العدد السابع عشر - كانون الأول 2006

ذاكرة إبراهيم يموت وتاريخ الحزب السوري القومي الاجتماعي

موسى علي السيد
الثلاثاء 19 كانون الأول (ديسمبر) 2006.
 

 

التناقضات والاتهامات المجانية

نشرت صحيفة "الديار" في شهر تشرين الأول 2006 ملفاً مطولاً عن تاريخ الحزب السوري القومي الاجتماعي والصراعات الداخلية التي نشبت في مرحلة خمسينيات القرن المنصرم وما تلاها، عبر شهادات أدلى بها عدد من قادة الحزب القدامى المؤسسين وبعضهم من الجيل التالي.

 ولفت نظري بوجه خاص الحلقة السابعة التي نشرت في السابع عشر من تشرين الأول الصفحة الخامسة، وخصصت لذاكرة الأستاذ "إبراهيم يموت".

من المفيد القول انني لا أنوي إعادة قراءة تاريخ الحزب وعلاقاته وصراعاته، والظروف المتبدلة التي مر بها، إذ توجد عشرات الكتب حول هذا الموضوع، ولأنني قارئ ازعم الاهتمام والاحاطة بجوانب هامة من الصراعات السياسية في لبنان وسوريا والعراق في مرحلة خمسينيات القرن الماضي، وما قبلها وبعدها، أسارع للتأكيد على قضية هامة للغاية، هي التمييز بين الرأي والمعلومة، فالمعلومة تتطلب الدقة والحيادية والموضوعية وكذلك، الوثائق وهو ما يؤدي إلى يقين الحقيقة.

 اما الرأي فيعني وجهة نظر من زاوية شخصية لصاحبها حول قضية ما، أو حتى معلومة تعاد قراءتها بشكل جديد. وكي لا أذهب بعيداً في الاستطراد، توقفت عند ما أورده الأستاذ "إبراهيم يموت" حول حدوث اختراقات في قيادة الحزب السوري القومي الاجتماعي في خمسينيات القرن المنصرم، من قبل "حلف بغداد"، فيقول: "أحاقت بالحزب مخاطر خلال أعوام 1954- 1957 وشعر بعض أعضاء المجلس الأعلى، ومنهم أنا، بأن قيادة الحزب بدأت تخترقها التيارات المتمثلة يومذاك بحلف بغداد، ومشروع ايزنهاور المتمثل بالمد الأمريكي العراقي التركي...

أحسست بذلك الاختراق بصفتي رئيساً للشعبة السياسية لفترة قصيرة، كانت كافية، أثر اتصالي ببعض العسكريين العراقيين العمداء الداغستاني والسامرائي، من معرفة ما يخطط له حلف بغداد".

 في المقتطف الذي أوردناه، أكد الأستاذ "يموت" أنه قام باتصالات مع ضباط عراقيين على علاقة بحلف بغداد، لكنه لم يذكر ما إذا كان ذلك بتكليف من الحزب وقيادته، ولا هدف، هذه الاتصالات، وما دار فيها، وعلاقته بما سيورده لاحقاً تحت عنوان "تدبير انقلاب" فقد انتقل الأستاذ "يموت" من الإحساس بما اسماه مخاطر، إلى ما يشبه معلومة أوردها أثارت لديّ ولدى الكثير من الناس، تداعيات كبيرة، لما فيها من تناقضات، اسمح لنفسي، أن أقول أنها فادحة، وبعيدة للغاية عن الحقيقة.

يقول الأستاذ إبراهيم يموت: "كان أركان حلف بغداد يعدون انقلاباً في الشام يكون أواخر عام 1956، وكان ذلك بعد استقالة عبد المسيح والمعارضين لحلف بغداد المشبوه.

صلة الوصل من الجانب العراقي فكان اللواء الداغستاني والزعيم صالح السامرائي، ومن الحزب المقدم غسان جديد يعاونه المقدم محمد معروف وسعيد تقي الدين وكلف غسان جديد بقيادة الانقلاب في الشام، وذكر تفاصيل ذلك الصحافي البريطاني المعروف "باتريك سيل" في كتابه، الصراع على سوريا، إلا أنه جرى صرف النظر عن الانقلاب في الشام بعد أن رفض غسان جديد التوقيت المحدد له، وبعد أن تسربت أخباره للسلطة في دمشق."

من الواضح أن الأستاذ "إبراهيم يموت" لا يتهم غسان جديد ورفيقيه، بتدبير انقلاب لأن أمر هذا الانقلاب معروف ومدون في الكثير من الدراسات التي تناولت صراعات تلك المرحلة وما دار فيها. لكن ما يثير الخلاف، إلى حدود الشبهة، الجمع بين محاولة الانقلاب والعلاقة مع حلف بغداد. إذ من المعروف أن تاريخ العلاقات السياسية السورية العراقية في خمسينيات القرن العشرين كان في غاية الحساسية والتعقيد، وكان للملكة العربية السعودية ادوار في الصراع حول سورياً والعراق معاً، إذ شهدت هذه المرحلة كثافة ملحوظة في الإعداد للانقلابات والانقلابات المضادة في البلدين، وكانت أغلب هذه المحاولات ضد حلف بغداد. ولا أدري على ماذا استند الأستاذ "إبراهيم يموت" لكيل تهمة تعاون غسان جديد ورفيقيه مع حلف بغداد، خاصة أنه هو بالذات يذكر، أن غسان جديد رفض تنفيذ الانقلاب لأن توقيته جاء مع العدوان الثلاثي على مصر.

