العدد السادس عشر - تشرين الثاني 2006

مهمة الأديب أن يدعو إلى التمازج والانسجام بكل موهبته

د. عبد السلام العجيلي
الاحد 19 تشرين الثاني (نوفمبر) 2006.
 

 في حوار غير منشور سابقاً ... الدكتور عبد السلام العجيلي

 لن أذهب بعيداً في تقديم العجيلي، الذي قدم للمكتبة العربية أكثر من اثنين وأربعين كتاباً. أكتفي بالقول إن هذا الحوار هو الثالث في سلسلة الحوارات التي أقيمها معه، وهو غير منشور وربما غياب الأديب الكبير سيؤكد عبرأجوبته أن حياة العظماء لا تنتهي بالموت.

وفيما يلي نص الحوار

ـ لا يجد المتابع اليوم أسماء هامة في القصة القصيرة، كتلك التي قرأنا لها من قبل، من مثل يوسف إدريس وعبد السلام العجيلي، على سبيل المثال لا الحصر. هل يعود السبب إلى خيبة هذا الفن المراوغ في الإحاطة بمتطلبات العصر، أم أن العلة في الذين يكتبون القصة؟

لا أظن الساحة الأدبية اليوم، بدورياتها الكثيرة التي تنشر أعداداً كبيرة من القصص القصيرة، وبالمجموعات القصصية التي ترفدها بها دور النشر في مختلف البلاد العربية بغزارة.. لا أظن هذه الساحة خالية من قصاصين مقتدرين مقاربين في إبداعهم يوسف إدريس وعبد السلام العجيلي، أو متفوقين عليهما. وجهلنا بوجود هؤلاء القصاصين، أو عدم اشتهار أعمالهم، واقع مبعثه عوامل عديدة، ليس بينها، في ما أحسب، ضعف الذين يكتبون القصة أنفسهم.

يمكننا أن نعد غزارة الإنتاج القصصي نفسها في هذا الزمن أحد العوامل المكونة لهذا الواقع. فعلى الرغم من تزايد أبناء الأمة العربية في العدد، وانحسار الأمية الأبجدية بعض الشيء بينهم، فإن الأمية الثقافية تظل طاغية عليهم، مما يجعل قراء الأعمال الأدبية نخبة منهم قليلة في عدد أفرادها بين الذين يعدون متعلمين. كانت هذه النخبة في ما مضى تركز قراءاتها على عدد قليل من الدوريات، أو على إصدارات قليلة من المجموعات القصصية، فكان المبدع المجيد محط اهتمام القراء المجتمعين على قراءة إبداعه، وفائزاً بالشهرة التي يؤهله لها ذلك الإبداع. أما اليوم، فإن اهتمام هذه النخبة المحدودة في عددها موزع على الأعداد المتنامية من الدوريات، وعلى الكم الهائل من الإصدارات القصصية، مما يتسبب في إبعاد كثير من المبدعين عن ساحة الاهتمام، وفي الجهل بهم، حين لا يتاح التركيز إلا على النادر منهم.

ومن العوامل في تكوين الواقع الذي أشرت إليه أن القصة القصيرة في أدبنا المعاصر كان لها في زمن معين مرحلة مميزة بين الألوان الأدبية، وأنها قاربت أن تتخلى عن مكانتها التي كانت لها في تلك المرحلة، هذه المرحلية في فنون الأدب لا تقتصر على أدبنا وحده. فقد مرت بها الآداب الغربية قبل ذلك. ففي نهاية القرن التاسع عشر، ومطلع القرن العشرين، كان لإدغار ألان بو، وغي دي موباسان، وتشيكوف، بصفتهم كتاب قصص قصيرة، منزلة لا تقل عن منزلة كبار الروائيين والشعراء في أدب أممهم، ثم ما لبثت القصة القصيرة هناك أن فقدت مكانتها في الإبداع والنشر، أمام ألوان أخرى من الكتابات، ولاسيما أمام الرواية. والأمر عندنا، وإن كان لأسباب أخرى، قد خضع لهذه المرحلية أيضاً. برزت القصة القصيرة، وبرز كتابها، في العقود الزمنية لمنتصف القرن العشرين، لأن الظروف في ذلك الزمن كانت تلجئ المبدعين إلى الاعتماد على الدوريات، المحدودة الصفحات، في نشر أعمالهم الأدبية بشكل مكثف، في قصص قصيرة لا يستطيع فرضها كاتبها على الساحة الأدبية، إلا إذا كان محسناً، ومتفوقاً في إحسانه. ولكن الحال تغيرت، واتسع مجال النشر في كتب مستقلة تحول بها كتاب القصة إلى روائيين. وكتّاب الرواية، على خلاف ما يعتقد الكثيرون، أسهل في المباشرة، وفي التفوق فيها من كتابة القصة القصيرة. وهكذا أخذ أدبنا اليوم يبدأ بدخول المرحلة التي دخلتها الآداب الغربية قبلنا، أعني بها مرحلة التباعد عن كتابة القصة القصيرة الجيدة إلى كتابة الرواية الطويلة، جيدة كانت أو غير جيدة.

