العدد السابع عشر - كانون الأول 2006

صدام الحضارات أم صدام جهالات ؟!

د. ماري شهرستان
الثلاثاء 19 كانون الأول (ديسمبر) 2006.
 

 نصائح منهجية

يصعب الخوض في مثل هذا الموضوع طالما أن العنوان يأخذنا بوضوح إلى نص وفكر كاتب, يستوجب منا تعريفه وتحليل مستواه في الجدل السياسي, من دون اللجوء إلى الشرح والكلام المسهب،.. والوقوع في حرب كلامية قد لا تستند إلى عناصر محددة. ينبغي إذاً أن يكون هناك توازن بين نقاش حول المحتوى وبين الموقف من النقد.

غالباً ما نوقشت فرضيات صموئيل هانتنغتون حول صدام الحضارات من دون أن تتم قراءتها بدقة، وهذا أمر يستحسن تجنبه في قراءتنا هذه. فمناقشة فكر الكاتب تستوجب منا استخراج النقاط الرئيسية من دون أن نسخر منها،.. أو نشوهها, ثم نبحث ونناقش في محتوى الكتاب: هل هو علمي؟ هل هو متماسك, وماذا عن فرضياته ومواقفه المنحازة؟ثم،إن تسلسل البحث ينبغي أن يتواكب مع تحليل وتعريف بأفكار الكاتب, وضرورة التعريف به وبمسيرته, وبالسياق الذي شهد ولادة عمله هذا.

صموئيل هانتنغتون, يعيد الحضارة ك "مفهوم" إلى قلب الجدل العام, وهو بذلك يُظهِّر كل الجدل الدائر حول مكانة الثقافة, والهوية في العلاقات الدولية. لكنّه يستخدم هذا "المفهوم" بأسلوب آخر، إذ يعطيه تعريفاً جيو سياسياً، بحيث تتحول أيّ"حضارة" إلى مدى إقليمي، تتخذ أحيانا هيئة منطقة نفوذ, وأحيانا أخرى مظهر مجموعة متجانسة دينية. هذا الأسلوب في مقاربة الحضارة ك "مفهوم" هو بالذات ما ينبغي مناقشته.

 

مقدمة

هل يسير العالم نحو نظام يشبه ما كان وصفه الجامعي الأمريكي صموئيل هانتغتون عام 1993 في مقالة له لمجلة "قضايا خارجية, Foreign Affairs" عندما نادى بـ"صدام الحضارات"؟ .. هذه الفكرة التي اضطر عام 1996 إلى شرحها ، ثم تطويرها في كتاب3, لتكون خلاصة لمآل النظام العالمي الجديد، وفي الوقت نفسه تحليلاً لطبيعة الصراعات  الدولية التي سيفرزها هذا النظام العالمي الجديد وقد نالت هذه الأطروحة الفكرية نجاحاً كبيراً وفرضت نفسها في الجدل العام،.. وبصورة خاصة في أذهان بعض صناع القرار, في الولايات المتحدة، على وجه الخصوص.

 

لقد حصلت عدة صراعات إقليمية - في البلقان أو في القوقاز مثلاً
-  بدت وكأنها تدعم فرضية صموئيل هانتغتون, إذ أعادت تصنيف الزعامات المنقسمة ظاهرياً وفق انتماءاتها الدينية والعرقية والطائفية المختلفة, كذلك، أعيد توصيف الصراعات الدائرة وفق هذا النسق الديني والاتني . وفوق ذلك, فإن هجمات
11 أيلول 2001 في الولايات المتحدة, قُرئت من قبل بعض المراقبين وكأنها طعنة من الإسلام ضد العالم الحر، حيث ردت عليها امريكا ومعها الغرب بـ"الحرب على الإرهاب", وبذلك اعتبرت وكأنها برهان نهائي على صحة هذه الصيغة.

 

غير إن هذه النظرية التشاؤمية تنطوي في ذاتها على العديد من السقطات الفكرية, وإضافة إلى نظرية خطرة قياساً لما استتبعها من أسلوب في تحليل الصراعات، ومن ذرائعية في تنفيذ السياسات الخارجية .

