العدد السادس عشر - تشرين الثاني 2006

مرض عضال

عدنان محمود محمد
الاحد 19 تشرين الثاني (نوفمبر) 2006.
 

نظرتُ بهلع إلى الورقة الشاسعة الملصقة على الجدار. دعَكتُ عينيَّ بظاهر يدي مرةً بعد مرة، ثم نظرتُ من جديد. الهلع يتنامى. أدنيتُ رأسي من الورقة وقرأتُ الاسم المطبوع بخطّ عريض: لمّاح عبد الباري. لا مجال للشك. الاسم اسمي والسن سني. رفعتُ بصري إلى أعلى الورقة فازداد وجيب قلبي. كدتُ أن أسمع دقاتِهِ على الرغم من ضوضاء الشارع. الأهل أهلي: زوجتي نشوى وأولادي رؤى وراني وسراب، وإخوتي صافي وحمزة وشفيق، وإختاي كريمة وسمر، لا بل قرأتُ أسماء أهل الحي فرداً فرداً، وأسماء زملائي في الشركة وأسماء وجهاء المدينة، كلهم ينعوني ببالغ الأسى واللوعة على شبابي المسفوح. شرعتُ في ابتسامة عريضة لهذا الأسى.. ما لبثتْ أن تحوَّلتْ إلى قهقهةٍ مدوِّية تخترق هذه اللحظات العصيبة. عدتُ إلى الأسفل لأقرأ سببَ الوفاة: مرض عضال. لم يبق لي إلا بضع ساعات وأفارق هذه الدار، دارَ الشقاء إلى دار البقاء. ساعات قليلة وتنتهي أسطورتي. أو هكذا فهمتُ على الأقل في زحمة الانذهال، وفي ضيق اللحظات السريالية التي ولجتُ إليها. لم تعد رجلاي تقوَيان على حملي. أحسستُ بوهنٍ شديد يعتصر أوصالي،.. ويأتي على مابقي لديّ من قدرة على الجلَد لطالما حسدني عليها أهلي ومعارفي.

رقدتُ على الفراش القاسي، بلا وسادة. أهو فراشٌ حقاً أم قطعة من القبر؟! رأسي لا يكفّ عن الدوران. ربما لأنني اعتدتُ أن أنام على وسادةٍ عالية! ربما بسبب الجوع! ولكن، منذ متى كان الميت يحسّ بالجوع؟ ربما لأنني أوغل في اللحظات السريالية بغير رجعة! لحظات! بل هي ساعات بلا ضفاف. هي دهر قد يمتدّ آلاف السنين. خيالاتٌ تتراكض في رأسي. تكاد تفلقه لتخرج. تُصدِر سنابكها قرقعةً رهيبةً وتهرس كل ماتقع أظلافها عليه.

اعتصرتُ رأسي بيدي لأوقِف هذا الجري الوحشي. تقلّبتُ عدة مرات. تكوَّمتُ على الفراش ورأسي بين ركبتيي. إني لا أقوى على حمله. ربما كان أثقل من الأرض وما عليها. لا جدوى. الجري المفترس متواصل، وأصوات قهقهاتٍ تتعالى أحياناً لتهمد قليلاً ثم تعود فتصخب وتملأ المكان. وجوه ترتسم بين قدميَّ من غير معالم. اجتهدتُ في التعرف ولو إلى وجهٍ واحد منها . لا جدوى. وقع خطوات يقترب. إنها خطوات أكثر من شخص. إنهما شخصان. نعم، إني متأكد الآن. شخصان يمشيان بخطى ثابتة. أهما ناكر ونكير! لا بدّ أن ساعة الحساب قد أتت. اصمد يا لمّاح، اصمد! لن ينجيكَ إلا ما دأبتَ عليه، والغلبة لكَ في النهاية حتماً.

دارت المفاتيح في الأقفال. تساءلتُ: حتى هنا يوجد أقفال!؟ ودخل شبحان هائلان. لم يدنوا مني مباشرةً. مكثا طويلاً عند الجدار المقابل يعالجان شيئاً كانا يحملانه. أنهيا عملهما وخرجا بلا كلمة. ربما كانا مرافقان يمهّدان الطريق لقدوم سيّديهما. دارت الأقفال من جديد. تنبّهتُ إلى ورقة تملأ الجدار المقابل لمكان جلوسي. لم أجد عناءً في قراءتها. يبدو أنها كتبت بخطّ يُقرَأ في كافة الظروف، حتى داخل القبور. كان العنوان بخطٍّ عريض مذهَّب خطّطه خطّاط متأنّ ٍ ومحترف.

تقرير الأطباء الشرعيين

 

أُتيَ إلينا بالمدعو لمّاح عبد الباري في حال ميئوسِ منها نتيجة وصوله إلى مرحلة متقدّمة جداً يصعب معها فعل أي شيء.