هذه بعض العوامل لتكوين الواقع الذي ذكرته. ليست كلها بالطبع، ولكنها، في ما أعتقد، أهمها.

ـ الرواية العربية، أين تقف اليوم من مثيلاتها في الغرب الأوروبي، وفي الأميركيتين؟ وهل يمكن أن نشهد لها صعوداً، أو هبوطاً، أمام غزو وسائل التقانة الحديثة؟

الأصح أن تسألني أين يقف قراء الرواية العربية من أمثالهم من قراء الروايات في أوروبا، وفي الأميركيتين. فحين تتوافر الأجواء المناسبة، والقراء المقبلون على قراءة الروايات، والذين يحققون ذيوعها، فإني لا أشك في إمكانية وجود روائيين متفوقين في إنتاجهم عندنا، لا يسبقهم في سمو الإبداع الروائيون في اللغات الأخرى. ولست أشك أيضاً حتى في الحالة المزرية لقراء الرواية عندنا اليوم، في أن ساحاتنا الأدبية لا تخلو من هؤلاء الروائيين المتفوقين. لكن الذي لا يجعل لرواياتهم القيمة نفسها التي للروايات الغربية هو كونها تفتقد القراء الذين يعطونها هذه القيمة بتداولهم إياها، وبإقبالهم عليها.

المتعلمون عندنا ليسوا قراء كتاب تحتاج قراءته إلى الانكباب عليه لاستيعاب محتواه. إنهم إذا قرأوا فإن قراءتهم تنصب على الدوريات، الخفيفة المواضيع والمتعددة المقاصد. والرواية كتاب ذو مقصد واحد، قلّ أن يحتمل قارؤنا الانصراف الطويل إليه. لذلك لا تجد الرواية لها من القراء كثرة تضمن لها جمهوراً يدعو إلى بروزها وتميزها بالقدر الذي تستحقه. وأضرب لك مثالاً على ما أقوله، ففي عام 1991، دعيت مع مجموعة من الكتاب، روائيون في أغلبهم، إلى عمل أدبي جماعي نكتبه حول آثار مدية البتراء في الأردن. الداعي لنا كان الملحق الثقافي في السفارة الفرنسية في عمان، بالاشتراك مع وزارة السياحة الأردنية. كنا ستة كتاب فرنسيين، وستة عرباً، وكتب كل منا نصه بلغته. ترجمت النصوص الفرنسية إلى اللغة العربية، كما ترجمت العربية إلى الفرنسية، وصدر بها كتابان، الفرنسي في باريس، والعربي في عمان، بعنوان: (البتراء، كلام الحجر). ما أريد قوله، للمقارنة بين قراء الكتاب عندهم وعندنا، إن الطبعة الأولى من الكتاب في الفرنسية نفذت من الناشر في باريس خلال السنة الأولى، بينما لا تزال نسخ الكتاب العربي مكدسة عند ناشرها في عمان إلى اليوم.

التقانة الحديثة موجودة عندهم بأوفر مما عندنا، وبأتقن مما عندنا. ولكن ذلك لم يحل دون ذيوع الرواية المتميزة، والإقبال على قراءتها، عندهم. ثم إن التقانة الحديثة عندنا، على فقرها النسبي، ليست هي السبب الوحيد في ضعف منزلة الرواية العربية، وإن كانت إحدى المساهمات في الإغراق في هذا الضعف، وكانت مساهمتها هذه تزداد يوماً بعد يوم.

ـ المكان في بعض القصص سالي أنموذجاً، من طبيعتين. فنحن نرى في القصة بيئتين، فمن جهة نجد الطبيعة العربية البدوية من خلال الخيام والمضافة، ومن جهة أخرى تلك البلاد الباردة الثلجية التي انحدرت منها سالي. إلى أي حد يكون البطل صانعاً للمكان في الأدب؟ وإلى أي حد يمكن للأدب إذابة الفوارق الجغرافية في صناعة الإنسان مجرداً من انتماءاته الضيقة؟

في رجوعي إلى كتاباتي في القصة والرواية أجد أني، وبصورة عفوية، أتحدث في كثير من الأحيان عن قضايا جدلية، ديالكتيك، بين طبائع بشرية، أو خصائص تاريخية وجغرافية، أو أني أعالج هذه القضايا بشكل جدلي. ذكرياتي وتأثراتي في رحلاتي التي قل أن يجاريني فيها أحد من كتابنا تتيح لي في ميادين معالجة من هذا القبيل أكثر من غيري. ولأني، كما سبق وقلت في إحدى حواراتي الصحفية، أحمل بلدي وأهلي معي أينما توجهت، فلابد لي أن أجد في أسفاري، مثلما أجد في إقاماتي، مدعاة للمقارنة، أو المقابلة، بين ما أنا منه، وبين ما يعيش فيه، أو ينتسب إليه الآخرون.

