الشاويش المهضوم, خفيف الظلّ في مسرح الرحابنة، صاحب الصوت المتميّز، من هو في مسرح الحياة اليومية؟

** أنا في اطار العائلة والد لأربعة أولاد, ثلاثة منهم فتيات والرابع شاب، كلهم متزوجون وأنا جدّ لستّة أحفاد أفرح بهم وبوجودهم قربي أنا سعيد في كلّ المراحل المكتوبة للانسان.

كنت شابّاً بين أخوتي الأربعة وأخواتي الثلاث وامي وأبي في جوّ عائلة تعيش المحبة دون تصنّع أو اكبار. تعيش جوّ الفكر والتحرّر من أطر الحياة الماديّة، تلك الطريق التي دلّنا عليها المرحوم والدي الذي كان شاعراً يردّد دائماً علينا : لا تجمعوا من ثروات الدنيا الاّ محبّة الناس. وهكذا أنا في هذه المرحلة من عمري أعيش سعادة محبّة أصدقائي وافتخر بأن أكون بينهم مقدّراً محبوباً، صاحب مكانٍ خاصّ في حياتهم.

ـ حياتي اليومية تقتصر على وجودي في البيت أوّلاً، بعد أن قضيت ستٍّ وستّين سنة لا أرى فيها البيت في النهار الاّ نادراً، أعيش على رنّة جرس المدرسة يوقظني عند الصباح الباكر ويعيدني إلى البيت بعد أن يكون النهار قد رحل. ثمّ لا أوفّر وقتاً لأعيش مع من حولي من أصدقاء أو نوادٍ ورابطات اجتماعية لأؤدّي للمجتمع الواجب المفروض على كلّ فردٍ يعتبر أنّ الحياة لا تفرح إلا بوجود الناس.

- مإذا قدّم المسرح لوليم حسواني،.. خصوصاً لمسرح الرحباني؟

** يقول منصور الرحباني في مقدمة كتابي " شريعة الغاب"رقم واحد: "لست أدري إذا كان وليم حسواني قد جاء من الشعر إلى المسرح، أم أنه انتقل من المسرح إلى الشعر، هذة الفكرة هي بالنسبة لي من صميم الحقيقة لأنني بالفعل جئت من الشعر إلى المسرح، وانتقلت من المسرح إلى الشعر. ذلك أنني أملك موهبة الشعر من البداهة ومن العائلة، وقد جذبني مسرح الرحابنة إليه لأنني وجدت فيه ما يشبع ويروي الروح من الكلمة الشعرية العميقة المحبّبة التي تخاطب الإنسان بكل ما فيه،.. وبالتالي استقيتُ عبر أربعين سنة على خشبة مسرحهم ما دفعني إلى أن أمسك القلم وأكتب شعراً، واثقاً من نفسي وحائزاً على تقدير من يسمعني.

في تلك الرحلة الطويلة الجميلة، عرفتُ معنى وهدف وقيمة المسرح في حياة الناس. فهو الرسالة التي تظهر الأخطاء الاجتماعية السياسية وحتى الروحية، بالاضافة إلى أنها توحي إلى الناس ما يجب أن يعتنقوه من مبادىء وأفكار لإصلاح حياتهم،.. ولرفع مستوى مجتمعهم الانسانيّ، كي تظهر من خلال تصرّف الناس حقيقة وجود الانسان، والمستوى الذي يجب أن يكون فيه حتى يعمّ الفكر والسلام والمحبة في الأمم.

المسرح حياة ناشطة، بحيث أنّ الذي يخاطب الناس من على خشبته إنسانٌ من لحم ودم وحقيقة، وليس صورة تتجمّد على الشاشة ولا تتغيّر بمظهرها وأدائها عبر السنين. بينما الممثّل على المسرح، يمكنه كلّ يوم أن يصحّح أخطاءه ويحسّن أداءه ليرسل إلى الناس الفكرة واضحة جليّة، ويؤدّي بالتالي، الرسالة الموكولة إليه.

