العدد السادس عشر - تشرين الثاني 2006

كليب أحبائي يحرج فضائيات عربية!!

عائدة سلامة
الاحد 19 تشرين الثاني (نوفمبر) 2006.
 

جوليا بطرس: إما أبيض أو أسود.. ولا مكان للرمادي

لم يطل الانتظار حتى ظهرت إلى النور أحبائي بصوت الفنانة الملتزمة جداً جوليا بطرس، وجهود كوكبة فنية تآزرت في التلحين والتوزيع والإخراج ليأتي هذا العمل على صورته الأكمل التي تليق بنبل الغاية وصدق الهتاف، وطهر الهدف.

ميزة هذا العمل الفني الملتزم الذي أنتج بسرعة قياسية، أنه يحمل شحنة عالية من الإحساس هي في مستوى الوجدان الشعبي في لبنان ومحيطه وعالمه العربي الذي عبّر عن روحه المشدودة إلى المقاومة بأكثر من وسيلة،.. واستطاع أن يحرج أنظمة عربية ويجبرها على تلطيف مواقفها وتغيير خطابها. وقد نجحت صوفي بطرس، التي أخرجت الـالكليب، في المواءمة بين المضمون الفني والرسالة التي وصلت إلى الناس بصوت جوليا. فـالكليب لم يصوّر في استوديوهات، بل في الجنوب،.. أرض المواجهات الدامية بين المقاومة وقوات العدو الصهيوني. وكان موحياً إلى حد بعيد أن يجري التصوير في بنت جبيل التي تحوّلت، كما غيرها من كل قرى ومدن الجنوب، إلى رمز لانتصار الكبرياء والعز على أعتى قوة تدمير بربرية في منطقتنا. هكذا ظهرت البيوت مطرزة بآثار القذائف الإسرائيلية.. شاخصة بهياكلها إلى انتصار جديد، وظهر أطفال الجنوب، كما هم تماماً، من دون رتوش، بألوان القمح والتبغ والصعتر والبرتقال، وبملامح مشبعة بالعزيمة والمكابرة على الجراح. إنهم جيل المستقبل الذي يشكّل كموناً نوعياً يكتنز المصير، لكأن صوفي بطرس أرادت أن تشير بأهمية إلى ذلك من خلال التوليف البسيط والموحي بين أبناء الجنوب وأرضهم، وبين مشاهد التدمير التي تصبح دائماً وراء أجيال تكبر في فضاءات الشجاعة والبطولة من دون أن تفقد براءتها، أليس هذا سرّ السنديان والغار الذي يمد جذوره عمقاً في صخر الجنوب.. وقاماته سامقة في سماء من الحرية؟!..

هذا بعض مضمون هذا العمل الملتزم، الذي كان إنتاجه يحتاج إلى شجاعة أدبية هي في معايير الآخرين مغامرة،.. فجوليا وزياد وصوفي ومن في ركبهم، يعرفون مسبقاً أن هذا العمل الهادف سيلاقي صدوداً من فضائيات في لبنان وعواصم عربية، وأكثر من ذلك، سيحارب مادياً، لأن ريعه الداعم لأسر شهداء وجرحى الجنوب سيترجم ـ حسب فولوكلور القوى الطائفية والمذهبية القابضة على الفضائيات ـ إلى عمل سياسي، لا يشفع انتماؤه إلى أرض لبنان وشعبه في تنزيهه عن تهافت السياسة والسياسيين الذين يمسكون عملياً بالفضائيات والإذاعات والصحف التي باتت أجيرة المال السياسي، وأسيرة شركات الإعلان الممسوكة إقليمياً والداعمة للمنابر الأطول باعاً في الشحن الطائفي والمذهبي.. من دون أن تتوقف عن التغنّي بقيمة الحرية، وفضائل الديمقراطية، والحوار، وإعطاء مساحة لـالآخر... الخ..، أليس هذا هو السبب الذي يجعل الكثيرين من أهل الفن يحاذرون إعطاء آرائهم الخاصة في أمور الوطن خشية أن تؤدل الترجمة السياسية لأفكارهم إلى إقصائهم عن الشاشات..!!

أحبائي، هو حتماً عمل لم ينتج للفضائيات، بل أنتج للناس الطبيعيين الذين لا تزيف وجدانهم وذائقتهم الفنية والوطنية السياسات النظيفة وتهافت القيمين على الإعلام، وتجارية المستثمرين والمنتفعين والمتربصين بالدولار السياسي في زواريب الفن والثقافة، بل أنتج أحبائي ليذهب بطلاقة وتلقائية إلى جمهور الأرض والبطولة، في لبنان والعالم العربي، ولاشك أن جوليا وكوكبة الإخراج والإنتاج أنجزوا عملهم كما يجب تلبية لواجب أخلاقي انطلاقاً من ثقة عميقة بأن جمهور الأرض والشعب لا يزال بخير. لذلك، ستذهب جوليا في حفلاتها إلى هؤلاء الذين يشكّلون الصميم في الوطن، وحفلاتها المقبلة في لبنان، والقاهرة ودمشق وغيرها، ستكون البرهان على أن هذا الخير القومي المقيم في أهله هو الأصل، وما عداه هامش ضيق حالك، ألم تقل جوليا منذ البدء: إما أبيض أو أسود، ولا مكان للرمادي؟.