العدد السابع عشر - كانون الأول 2006

العالم يتغير والعرب كذلك، إنما المسارات لاتتشابه

نصري الصايغ
الثلاثاء 19 كانون الأول (ديسمبر) 2006.
 
New Page 1

قررت الولايات المتحدة الأمريكية إعادة صياغة العالم وفق تصورات رسمتها " عبقرية " المحافظين الجدد، وبأسلوب الإقناع قليلاً،.. وبالقوة إذا لزم الأمر. وقد استلزم الأمر استعمال القوة، في منطقة الشرق الأوسط تحديداً، وفي بعض أطرافه: إحتلال أفغانستان وإلحاقها،.. تدمير العراق وتطييعه،.. إيكال إسرائيل أمر تصفية المقاومة في فلسطين ولبنان،.. إجراء فرز بين الأنظمة العربية ومحاولة توظيف بعضها لتغيير العالم العربي برمته، فهل سيتغير؟

إستعادة صفحات التاريخ العربي، منذ قرن من الزمن، تدل على أن التغير كان يحصل، غالباً، بارادة خارجية، وأن الشرق رسم للمرة الأولى، بإرادات دولية منتصرة، وأن التغيرات الإقليمية الكبرى، كانت وفق تدخلات غربية حاسمة، فبعد الحرب الكونية الأولى، وضعت أسس الشرق الأوسط الحالي، انطلاقاً من حدود سايكس بيكو وصك وعد بلفور. بعد الحرب العالمية الثانية، كرّست إسرائيل دولة إغتصاب، استتبعتها القوى العظمى، بسلسلة من محاولات التطبيع، بالقوة والقهر والضغط، كي تصبح إسرائيل، دولة طبيعية في المنطقة العربية. ولأن منظومة الأنظمة العربية بعد الإستقلال ، لم تستطع ملء الفراغ السياسي، فقد ورثت أميركا تركة بريطانيا وفرنسا، فيما ظللّت قامة الإتحاد السوفياتي مجموعة الدول الخارجة عن الطاعة الغربية.

كانت فلسطين  تملأ الساحة السياسية، ولكن مصائرها لم تكن بيد الأنظمة العربية، إلا لماماً. وعليه، فإن معظم التغييرات الإستراتيجية في المنطقة العربية، كانت صناعة خارجية، كما هي الحال في محاولات الولايات المتحدة الأميريكية راهناً.

ثمة فارق هذه المرة، أن الإستراتيجية الأميريكية، بسبب تطرفها المطلق، وسياساتها المغامرة والدامية،وتقليد إسرائيل لها في حروبها. أخرجت من الساحة التناقضات الثانوية، وأضفت على التناقضات الرئيسية صفة الوجود الدائم. أي أن التناقض لم يعد تناقضاً سياسياً  مرحلياً،بل تناقضاً إستراتيجياً عميق الغدر في المستقبل.

ولهذه الأسباب، دخل الجميع في أعمق أزمة :عراق يفيض قتلاً، والنزف مستمر، والفوضى بلا أفق: إن بوابة الحلول غير مرئية.

ثم فلسطين تقف على خطوط التماس، بين مطالب التخلي الدائم عن حقوق فلسطينية ( الضفة والقطاع، المستوطنات، حق العودة، الدولة الديموقراطية) و القبول بسلام يعطي نقيضه هدية مسمومة للفلسطسنيين.

أما لبنان، فقد دخل بوابة الحسم الخاص: إما دولة قوية، وإما اعتدال يقود بسرعة إلى التفريط بكل المكتسبات.

وبوضوح أكثر، يقود عملية التغيير اليوم طاقم سياسي مؤلف من: الولايات المتحدة الأميريكية، وإسرائيل، وبعض المجتمع الدولي، والدول المعتدلة، مضافاً إليها، بعض  فلسطين، ممثلاً رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، وبعض العراق، ممثلاً برئيس الحكومة، وبعض لبنان، ممثلاً بفريق الرابع عشر من آذار.

التناقض الرئيسي القائم هو التالي: فريق يرى أن امتلاك عناصر القوة المادية والعسكرية والقتالية والسياسية، ضرورية كي لا يكون التغيير المتوقع، مصالح أميركا وإسرائيل وحدهما، حيث أن انتزاع مصادر الطاقة والقوة، يسهل على أميركا، قيادة المنطقة إلى سلام بشع وظالم مع إسرائيل، واستتباع كامل لها.

التناقض في فلسطين هو التالي: إما تحرير فلسطين، وإما الحل النهائي وفق ما تراه إسرائيل وأميركا: التفاصيل التابعة لإتفاق أوسلو، باتت خارج الروزنامة.

حضر، ودفعة واحدة موضوع إلغاء المقاومة والانتفاضة،.. إسقاط سلطة المقاومة وحكومتها، والذهاب إلى مفاوضات الوضع النهائي، لتصفية القضية الفلسطينية نهائياً.

التناقض في لبنان، لم يعد حول قضايا ثانوية، بل حول قضية رئيسية ذات مركزية حاسمة: إما أن يتخلى لبنان عن مقاومته وكامل عناصر قوته فيدخل تحت المظلة الدولية بإرادة أميركية، ويحسم أمره نهائياً بالتخلي عن فلسطين وعن ذاته وهويته، وإما أن يحتفظ بمكانته ودوره واستقلاله وإرادته السياسية.

التناقض في العراق، بين الاحتلال، ومن هو هذا الإحتلال، ورسم خريطة وطن عراقي جديد بصيغة الموت السياسي والإستراتيجي، وموت وحدة العراق عبر صلبه على مثلث الطوائف والأعراق.

التناقض الرئيسي في الخليج، بين إعتدال لا يرى في أميركا، وعسكريتاريتها وتدميرها المنظم للعرب، عدواً أوخصماً، بل يرى في الملف النووي الإيراني، عدواً محتملاًً،.. ولو كان هذا الملف سلمياً.

التناقض يكاد يكون، أن نكون وفق ما نريد ، أو  نكون وفق ما يريدون. وعليه، فإن المنطقة دخلت مرحلة الحسم.

إما أن يغيروننا، فلا نعود نحن نشبه أنفسنا، أو أن نتغير بطريقتنا، وفق مصالحنا وهويتنا وثقافتنا، عبر تأمين الآليات السياسية النضالية المتحررة من العقد والإلتباسات السلطوية.

إذا لم نتغير، لحماية قوة الأمة ومصالحها وثقافتها، فسيغيروننا... ويتحول العرب إلى ملحق وذيل، في الشرق الأوسط الجديد؟