- كثيراً ما سمعتك تقول انّ الرحابنة، كانوا يهتمّون جداً باختيار الكلمة والحرف، خصوصاً باختيار أسماء شخصياتهم المسرحية : هولو،.. عطر الليل،.. مرهج،.. راجح؛..غربة.. الخ، فلهذه الاسماء وقع موسيقي في الأذن، هل هذا ما كانو يرمون إليه تحديداً؟

** أسمح لنفسي أن أجيب على سؤالك هذا ،..الذي كان يجب أن يُطرح على الرحابنة أنفسهم.

 أرى أنّ بعض الجواب موجود في السؤال, ففنّ الرحابنة الشعريّ المسرحيّ الفكريّ يتميّز عن سواه بحسن الاختيار: اختيار الكلمة المناسبة االأخف حِملاً على القلب ، ثمّ حُسن اختيار الأحرف بحيث أنّ لها رنّةً موسيقية تتجاوب مع المعنى المقصود من حيث نعومتها أو قساوتها، فترى الأسماء المختارة لشخصيات المسرح تنطبع تماماً على أدوارهم، فالشخصية القاسية الطبع يمكن أن تسمّى "مرهج القلاعي" أو "راجح" أو "هولو" بما في معناها واختيار أحرفها من أبعادٍ تؤدّي إلى رسم هذه الشخصية والتجاوب مع تكوينها وطبائعها.

إن اختيار الكلمة عند الرحابنة هو الشعر بذاته. هو المعنى بذاته. من حيث تأثير هذه الكلمة على الأذن والقلب والروح ومسير الحكاية وفحواها.

هنا، ترى الكثير الكثير من طيّب الكلمات وعذبها بالإضافة إلى وحشية الكلمات وقساوتها وخشونتها.

قليلون جداً من يعرفون كم كان يتعب منصور وعاصي على إيجاد الكلمة الموافقة والحرف الرنّان. كان السامع يتلقّف كلمتهم والابتسامة على وجهه، والتجهّم على جبينه.. بحيث تؤثّر فيه الكلمة فرحاً وعمقاً. والكثيرون يعتقدون أنّ السهولة التي كانوا ينعمون بها في قراءة شعر الرحابنة هي من الأمور البسيطة التي تواجه الكاتب أو الشاعر، مع العلم أنّها من أصعبها. فمن أراد ان يحضّر لك أكلةً شهية، عليه أن يتعب في إعدادها لكي تروق وتُستعذَب للمتذوّق.

- أين المسرح اليوم؟ هل هنالك مسرح أم أنه يتخبّط في اللامفهوم واللاهدف؟

** من أهداف المسرح أن يخاطب الناس بلغتهم، و أن يبوح بأسرار قلوبهم، وأن يتلوّن بلون مجتمعاتهم. من هنا ننظر إلى مسرح اليوم بعينٍ ترنو تارةً، إلى الناس ومتطلّباتهم واتجاهاتهم، وطوراً إلى المسرح وما يمكنه أن يؤدّي لهم من خدمة لأرضاء أنفسهم ولإصلاح حالهم ولرفع مستواهم نحو الأفضل.

بعد الحرب التي اجتاحت هذا الوطن عن غير عدل، من البديهي ان تكون طبائع الناس قد تغيّرت إلى منحىً مختلف تماماً عمّا كانوا عليه قبل هذه الحرب الكاذبة اللعينة. فالجيل الجديد لا يرتضي بما كان، والتجديد في نظره ينزع _ ربما_ إلى نوعٍ من العنف الذي لم يكن وارداً على صفحة الأيام الماضية.

 من هنا، وجد المسرح نفسه مسيّراً لا مخيّراً، ذاهباً إلى ما يتجاوب مع أهواء جيل المجتمع الجديد وآرائه وتطلّعاته. فانحرف عمّا كان عليه، بحيث انّ الرومانسية وحكايات الحبّ والعاطفة، تلك الحكايات التي كانت صورةً حيّة للجمال الساكن في الخواطر، وللبعد العميق الراقد في قلوب الناس، قد ولّى زمانها، وانصرف إلى ما يزيل عن المشاهد غيوم الأسى والهمّ الذي رافقه في أيام المحنة، ليوفّر له ساعةً من الضحك والبهجة ينسى بها ما ساوره من متاعب وهموم خلال أيام المحنة. لذلك، نرى وجه المسرح قد تغيّر لونه وأصبح مرضيا لفئة كبيرة ممّن لم يعيشوا ماضيه الجميل، واكتفوا بأن يخاطبهم بلغتهم ويتوجّه إليهم بما يرضي نزعاتهم. تقديرنا في هذا المجال لا يرمي إلى حكمنا على المسرح بأن يكون قد انخفض مستواه، بل نرى أنه يسير مع متطلبات العصر التي قد يكون بينها وبين مستوى المسرح بجوهره وعظمته، ستارٌ يحجب عن أنظارهم ما فاتهم ولا يريهم الاّ ما هو متيسّر، وما يرون فيه ما طبعت الظروف في عقولهم وكيانهم.