 

1- رؤية تشاؤمية شديدة الإبهام واللبس

 

في البدء نُصعَق بالطابع التشاؤمي لصموئيل هانتغنتون, الذي بدا في بعض أبحاثه الوثائقية ـ مثل كتابه في علم الاجتماع العسكري[3]ـ  صاحب نظريات محافظة،.. لابل متعصبة, بما فيها الفترة الحديثة. فمنذ 1993,تنبأ في مقالته, عن عدة تطورات, خطيرة, رأى أنها ستسم مجمل الصراعات القادمة. ورغم ذلك  فبقدر ما كانت الحرب الباردة مواجهة ذات طبيعة إيديولوجية, من أجل أهداف إقليمية , بقدر ما سوف تكون المواجهات المقبلة حروباً ثقافية قبل كل شيء, بمعنى أنها ستكون مجابهات بين حضارات متنافرة وغير قادرة على التعايش. لذلك, فإن صراعات القرن الواحد والعشرين ستكون بشكل ٍ أولي على حدود مناطق اتصال هذه الحضارات. يحدد صموئيل هانتغنتون منها سبعة أو ربما ثمانية أنساق حضارية:

- الحضارة الغربية،وهي تضم بشكل ٍ أساسي امريكا الشمالية وأوروبا الغربية, وربما يمكن إضافة اوستراليا ونيوزيلاندة .

- حضارة امريكا الجنوبية.

- حضارة سلافية - اورثوذوكسية.

- حضارة يابانية, وهندية, وحضارة كونفوشية, تعني الصين على وجه الخصوص,

 وحضارة إسلامية.

 ـ وأخيراً،.. "ربما" حضارة افريقية.

 

وأهم اهتمامات هنتغتون هي فكرة التحالف الممكن بين الصين والعالم الإسلامي الذي قد يبرز شديد الخطورة بالنسبة إلى الغرب, وهذا شأن طبيعي. جراء الانعزال المحتمل للغرب - الذي قد يُختَصر أحيانا بالتعبير "الغرب ضد الآخرين" “the West against the rest"
-  في إشارة ضمنية إلى خطورة الطابع الذاتي للإسلام, حيث يندد هانتغنتون بـ"الحدود الدامية". فيطالب الغرب بالتحالف مع الحضارات الأكثر قرباً - مثل حضارة امريكا الجنوبية - ضد هذا المحور الإسلامي - الكونفوشي, وان يدعم الدول - "المحورية" التي يجتازها هذا النسق - مثل تركيا (على سبيل المثال).

إن هذه الرؤية يحكمها الميل إلى جعل الطابع الفظائعي أساساً للطبيعة الإنسانية, ويحكمها الميل إلى جعل الصراع بين الثقافات أمراً حتمياً وبالتالي استحالة الحوار فيما بينها.

 

غير أننا نندهش من المقاربات العديدة لمثل هذه الفرضية, نسبة إلى مقدار طموحاتها.

إذ يجهد هانتغنتون، في الواقع، لإنتاج شبكة قراءة شبه نهائية للعلاقات الدولية ما بعد الحرب الباردة,وذلك انطلاقاً من خارطة للعالم غير مقنعة تماماً ،..خصوصاً أن مفهومه حول وجود بؤرة مركزية وحيدة للحضارة وحولها سبع دوائر حضارية هو كلام ملتبس وغير واقعي .

 

إن خارطة العالم كما يراها هنتغتون غير مقنعة، طالما أنها تجمّع بشكل ٍ تعسفي دولاً يمكن أن تظهر فيما بينها فروقات عديدة: مثل الاختلافات الفرنسية- الأمريكية خلال الحرب العراقية 2002 - 2003 , والهوة التي يمكن مشاهدتها أحيانا بين عدة أجزاء من أوروبا (الشمال والجنوب, الشرق والغرب, إلخ) وهذه أمثلة ترجح إثبات أن العالم تعددي أكثر مما يعتقده هانتغتون، فالتنافس، وحتى العداوات بين مختلف تجليات العالم الإسلامي, يثبت ذلك أيضا، وهذه الحالة المتنافرة أكدها العديد من الباحثين الأخصائيين(5)

 

ولكن، إذا كانت خارطة الحضارات المفترضة تقريبية, فإن خارطة الصراعات الناجمة عنها هي كذلك، إذ كيف نفسّر نشوء صراعات ليس في أسباب نشوئها أي دوافع "حضارية" مثل اجتياح الكويت من قبل العراق في 2 آب 1990؟

