العدد السابع عشر - كانون الأول 2006

خسارة و انتصار

يزن ديب
الثلاثاء 19 كانون الأول (ديسمبر) 2006.
 

تاريخ طويل من الخسائر والانكسارات،... خسارة تلي الخسارة. هكذا،.. حتى أدمنّا الفشل ولم يعد لكلمات الربح أو الانتصار من وجود في قاموسنا الحياتي . ترى هل حقا تعدينا كل المراحل حتى وصلنا الى ذلك البرزخ الذي لا نقدر فيه التمييز بين الخسارة و الانتصار!!...

هل هنالك من لا يستطيع التمييز بين وجهي عملة الحياة ؟؟ أم ترانا نطلق التسمية التي نريدها على الوجه الذي نحياه...

أخشى تلك الأسئلة التي لا أجوبة لها، ففي غموضها استدراج لأحد أشكال الموت!!

ربما كان اختلاف العملة التي نتداولها هو السبب، فبين الأمريكي و الأوروبي و المحلي تختلف قيمة العملة، و يبدو أننا حين نجلس الى طاولة "التجارة" نحتاج الى تحويل العملة، و هنا تكمن خساراتنا . دائما هنالك ما نخسره.. و من نخسره . و ما دمنا مجبرين على التعامل بعملة غيرنا سنبقى على رفوف الخاسرين، فعند جرس افتتاح كل بورصة سنخسر أرضاً ، و مع افتتاح كل مزاد سنفقد "أحد" مقتنياتنا, وما لم نجبر الآخرين على التعامل بعملتنا سنخسر كل شيء . سنخسر وطننا وسيغطينا الغبار على رفوف التاريخ حتى يأتي من يكنسنا عنها .

و يبقى السؤال: متى سينتهي هذا الانحدار وهذا الجنون ؟

ما الذي ستفعله أرصدة كبير لعملة لا تساوي شيئا ؟؟

 في سوق "الديمقراطية" المستوردة و"الحرية المعلبة" .. ومظاهرات المواد الحافظة، ماذا بإمكاننا أن نفعل ؟؟؟ هل نسمع موسيقى نينوى و نستحضر خوارق تاريخنا...

لو أن جلجامش تخيل يوما أننا سنحول فلسفته في الخلود الى مقعد جلدي في مكانٍٍٍٍ عالٍ لانتحر وأحرق أوراقه .

 ولو أن طائر الفينيق تخيل يوماً أنّ كل تلك النار المستعرة التي احترق بها لن تكون قادرة على إيقاظنا من سباتنا لما انتفض من رماده، ولما.. عاد يوماً...

كيف لنا أن نفرح ؟ كيف لنا أن ننتصر ؟ وقد فعلنا ما فعلناه من دون أن نملك جواباً ولا حتى تبريرا . لقد قتلنا كل جميل في حياتنا , حتى المصابيح التي تغطي دروبنا بالنور حطمناها ونزعنا فتيلها، وسكبنا زيتها على قارعة الطريق . وبحقد غبي ما زلنا نلاحق حتى شرارات النور الصغيرة التي لم تخبُ بعد لنطمس نورها .

لماذا حكمنا على أنفسنا بالافلاس ؟ لماذا ثقبنا جيوبنا ؟ لماذا أحرقنا كنوزنا ؟ لماذا نستهلك أعمار أجيالنا قبل أن تولد ؟ من أعطانا الحق بالمتاجرة بحياتهم ومستقبلهم ؟ .

لماذا تحولنا من أصحاب أعظم رصيد يشرّف الحياة إلى مجرد متسولين على تقاطعات التاريخ، نحاول أن نستجدي ولو مربط دابة لنا فيه ؟ لماذا تحولنا من مبدعي الحرف والكلمة الى أميين ؟ لماذا صغرت أهدافنا وتقلصت أمانينا في أن نكون سطرا في تاريخ الانسانية بعد أن كنا الكتاب كله،.. وأول المشاركين في صناعته ؟

اشارات استفهام كثيرة لم ننتبه لها ولم نعرها ما تستحق من الاهتمام . لم تفزعنا دلالاتها ولم يفزعنا انحناؤها الماثل أمامنا كحبل المشنقة .

كدت أستسلم , كدت أيأس . هممت أن أقول لفيروز : سامحيني أيتها الرائعة . يارا لم تعد تطلق جدائلها الشقر حيث لم يعد من عمر للتأرجح . كدت أقول هذا لولا صهيل خيول الفرسان القادمين من الجنوب بعباءات العز والكرامة يرفعون رايات النصر والفرح ..

بعد هذا الخذلان الطويل واليأس القاتل نجح فرسان الجنوب في قلب المعادلة، وتحقيق ما لم يكن أحد يتخيل تحقيقه : أعادوا لنا قناديلنا مملوءة بزيت الثقة والأمل، وجذروا الفرحة في صدورنا , وبرهنوا لنا وللعالم : أن فينا قوة لو فعلت لغيرت وجه التاريخ ,.. وإنها لفاعلة.