- هل " لوثة " الشعر لدى وليم حسواني هي عدوى من الرحابنة وسعيد عقل؟ أم انه شاعر بالفطرة؟

 ** لا بدّ لكلّ صاحب موهبة شعرية أن يكون قد درس على كبار الشعراء وتلمس ما أعطوه من عمقٍ وجمال في عالم الشعر، لكي يتمكّن من السير بما هو فيه على الدرب التي تظهره بالمظهر الصحيح في هذا العالم الرائع.

طلاّب المدارس يتلقّفون في مراحل دراستهم أخبار وأثار الشعراء، كبذور تزرع في مخيّلاتهم ما يضيء في عقولهم الدروب التي تؤدّي بهم إلى عالم الشعر. ومن لا يتعلّم لا يتقدّم. هكذا يجمع صاحب كل موهبة، وعليه ان يجمعكلّ ما يجده في طريقه من جمال وفكر ووسيلة يطبعها في نفسه ليتمكّن من أن يتابع الطريق وأن يصل إلى الاستحقاق الذي ينتظره من دون أن يكون له هدفٌ أخير. فالشعر لا يمكن أن يصل إليه إلاّ صاحب الموهبة، وعلى صاحب الموهبة أن لا يكتفي بما له، بل أن يُغنيه بالاطلاع والتعمّق والسير على دروب من سبقه ومن أحسن السير، ليمكنه ان يستحقّ لقب شاعر وأن يُكمل الطريق التي دُعي إليها في طبيعته وتكوينه. من هنا ضرورة قراءة الكنوز الشعرية والتلذّذ بأثمارها وحفظ وترداد ما جاء فيها ليكون على معرفة،.. وإضاءة للسبيل الذي يوصله إلى جنّة الشعر.

- مإذا عن شريعة الغاب التي تنتقدها في ديوانك بجزئيه، والذي يحمل ذات الاسم؟ ألا ترى أنّ الزمن يتغيّر في نواحٍ، ويظلّ على حاله في نواحٍ أخرى؟ بمعنى أنه يستعيد نفسه من مرّة تلو مرة ؟

** شريعة الغاب، كُتِب في زمنٍ هو صورة مكبّرة لما جاء في هذا الكتاب الذي لم يكتمل بجزئيه، بل سيتعدّاه إلى أجزاء ستّة، يمكنني فيها أن أحيط بمجمل, وليس بكلّ، ما في المجتمع الذي أعيش فيه إنسانياً وسياسياً, بل أن أجمع ما أستطيع من هذا الحقل الواسع الذي لوّنه الناس بكثير ممّا يدعو إلى التصوير،.. والنقد المضحك المبكي.

قد يتغيّر وجه الأزمنة. لكن، ما دفعني إلى الكتابة هو نظرتي إلى هذا المجتمع الذي أعيش فيه، حتى عبر التاريخ الطويل, نظرةً قد تؤكّد لي أنّ الظروف تتغيّر ولكنّ الناس وأصحاب الشأن في بلدي يبقون صورةً متجمّدة غير متغيّرة عبر الأزمنة التي مرّت فيها بلادي. أقف على تلّةٍ فكرية وانظر إلى ماضي الأيام وإلى حاضرها _ ولا سمح الله _ إلى مستقبلها فأرى كلّ يوم " الواوي" و" الديك" و " السبع" و " العصفور" و "الثور" و " الحمار" و " الكلب" و " البوم"..... الخ متجسّدةً بأناس يمسكون زمام الأمور ويسيرون بالناس إلى حيث هم يريدون، وما تجرّهم إليه غرائزهم وطبائعهم. لن أتوقّف عن تصويرهم باللون الذي اخترته طالما هم لا يتوقّفون عن الغرق في الغرائز والانانيات والمصالح التي ينصّبون أنفسهم من خلالها أولياء على أمور الناس.