أين يكمن هنا الصراع بين الحضارتين ؟ إذا من اجل إغاثة شعوب كوسوفو المسلمة قصفت جيوش مسيحية - أمريكية وأوروبية - قطعات "مسيحية" أخرى - هذه المرة ـ كانت اورثودوكسية, لكنها صربية -؟ أين يضع هانتغتون مؤشره الفكري عند تحليل حالة الغرب التي تشكل بالنسبة إليه "حضارة" بينما يتبدى الغرب في حالات متحالفة يعزز مفهوم أن- الحضارة الغربية متماثلة مع الـ"OTAN"
-  ثم يستعمل المؤشر ذاته لتوصيف كتلة متشكلة من حدود جغرافية طبيعية (امريكا الجنوبية), وأيضاً، ومن جهة أخرى، لوصف ديانة (الإسلام), وأحيانا لاعتبار بلد فريد (اليابان) معياراً لنسق حضاري؟

 

إن هذه الحدود غير المنسجمة في معيار منطقي موحد، تجعل السقف العقلاني لفكرة هانتغتون منخفضاً. فمثل هذا الفكر يصير ذات طابع فظائعي يحمل خطورة كبيرة مؤثرة بقدر ما يستلهمه أصحاب القرار السياسي في عملهم.

 

2- تحليل صراعات وفق السياسة الخارجية لدولة ما

 

عندما يؤكد هنتغتون أن الصراعات هي بالضرورة حضارية - وبالتالي ثقافية - وإنها محتومة ولا يمكن تجنبها وغير قابلة للحل,.. وأن على الغرب أن يعدّ لها بتحالفات تهدف إلى عزل بعض الحضارات, فإن صموئيل هانتغتون يساهم بذلك, في تعمية القراءة الفكرية الغربية لصورة وحال العالم الحالي.

 

ˇ  ناولا, تبدو هذه القواعد الفكرية قديمة: إنها أطروحة منظِّر الحرب الباردة الذي يبذل جهداً لتثبيت منطق الحرب الباردة على العالم الحالي. والولايات المتحدة ـ التي تبحث عن عدو جديد وبرؤية بسيطةـ قد بدلت بكل بساطة العدو السوفييتي بالعدو الإسلامي - الكونفوشي, الذي ترفعه إلى مصاف "امبرطورية الشر" الجديدة،.. وقد نتج عن ذلك عدة اختلاطات: رؤية العالم الراهن وكأنه في صراع مع حرب باردة جديدة, وهذا يقتضي تصويرالإسلام وكأنه حلف وارسو جديد، وتصوير القاعدة بمثابة اتحاد سوفييتي جديد، أو أن أسامة بن لادن هو ستالين جديد, وهذه الأطروحة الافتراضية تنطوي على غموض كبير يعيق إدراك الظواهر الجديدة التي قد تتطلب تحليلاً اكثر دقة ونباهة. فالإرهاب عندما يُنظر إليه على أنه فاعل أحادي متراص أكثر مما هو طريقة ودينامية اجتماعية, سيتخذ بالتأكيد, سمات اكثر بساطة، لكنها بعيدة عن الواقع بشكل ٍ جذري.

ˇ  ثم, "صدام الحضارات" يميل إلى تشجيع القراءة الثقافية المجردة من التسييس, لصراعات هي في الحقيقة أكثر تعقيداً بكثير: إذا كان الكوسوفييون يقاتلون ضد الصرب, فوفق هانتغتون تحدت هذه الحرب لأن البعض مسلمون والآخرين مسيحييون, ولأنهم يتقاتلون كردة فعل وراثية, الأمر الذي يودي بهم إلى طريق مسدود. إن هذه الرؤية, عدا عن إفراطها في التبسيط, ستؤدي إلى التمايز انطلاقاً من القراءات اللغوية، في حين ينبغي إيجاد التمايز المقيم في الملامح السياسية، لأن العديد من الصراعات الحالية ذات منشأ سياسي, وهي تبدأ من حالة عدم المساواة بين الجماعتين الدينيتين في الوصول إلى الثروات، وتكتمل في حالة عدم التوازن العشائري على راس السلطة, مروراً بتلاعبات الملتزمين المحليين، مثل سلوبودان ميلوزوفيتش، الذين لم يثيروا إشكالية التمايز الثقافي إلا لتدعيم موقع قيادتهم السياسية.