 ولدى سؤالنا زوجته عن بدايات المرض وسببه قالت: كان زوجاً عادياً بكل معنى الكلمة. لم ألاحظ في أفعاله ما يميّزه عن أي رجل من الرجال. فعندما سألته في أول تعارفنا عن علاقاته السابقة قال إني أول حبٍّ في حياته. طربتُ لهذا التصريح ولكني مالبثتُ أن اكتشفتُ له أربعَ علاقات سابقة،.. وشروعاً في خطبة. وعندما واجهته باكتشافي قال إنه اكتشف لي ثلاث علاقات سابقة، فقلت حسماً للخلاف: على أيّ حال أبقى مقصّرة عنكَ بواحدة. وعندما كان يتأخر في السهر خارج البيت وأسأله في اليوم التالي متى عاد، وأنا أعرف بالضبط ساعة عودته لأني كنتُ أتظاهر بالنوم، كان يقول: عدت في الواحدة، مع أنه لم يعد قبل الثالثة. استمرّينا هكذا حتى كبر أولادنا. وذات مرة رن جرس الهاتف فقال لابننا راني، وكان في الثامنة من عمره على ما أذكر: إذا سأل عني أبو ماجد البقّال فقل له إني غير موجود لأنه سيطالبني بالديون المتراكمة منذ عدة أشهر. وحين طلبه المتصل ردّ الصبي: عمو أبو ماجد، بابا يكذب. لأنه قال لي أن أخبرك بأنه ليس هنا، وهاهو جالس بجانبي. ما كان من زوجي إلا أن ثارت ثائرته وراح يضرب الصبي حتى أغمي عليه، فنقلناه إلى المشفى. في تلك اللحظة شعرت أن المرض قد تغلغل إليه.لأنه أخذ يبكي بحرقة بعد أن فتح راني عينيه بين إغماءتين وهمس قائلاً لوالده: سامحني يابابا فقد علّمونا في المدرسة ألا نكذب.

ومرضه سريع العدوى ويشكّل خطراً جسيماً على الآخرين. يجب عزله في أقرب وقت.

رقدتُ من جديد على حصيرتي. ما يزال الكون من حولي يدور. لم ينفعني إغماض عينيّ في إيقاف الدوران. لا بل زاد منه تزاحم الخيالات التي صارت تجري في كل الاتجاهات،.. وتصرخ،.. وتعوي. ارتفع فوقها جميعاً صوتُ منادٍ: السيد المدير، السيد المدير. فجأةً ظهر من بين الخيالات بكرشه العظيمة وابتسامته الواضحة. أقسم على الكذب وقال:

"أيها السادة القضاة، لقد كان المتهم موظفاً عادياً في الشركة، كثيراً ما يحاول أن يترك العمل قبل الأوان، أو أن يتأخر أحياناً،.. أو يطلب كثيراً من الإجازات لسبب أو لغير سبب. ومع ذلك يطالب، كغيره، بالمكافآت والحوافز ويستميت في أن أعيّنه في أي لجنة من اللجان الكثيرة في الشركة يمكن أن يستفيد منها.. ولو بالنزر اليسير. بعد ألف ياويلاه عيّنتُ هذا الجاحد في لجنة المبايعات. لستُ أدري ما حدث معه بالضبط، ففقد أتاني ذات يوم إلى المكتب وقدّم استقالته. قال في طلب الاستقالة إنه غير قادر على أن يكون شاهد زور على ما يحدث في اللجنة. وعندما سألته عمّا يحدث قال: أنت تعرف تماماً كل ما يحدث ولستَ في حاجة إلى من ينوّرك في هذا المجال. ثم إني لستُ ممن ينقلون الأخبار. وخرج من غير استئذان. وفي انتخابات النقابة لستُ أدري كيف حصل على كل تلك الأصوات واضطررتُ إلى تعيينه. حاولتُ أن أطلق يده من ناحية الدوام، وأن أخصص له سيارة لكنه رفض قائلاً: لن تستطيع إغرائي بسيارة، واعلم أني لن أسكت عن أي تجاوز أو استغلال لحقوق العمال. صار يأتي قبل الدوام بنصف ساعة ويخرج بعد آخر عامل، ويحاول أن يتدخّل في كل شاردة وواردة. باختصار: إن الانقلاب الذي حدث عنده سبَّبَ كثيراً من المشكلات في الشركة،.. وأضرَّ كثيراً بسيرورة العمل. تصوّر أنه لا يتورّع أن يقول لأي شخص: أنتَ أعور وبعينكَ قشة. كثيرة هي الشكاوى التي رفعت إليَّ بحقه. وفي النهاية تطاول عليّ هذا الناكرللجميل، تطاولَ عليَّ داخل مكتبي إذ شتمني قائلاً إني كذاب ولو لم أكن ذكياً وحويطاُ، إذ إني أحضرتُ حراسي الشخصيين والبوّابين قبل دخوله إلى مكتبي، الله وحده أعلمُ بالذي كان سيحدث.

-  ماذا كان اتهامه لك بالضبط؟

-   تصوروا، أيها السادة القضاة، أن أوصَف باللصوصية والكذب بعد عشرين سنة خدمة للبلد واقتصاده من خلال إدارتي لهذه الشركة!

-  فيمَ ترغب يا سيادة المدير؟

ابتسم ببطءٍ، وجاب القاعة بنظرة ذئبية متأنية. نظر إليَّ نظرةً مكهربة متوعّدة، ثم إلى القضاة وقال: إن أمثال هذا المتهم خطرون على الحياة وعلى المجتمع، كما أن خطرهم على العمل لا يختلف فيه اثنان. قد أغفر له تطاوله عليَّ كشخص، ولكني لا أستطيع أن أغفر تطاوله على مديره. تصوّروا أيها السادة، لو أن كل موظف قال لمديره إنه كذاب! ألن تعمّ الفوضى وتقف سيرورة العمل؟ إني أرغب إلى عدالتكم أن تعزل المصابين بهذا المرض، والعياذ بالله، وتخليص المجتمع منهم.