العدد السادس عشر - تشرين الثاني 2006

أدونيس و "الهوية غير المكتملة":

دمشق - ابراهيم حاج عبدي
الاحد 19 تشرين الثاني (نوفمبر) 2006.
 

سعيت، في تجربتي، لأن أحول العقل إلى غزال شارد...

لطالما أثار النص الأدونيسي - شعرا ونثرا - الجدل والنقاش، ومرد ذلك إلى أن أدونيس، في نتاجه النقدي والشعري معاً، لا يخضع لأي سلطة، سوى سلطة المعرفة، ولا ينساق وراء أي إغراء سوى الانسياق وراء إغراء السؤال الذي لا يني يتجدد مع كل صباح. فالشاعر لا يطمئن إلى معطى ثابت، ولا إلى حقيقة مطلقة، بل هو دائم البحث عنها لأنها (الحقيقة)، في رأيه، مخاتلة، نسبية، غير ناجزة، ومن هنا فإن فضيلته الأولى هي البحث، والتقصي، والشك الذي لا يهدأ، إيماناً منه بأن "الحقيقة التي تنتصر زائفة، ذلك أن انتصارها يختلس منها فضيلة البحث، والحقيقة هي البحث المفتوح عنها لا أكثر" كما يقول الناقد الفلسطيني فيصل دراج.

إن الكتابة على هذا النحو جلبت لأدونيس خصومات كثيرة، والمفارقة أن خصومه الكثر لا يستطيعون وضعه في خانة محددة، فالتهم، إذا كانت كذلك حقاً، تتباين من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار فهو يتهم مرة بالشيوعية وأخرى بالقومية وفي ثالثة بالعدمية حتى أنه يتهم بالأمريكاني، والخميني والمناصر للتطبيع... الخ.

أدونيس يرى أن هذا الالتباس نابع من أن المثقفين العرب لا يفهمون معنى أن يكون الإنسان مستقلاً "فإنا لم يحدث لي أن ارتبطت يوما بأي نظام سياسي عربي، ولم يكن هدفي أن انتقد الأنظمة، فمشكلتي أوسع من النظام" مشكلته حضارية ثقافية. بهذا المعنى هو شاعر يصعب تصنيفه، فهمومه مختلفة عن الهموم التي تشغل معظم المثقفين العرب، كما أن جانباً كبيراً من هذا العداء يعود إلى جرأة الشاعر في مقاربة أكثر القضايا حساسية مثل: الدين والتراث، والتصوف، والمرأة، والجسد، والجنس، والسياسة، كما هي الحال، في كتابه الجديد "الهوية غير المكتملة" الصادر عن دار بدايات (جبلة، سوريا 2005م) إذ يواصل أدونيس معركته الثقافية المزمنة.

ولئن صح بأن أدونيس في هذا الكتاب الذي تمت صياغته على شكل حوار يدلي به للكاتبة شانتال شواف دون أن تدرج فيه الأسئلة، يعيد آراء معروفة له بتعابير أخرى، وفي سياقات مختلفة، فإن تأكيده على تلك الآراء والأفكار التي وردت من قبل في كتاباته لدليل على إخلاصه لتلك الآراء، وإيمانه بضرورة تكريسها، مع قناعة مطلقة (وربما هي القناعة المطلقة الوحيدة لديه) بأن أحداً لم يقل الحقيقة مرة واحدة وإلى الأبد "ليست الحقيقة جاهزة مسبقاً. يتعلمها الجميع مثلما يتعلمون في كتاب. الحقيقة لا توجد أبداً في كتاب، وإنما في الوجود، وفي الحياة، وفي التجربة. إنها بانتظار الكشف عنها دائماً".

لعل عنوان الكتاب، الذي ترجمه حسن عودة، يفصح عن السؤال الإشكالي الأبرز في تجربة هذا الشاعر، وهو سؤال الهوية، فأدونيس طمس الهويات كلها ليختار هوية تفصح عنها قصيدته، هوية تبحث عن الحقيقة فحسب. وهو دائم القلق أثناء هذا البحث فقد كتب في كتابه (مقدمة للشعر العربي):"حين تنغلق أبواب الحرية تصبح الخطيئة مقدسة"، وهو بذلك يسير على خطا جده أبي نواس الذي قال بدوره: "أنفت نفسي العزيزة أن تقنع إلا بكل شيء حرام"!

وفق هذا الفهم لم ينظر أدونيس إلى التراث نظرة جامدة، بل حاول خلخلة هذا التراث ونزع صفة القداسة عنه ذلك أن التراث هو بالفعل كذلك يحوي تعددا وتنوعا هائلاً لا ينكن النظر إليه بوصفه واحداً، وقدم دراسات حول هذا التراث غيرت من خلالها المفاهيم الثابتة، ولعل دراسته "الصوفية والسوريالية" تعد واحدة من الدراسات الهامة التي يبين فيها تأثر السوريالية الأوربية في مطالع القرن العشرين بالصوفية الإسلامية العربية التي سبقتها بعشرة قرون.