هذه المعالجة الجدلية عندي لا أقصرها على جغرافيتين متباعدتين، كبلاد السويد الباردة في أقصى الشمال الأوروبي، وبادية الجزيرة السورية، كما جاءت في قصة (سالي)، بل إني أدرت الحديث عليها في إحدى رواياتي، وهي (المغمورون) بين منطقتين متقاربتين في بلد واحد، هو بلدنا، كما يتكرر في مجالات أخرى غير المجال الجغرافي، كمجال الطبائع البشرية والأحوال النفسية للعديد من أبطال قصصي. إذن فأنا لا أتقصد صنع مكان للأحداث التي أرويها، ولكن أجواء الأحداث، من جغرافية وإنسانية وفكرية، هي التي تتكاثف وتدفعني، وبصورة عفوية كما قلت، إلى المعالجة الديالكتيكية التي تتظاهر بها أعمالي التي أكتبها.

أما قدرة الأدب على إذابة الفوارق الجغرافية، وتجريد الإنسان من انتماءاته الضيقة، فهي، إن وجدت هذه القدرة، لا تعود إلى الأدب نفسه، بل إلى الأديب الذي ينتجه. هناك  أدباء يسعون إلى هذه الإذابة، وآخرون يساهمون في الإبقاء على الفوارق، أو يسعون إلى تكثيفها، وعلى كل أنا لا أجد هذه الإذابة مهمة منوطة بالأدب والأدباء بصورة مباشرة،.. مهمة الأديب أن يحسن الإشارة إلى مساوئ الانتماءات الضيقة، ويدعو إلى التمازج والانسجام بكل موهبته الإبداعية. ومن ناحيتي أعتقد أن كتاباتي حملت دوماً عوامل إيجابية في هذا المجال، لأني فطرت على الإيمان بها، فدأبت على العمل لها.

ـ سعيد بطل روايتكم (أجملهن)، نظرته تفارق نظرة أمثاله من الشخصيات في الروايات العربية عن الغرب. فعلاقة سعيد بسوزان تنهض على شيء إنساني، بعيداً عن أية مرجعية، بينما، على سبيل المثال، مصطفى سعيد، بطل (موسم الهجرة إلى الشمال) للطيب صالح تكون نظرته إلى الغرب قائمة على مرجعية الرغبة بالانتقام، إن صح التعبير. هل يعود هذا إلى أن بطل روايتكم سائح بالدرجة الأولى؟

ليست الصفة السياحية التي جعلت سعيد، بطل روايتي، ينظر إلى بطلتها الغربية بهذا الشكل. في قصتي (رصيف العذراء السوداء) مثلاً، وفي قصص غيرها تظل النظرة نفسها عند المقيم الشرقي مثلها عند السائح. الأمر يتعلق بي أنا، مؤلف القصص والروايات في نظرتي إلى العلاقة بين بني البشر، أياً كان انتماؤهم، كما هي، وكما يجب أن تكون. وقد تنبه النقاد إلى اختلاف نظرتي إلى المرأة الغربية في رواياتي عن نظرة الآخرين من الكتاب، ولاسيما في ما ذكره جورج طرابيشي عن كون الإمرأة الغربية لا تبدو مهانة، أو متغلباً عليها، في ما كتبته، كما تبدو في أعمال الكتاب العرب الآخرين الذين عالجوا هذه القضية. ذلك أني لا أنظر إلى العلاقات العاطفية والجسدية بين الرجل والمرأة، سواء كانا غربيين، أو شرقيين، ولا سيما إذا انتهت تلك العلاقة بالوصال، على أنها انتصار وغلبة للرجل على المرأة، بل إني أعتبرها علاقة تواصل بين ندين متكافئين في الربح مثلما يتكافأن في الخسارة، إذا كانت ثمة خسارة.


-  في (أجملهن)، تترهبن سوزان في نهاية العمل. كيف يمكن لنا أن نبرر هذا من الناحية الفنية؟

ليس الأمر غريباً من جانب سوزان. لقد أفصحت عن ارتباطاتها العقائدية لرفيقها منذ أول تعارفهما، حين ذكرت له أن أمها كانت تهيؤها لدخول الدير حين رأت اتجاهاتها الدينية في صباها. وفي تجولها مع سعيد في الأديرة والكنائس، وفي أعماق المنجم، كانت تبادر، في كل مناسبة تستدعي ذلك، إلى الجثو ورسم إشارة الصليب على صدرها، مما يدل على أن سلوكها اليومي كان مطبوعاً بالتدين. لم تنكر أن ارتباطها الجنسي بحبيبها هو علاقة غير مشروعة، وإنما بررته متهيئة للاعتذار عنه حين يحين ذلك. كل هذا يشير إلى أن تحولها من عاشقة، لم تتورع عن الارتواء من اللذائذ الجنسية، إلى راهبة ملتزمة بالعفة لم يكن أمراً مستبعداً. بل ربما كان هذا الارتواء، حين بلغت منه إلى النهاية، أحد الدوافع إلى تحولها ذاك. قد يكون مبعث اللجوء إلى الرهبنة، أحياناً، شعور إحباط، أو حزن، أو يأس سوداوي، ولكن ما من شيء من هذا يبدو على رهبنة الفتاة التي كانت أجملهن. إنها رهبنة سكينة نفسية، وتفكير متزن، وإيمان صحيح.

حاوره: ماجد رشيد العويّد