ما هو معروف جيداً، أن غسان جديد رفض تنفيذ انقلاب عام 1956، بسبب العدوان الثلاثي على مصر، وليس لأي سبب أخر، فأين يكمن التناقض الفادح فيما أورده الأستاذ "يموت

إذا كان غسان جديد وسعيد تقي الدين ومحمد معروف قد نسقوا مع حلف بغداد، لانقلاب في سوريا، يفترض المنطق أن يكون العدوان الثلاثي على مصر، فرصة ذهبية لتنفيذ الانقلاب، وليس عكس ذلك. في هذه النقطة بالذات أردت أن أتوقف متفحصاً المشهد،  فالشهيد غسان جديد وأخويه فؤاد وصديق كانوا من قادة الجهاد العربي في فلسطين، في إطار جيش الإنقاذ، وكان غسان جديد بشكل خاص قائداً لامعاً في معارك جبهات فلسطين، ولم اقرأ في كل ما كتب عن حياة ونضال غسان جديد أي أشارة إلى تعاون مع حلف بغداد لتحقيق أهدافه الخاصة، أو أهداف حزبه. إذ كان الشهيد جديد صاحب مناقبية رفيعة، فحين كان يعّد لانقلاب 1956، كان يقول لرفاقه أنه في حال النجاح، يجب أن يبتعد الجيش عن السياسة، ويلزم ثكناته لأداء مهمة واحدة هي الدفاع عن الوطن.

إن تناقضات ذاكرة الأستاذ إبراهيم يموت تتضح أكثر فأكثر بقوله بعد الفقرة التي اقتطفنا، كتب سعيد تقي الدين في مذكراته عن الانقلاب: دخل عليّ المقدم محمد معروف وفي يده جريدة، ووجهه أصفر، سأل: أعرفت بالهجوم؟ (على السويس) أقطع يدي قبل أن أهاجم دمشق واليهود يتربصون بنا.

كان غسان جديد حاضراً فقال: لا تقطع يدك فنحن بحاجة إليها، إذ أن استخباراتنا ترجح نزول قوات فرنسية في اللاذقية وستكون معنا لمواجهتها هناك". ومن المعروف أن باريس كانت تفكر بالفعل بإنزال قواتها في اللاذقية لدعم هجومها مع بريطانيا وإسرائيل على مصر، إلا كل موقف موقفي الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة آنذاك، حال دون تنفيذ مثل هذا الإنزال، وأدى إلى فشل العدوان الثلاثي، والمهم، فإن كلام غسان جديد واضح الدلالة، فمن موقعه في دمشق كان يعد لمواجهة العدوان الثلاثي، أذا ما اتخذ من الأرض أو الشواطئ السورية منطلقاً ضد مصر، فكيف يمكن الجمع بين عقيدة من هذا النوع في الوطنية وبين التعاون مع حلف بغداد لتنفيذ انقلاب 1956؟

لقد اتهم غسان جديد، بالوقوف وراء اغتيال عدنان المالكي، وكانت هذه التهمة شائعة لعقود من الزمن، ثم ثبت أن لا علاقة لغسان ولا الحزب السوري القومي الاجتماعي بهذه الجريمة، وهو أمر أشار إليه الأستاذ "إبراهيم يموت". أما الأستاذ "نصر شمالي" فأورد شهادة هامة على لسان الراحل "عفيف البزري" في مقال كتبه في جريدة النور السورية الصادرة في 20/9/2006.

يقول نصر شمالي: كان الفريق البزري يعتقد اعتقاداً راسخاً أن الجهة التي اغتالت المالكي هي ذاتها التي اغتالت انطون سعادة واغتالت غسان جديد، إنها المخابرات الأمريكية، وهو كان يدعم قناعته هذه بالمعلومات التي أطلع عليها بوصفه عضواً في هيئة المحكمة التي نظرت قضية المالكي. لقد كان يترحم عليهم جميعاً ويعدهم شهداء الوطن وضحايا العدو الأمريكيِ. إن شهادة الراحل عفيف البزري، لا تكتسب أهميتها من كونه عضواً في المحكمة التي اختصت النظر بهذه الجريمة وحسب، بل في حقيقة أن البزري كان رجلاً وطنياً بوجه عام، ولم ينتسب إلى أي حزب سياسي سوري إلا أنه كان يقف على مسافة، من كواليس الاتهامات المجانية في صراعات الأحزاب الداخلية أو ضد بعضها البعض.

كيف نفهم ضلوع المخابرات الأمريكية في اغتيال غسان جديد والمالكي وسعادة، والزعم بوجود علاقة لغسان جديد برموز حلف بغداد؟ يبدو ان الأستاذ "إبراهيم يموت" لم ينتبه إلى تناقضاته إذ مازال في مخزون ذاكرته عن الصراعات داخل الحزب السوري القومي الاجتماعي، صدى وصدأ للإشاعات والأقاويل التي كانت تردد في الغرف الخلفية في خمسينيات القرن الماضي.

لا يحتاج غسان جديد إلى شهادة من أحد، ولكن لابد من تأكيد حقيقة أن الأموات لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم، أما الأحياء فيفعلون، فمناقبية غسان جديد الوطنية فوق الشبهات، إذ يكفينا انه دفع ثمن وطنيته المتألقة بالعنفوان من دمه، وهو بعد في عز شبابه، حيث تم اغتياله في بيروت في 19 شباط 1957، وقبل يومين من هذا التاريخ قالت إذاعة إسرائيل. أي في السابع عشر من شباط، انه تم اغتيال غسان جديد في رأس بيروت. فهل نسيت ذاكرة الأستاذ إبراهيم يموت، دلالة هذا الخبر الذي نشرته بعض صحف بيروت الصادرة آنذاك؟!.