وأحدث، كذلك، كتابه "الثابت والمتحول" 1974 عاصفة نقدية إذ أسس لقراءة التراث قراءة حديثة شكلت انقلاباً في بنية التفكير، الفكر العربي. وحين أصدر أدونيس "الكتاب: أمس المكان الآن" 1995 أثار موجة جديدة من الغضب بحجة أن عنوان "الكتاب" يطلق على القرآن الكريم فحسب لكن أدونيس يرد بهدوء من خبر التراث العربي الإسلامي: "إن تسمية الكتاب سبقت القرآن. الكتب سوابق. والقرآن سمى أصحاب هذه الكتب أهل الكتاب، وهو يعني أن ثمة كتبا سبقت القرآن، ثم جاء القرآن فسمي كتاباً، وأتى سيبويه فسمى كتابه في اللغة العربية (الكتاب) و"الكتاب: أمس المكان الآن" هو التسمية الرابعة.

ويتهم الكثير من النقاد أدونيس بأنه يدعو إلى قطيعة معرفية مع التراث وهو ما يثير الاستغراب لدى النظر بموضوعية إلى مجمل ما كتبه أدونيس الذي أسهم - على عكس ما يقال - في إظهار جمالية هذا التراث وتنوعه وتعدده فهو يقول "لا تستطيع أن تخلق جمالاً جديداً بلغة تجهل تاريخها الجمالي"، كما أن سيرته الذاتية توضح جانباً من "تعدد الهويات لديه"، فقد ولد الشاعر في قرية قصابين التابعة لمحافظة اللاذقية السورية عام 1930 لأسرة فلاحية. تتلمذ على يد والده، وبرع في حفظ قصائد المتنبي والشريف الرضي، وتشرب بالتراث في سن مبكرة. التحق بمدرسة اللاييك في مدينة طرطوس (الليسيه الفرنسية) بين عامي 1944 و 1946 وانتسب إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي عام 1948. تخرج في جامعة دمشق حائزاًَ الإجازة في الفلسفة سنة 1945 وبعد الخدمة العسكرية الإجبارية غادر سورية إلى لبنان مع زوجته خالدة سعيد سنة 1956، لتشهد بيروت ولادته الشعرية الحقيقية حيث نشر في صحافتها وخاض معارك فكرية كثيرة وساهم بقوة في الحياة الثقافية في بيروت عبر مجلة "شعر" أولاً ثم مجلة "مواقف". غادر لبنان إلى باريس سنة 1986 وعمل أستاذاً زائرا في جامعة السوربون وغيرها من الجامعات الأوروبية، ولمع اسمه كواحد من الشعراء الكبار وترجمت أشعاره إلى مختلف اللغات الحية. إن هذه المحطات وغيرها منحته هوية مفتوحة بحيث لم يعد ممكنا تحديدها إلا بالشعر، والشعر رحب رحابة الحياة.

من الصعوبة بمكان اقتباس عبارات مختصرة من هذا الكتاب، الموجز والمكثف، وإدراجها هنا كشواهد خارج السياق الذي أتت فيه، لكن يمكن المجازفة قليلاً. يضع أدونيس في الكتاب تصوره لروحانية الألفية الثالثة، إذ يقول "لعل الأدب، والشعر بوجه خاص، هو الميدان الذي يتحتم علينا أن نبحث فيه، وأن نحدد ما يمكن أن تكون عليه، روحانية جديدة، انبعاث روحي جديد، يبث الدماء في عروق كوكبنا الشائخ"، معتبرا أن العنف السائد من حولنا متجذر في المحظورات الدينية "فإذا لم نعد التفكير بأساس هذا العنف، ولم نتبين بأنه متجذر في الدين، فلن يكون بمكنتنا التخلص من العنف ولا من الحرب "لافتا إلى أن المحظور الوحيد الذي ينبغي مراعاته لمواجهة العنف، والذي لا يلتفت إليه أحد هو:"لا تقتل".

وفي معرض حديثه عن تقويض الأبوة الكليانية وضرورة تدميره في المجتمع العربي يقول "جميع الزعماء العرب آباء، آباء سيئون، آلهة صغار"، لا يعرفون سوى الاستبداد، وإلغاء الآخر: "الأبناء والبلاد والجيش والحاضر والماضي تدور جميعها حوله، حول الأب - الرئيس، الذي انتصر، أما الشعب فليس سوى وسيلة. فالمواطنون يستمدون قيمتهم بحسب صلاتهم مع الزعيم (الأب)، وبحسب خضوعهم له" وهذا عنصر جوهري في الحضارة العربية بحسب رأي أدونيس الذي يصف التاريخ العربي بأنه تاريخ حروب متواصلة.