ˇ  وأخيرا, إن الإصرار على الطابع الحتمي، وغير القابل للحل لهذا النمط من الصراع، يؤدي إلى نمطين من الحلول الممكنة. إما الانفصال النهائي للشعوب, وفق مخططات تقاسمية مشبوهة, حيث أدت في فلسطين، كما في البوسنا, إلى النتائج التي نعرفها, وإما قرار النضال بالقوة ضد "الآخر" حتى الوصول للغلبة بدل البحث عن سبل التعايش مع هذا الآخر كما في حالة الشيشان. إذاً لم يجب هانتغنتون بنفسه وبوضوح على الشطط الذي ذكرناه أعلاه, ولذلك مقاربته لا تستوفي شروطها الموضوعية، أما غاياتها السياسية وتبدو لنا أبعد من محتواها الفكري, بل أبعد من التوظيف الذرائعي الذي نجده عند صناع القرار السياسي المستندين إلى فرضية هانتغتون. إن الفضح والتنديد بالآخر، حتى لو كان مبنياً على قواعد جسورة جداً, يشارك في صناعة منطق حرب، ويؤخذ كما هو من قِبَل الفاعلين المعنيين الذين سوف يشددون من خطابهم نتيجة لذلك. هنا نجد آلية تفاعلية حتمية تسم بشكل خاص ما يستحسن تسميته بـ"النبوءة المتحققة ذاتياً". 

 

 إنّ القول سلفاً بأن "الإسلام هو العدو", ولو كان هذا القول ينطلق من قواعد مبتورة وناقصة, سيؤدي إلى إثارة العالم الإسلامي وتعاظم ردود فعله في دوامة لولبية تنتهي بجعل فرضية "صراع الحضارات" تبدو وكأنها صحيحة رغم أنها فرضية تبسيطية. فالنظر إلى العالم الإسلامي انطلاقاً من ردود فعله, يؤدي بنا إلى عدم فهمه، و يؤكد على ذلك "غسان سلامة"[4], خصوصاً عندما تُلهِم نظرية هانتغنتون السياسة الخارجية الأمريكية. ففي الوقت نفسه الذي كانت فيه الولايات المتحدة تتدخل عسكرياً في أفغانستان, اختار الرئيس الأمريكي بوش في خطابه أن يندد بإيران على أنها احد أعضاء "محور الشر" - ضاماً إليها العراق وكوريا الشمالية - فقطع بذلك أي إمكانية تقارب مع الدولة الإيرانية، رغم أنه كان يشاركها في مصلحة رؤية طالبان وهو يغادر كابول. فمعاملة دولة على أنها عدوة والاعتقاد بأننا يمكن أن نقوم بتحالفات ضدها وحتى أن نتهيأ لعملية عسكرية ضدها, هذا معناه أن نقع في فخ "عجز القوة"[5] وعدم رؤية حقيقة أننا لا يمكن أن نقاتل بالقوة العسكرية مقاومة اجتماعية, كنا قد ساهمنا فوق كل ذلك, بدعمها: إن خيبات الولايات المتحدة في العراق تبرز هذه النقطة بشكل ٍ مأساوي.

 

 

إن الصيغة التي نشرها للشعب صموئيل هانتغتون حول "صدام الحضارات" كان من الممكن أن تكون لها ميزة البساطة لو لم تنطوِ على عيوب التبسيط، خصوصاً عندما تم تناولها من قبل بعض الباحثين الاستراتيجيين, لقد أدينت هذه الفرضية بشكل ٍ واضح وجرى رفضها والتنديد بها بشكل ٍ ضمني من قبل بعض رؤساء دول (فرنسا على الأخص) على أنها فرضية تؤدي إلى إنتاج "صراع جهالات".وهنا توضع مصداقيتها على المحك: هل هذه النظرية مُعدَّة للإضاءة على فهم العالم, أو هي نظرية موضوعة لتبرير أدوار صراعية جديدة؟

إن وجود مثل هذا الشك أمرٍ كاف ٍ للتساؤل حول مدى شرعيتها العلمية. 

   فريديريك شاريّون[2]

ترجمة الدكتورة ماري شهرستان

 


 

[1]  المجلة الفرنسية: مسائل دولية" العدد رقم 21  أيلول - تشرين الأول 2006, صفحة 118 إلى 121.

Questions internationales

[2]  أستاذ العلوم السياسية في جامعة كليرمون 1 وفي معهد الدراسات السياسية في باريس. Frédéric Charillon

[3]  في كتابه: من نحن؟ "تحديات الهوية القومية الأمريكية -

Who Are We? The Challenges to America`s National Identity2004) Simon & Schuster, New York)

يحذر الولايات المتحدة من خطر ديمغرافي لاتيني.

[4]  غسان سلامة, "عندما تعيد امريكا بناء العالم" Quand l`Amerique refait le monde, Fayard, Paris, 2005.

[5]  بيرتران بادي, "عجز القوة" بحث حول "الشكوك والامال في العلاقات الدولية الجديدة" فايار, باريس 2004.