- أليس من الأفضل برأيك، أن تكون هنالك شريعة، ولو قاسية، من أن لا تكون؟

** الشريعة ضرورية لتنظيم حياة الناس ولإعطاء كلّ صاحب حقّ حقّه. وقد قيل : الظلم في الرعية رحمة. أما تطبيق الشريعة على مزاج من أوكل إليه أمر تطبيقها فهذا أمرٌ مستغرب وغير مرغوب. بحيث أنّ صاحب الحقّ، في تطبيق مقتضيات الشريعة عليه، يُحرَم من حقّه،.. ويعود الحقّ لمن ليس له.

 - لمإذا غاب وليم حسواني عن التلفزيون؟

** غبتُ عن التلفزيون لأنّ هذه الشاشة تحفظ مدى الدهر صورة جامدة لا تتغيّر ولا تتطوّر ولا تتحسّن، فهي كما هي دائماً، يعود إليها صاحبها ربما بعد زمنٍ مكتشفاً فيها بعض الأخطاء التي لا يمكنه تصحيحها، فتراه يعترف بالخطأ ويُثقل نفسه بالأسف من حيث لا يمكنه فعل شيء.أما المسرح، فيمكن فيه التصحيح يوماً بعد يوم للوصول إلى المستوى اللائق والأداء المرضي والصورة المُعجِبة. وباختصار أقول: المسرح حيّ متحرّك ، أما الشاشة لدينا فهي صورةٌ متحجّرة جامدة لا تتغيّر ولا تتبدّل،.. ولا تتطوّر مهما مرّ عليها الزمن.

- صالون وليم حسواني ( موسم الشتاء ) إلى ماذا يهدف وماذا حقّق حتى الآن؟

** بنيتُ الصالون على ما أسسه الدكتور الشاعر الاستاذ رفيق روحانا. وهو امتداد لـ " ملكوت الشعر " الذي لا يزال يقيمه الاستاذ روحانا في عشقوت خلال الصيف. وقد آليتُ على نفسي أن أتابع هذا المجال الفكري بكل أمانة خلال أشهر الشتاء، كي لا يكون هناك انقطاع وكي نؤمّن لعشاق الأدب والشعر جوّاً يرون فيه أنفسهم، ويتجاوب مع مواهبهم وتطلّعاتهم.

منذ 1996 ونحن نتابع العمل أسبوعياً، ويكون المنبر لشاعر يقيم الأمسية على مسمع حضورٍ ذي مستوىً رفيع في عالم الفكر والشعر. رائدنا في ذلك، وقد تحقّق منه الكثير، ومن هذا الكثير الحفاظ على التراث الشعري، وتشجيع الناشئة على السير في هذا العالم الجميل.

كثيرون من من الشعراء كانت محاولاتهم الأولى على منبرنا ، وقد انطلقوا منها إلى عالم الشعر بدفع منّا وبافساح المجال لهم لأن يفتّقوا ستائر مواهبهم ويكونوا من الشعراء، لاغناء هذا الحقل بما وهبهم اياه الله. عملنا على البحث والتصحيح والتشجيع الكثير الكثير، ولم نزل ولن نزال سائرين نحو الأفضل. مع التمنّي بأن تزداد هذه الكوكبة لتعمّ وطن الفكر بكامله. مع التمنّي أيضاً، لأن تنظر الدولة إلى مثل هذا الحدث بعين التشجيع لانه يعود اولاً وآخراً إلى رفع المستوى الفكري في المجتمع.

- مإذا يقول وليم حسواني الشاعر، عن حركة الشعر اليوم؟ هل لا يزال هنالك مستقبل للشعر العربي ، عامّيته والفصحى؟

 

** الشعر اليوم في مجدٍ لا يقلّ عن مجد ما سبقه بشيء. بلادنا غنيّة بالفكر، وقرانا ومدننا تعجّ بالشعراء ممن استقوا من هذه الأجواء الشرقية ، ما روّى نفوسهم ودفعهم إلى عالم الشعر. أما الفصحى والعامية فلا خلاف بينهما في إطار الشعر، بحيث أنّ من يعبّر إنّما يعبّر بدافع داخلي، ويكون تعبيره صورة من صور الجمال. والمستقبل في هذا الإطار لا بدّ من أن يسير على الطريق نفسه، إذ أننا لم نزل نشرب من الماء ذاته ونتنشّق نفس الهواء.