وكان للغرب دور في ذلك، فالغربيون أيدوا على الدوام الأصوليين، والمعادين للديمقراطية والدكتاتوريين. ليؤكد "أجل! كل شيء يحتاج إلى تغيير في مجتمعنا" ويضيف "لفهم شعري بنحو أفضل، لابد من رؤيته من هذا المنظور، وملاحظة أنني أعيش في مجتمع ينبغي إعادة بنائه كليا، مجتمع أضع ثقافته وسياسته موضع البحث والنقاش". وهو يطالب بفصل الدين عن الدولة كي تتنفس الشعوب العربية قليلاً من الحرية، ويجهر بأن ليس بوسعه الارتباط بأي نظام سياسي لأن طبيعة هذا النظام مضادة للواقع، وهو يعلم بأن عدم الولاء يقود إلى تهميش المرء لدرجة أن منحة دراسية لا تمنح إلا لاعتبارات الولاء السياسي. معتبراً أن هذا نظام قبلي وشعاراته الكثيرة ... ليست سوى هذر.

وإذا كان التصنيف السائد هو أن الرجل خير والمرأة شر فكيف للشر أن ينجب الخير؟ يتساءل أدونيس، مشيراً إلى أن التعميم الغربي في رؤية العرب خاطئ إذ "ينبغي عدم مماهاة المسلمين بالأصوليين أو مماهاة الشعب بالنظام". وهو حين ينتقد الغرب فإنه يقصد الغرب العسكري الاقتصادي أما حين "أتحدث عن الشعر والفن والفلسفة والإبداع فإن الحدود تنمحي بين ما يسمى الشرق والغرب، هذا أن وجدت يوماً، تلكم هي الصوفية التي أؤمن بها. وها هنا أكون صوفيا. الكائن واحد. والمعرفة والعلم والفلسفة إنما هي واحدة لا انفصام لها"، داعيا إلى احترام الإيمان لدى جميع البشر لكن دون مأسسة أنا شخصياً أقف ضد الدين بوصفه مؤسسة مفروضة على سائر أفراد المجتمع، ولكنني لست ضد الإنسان الذي يمتلك إيماناً دينياً بوصفه فرداً.

ويرى أدونيس أن من الضروري في الأدب خلق مسافة بين الكلمات والأشياء، لأن لصق الكلمات بالأشياء أشبه بمن يلصق وجهه في المرآة، فلا يعود يرى أي شيء، وقد سعيت في كل تجربتي الفكرية والشعرية، إلى أن أحول العقل إلى غزال شارد. وأن أسكب داخل العقل خمرة القلب، حتى ينتشي مثلما ينتشي القلب. ووظيفة الشعر ـ بحسب أدونيس ـ هي أن يهدّم، أن يزيل الأقنعة. أن يكون دوماً إلى جانب البلبلة والإقلاق والزلازل الثقافية.

وهو يستعيد بنبرة حانية جانباً من محطة الطفولة، إذ يتحسر لم أعش طفولتي كما يعيشها الأطفال في المجتمعات الحديثة، فأنا ما عرفت قط سن الطفولة. كانت أمي شجرة بالنسبة إلي،.. شجرة ناطقة، نهراً، نهراً لم يتوقف عن الجريان. كانت بالنسبة إلي جزءاً من الطبيعة، ولكنها كانت طبيعة حية، وبهذا المعنى، فقد أثرت بي كثيراً دون أن تتفوه بكلمة. في حين أن والده فتح له الطريق إلى الشعر، وهو مدين له بثقافته الأولى. إذ علمني ما هو جوهري: إختيار طريقنا بحرية. وبهدي من هذه النصيحة اختار أدونيس اسماً حرره من هويته الدينية أدونيس بدل علي، لنفتح على كل ما هو إنساني، وتعلم أن الهوية إنما ينغي خلقها وإعادة خلقها باستمرار، والهوية الثقافية التي يعتز بها الشاعر إنما هي حوار، تآلف بين الأنا والآخر.

ثمة بوح صادق، وأصداء كلمات جارحة تتردد أصداءها في حقول المحظور والممنوع والمسكوت عنه، وفي هذا البوح، بوصفه بوحاً، يقول أدونيس كل مايجول في ذهنه من هواجي وآلام ومخاوف، ويزل الأقنعة عن الثوابت وعن الموروث الديني والأخلاقي التقليدي، ويعانق الثقافة الانسانية بكل رحابتها ونبلها، ولا يتوانى عن خلخلة البنيان الصنمي للثقافة العربية السائدة. وهو في كل ما يكتبه يشعر القارىء بتحرر كما تقول شواف، وتضيف حين يتكلم أدونيس يفاجىء بأن العالم يتسع أمامك.