العدد السابع عشر - كانون الأول 2006

مسؤولية التاريخ

نذير الحموي
الثلاثاء 19 كانون الأول (ديسمبر) 2006.
 

الأمة التي لا جذور لها تجرفها حركة الحياة إلى حافة النسيان لتخرج من مشهد المستقبل، ومهما كان وقع وجودها فأنها آيلة إلى احتمال الزوال لأن البناء بلا أسس تعصفه الرياح ولو بعد حين.

وأمتنا جذورها ضاربة في عمق التاريخ حتى كاد يُعرّف التاريخ بها. وإضافة إلى الذات المسيحي الذي أشع على العالم من أرضنا فإن تاريخنا حمل مفصلاً هاماً جديداً مرتبطاً بتاريخ الدعوة الإسلامية. التي شكلت إضافة قيمة روحية إلى تراثنا الحضاري ونقطة تحول في تاريخ أمتنا ومحيطها. فالإسلام، منطلقاً من دمشق، لم يعد مجرد دين ينظم علاقة الفرد بالغيب وعلى أهمية ذلك، أصبح إطارا لمؤسسات ذات بعد إمبراطوري تتولى تنظيم علاقات الأفراد بعضهم ببعض وهكذا احتل الإسلام وظيفة مدنية في الدنيا، وهذا الانحياز كان الخميرة التي أبدعت شجرة الحضارة الإسلامية التي أنارت آنذاك على أفاق العالم جميعها. 

ولكن، بسبب ارتباط تلك الحقبة بعظمة الإسلام كحضارة فإن المحطات الكبرى اكتسبت، بأشخاصها، قدسية معنوية وتكرست هذه القدسية في السلوكيات نتيجة لارتباط الدين بالسياسة عبر مراحل لاحقة في تاريخنا الإسلامي، وهذا الأمر برمّته أفض إلى مسألتين:

1 ـ إهمال حقيقة تاريخنا ما قبل الإسلام لدرجة انعدام المعرفة به.

2 ـ اعتبار الفتح الإسلامي بداية تاريخنا ومرجعيته،.. واستلهام محطات الماضي الديني لتصبح طريقاً إلى المستقبل(!!).

ما من أحد، عدا الاختصاصيين وبعض المهتمين بالمعرفة، يستطيع تحديد معالمنا التاريخية القديمة بكامل وضوحها، ولو عدنا بالذاكرة إلى ما تلقيناه من علوم مدرسية عن تاريخنا ماقبل الإسلام لاختزلت بأقل من عشرة سطور، وما علق منها بالذاكرة ليس سوى بقايا كلمات هي أساساً لبقايا لا تثير الانتباه،.. ولم يكن الالتفات إليها متاحا،ً بل محارباً. وقد رأى أحد رجال الدين أن الاعتزاز بما هو قبل الإسلام ليس أكثر من أسلوب لتمجيد الأوثان، وهكذا يصبح تاريخ الإنسانية في العقل الديني محكوماً بمعيارين فهو إمّا مجرد إيمان أو كفر. وفي هذا العقل المصنّم في موقف إيماني لا أهمية لكيفية نشوء المجتمعات ولا عواملها ولا مقوماتها، ولا مكان للعلوم الحديثة التي تختص بمسألة تطوّر المجتمعات وقوانين ارتقائها أو انحطاطها ومعرفة كيف تتبلور الشخصية الاجتماعية العامة، ففي العقل الأحادي المشحون بعصبية دينية تصبح هذه العلوم " غير مشكورة " ولكن، لولا علم منهج البحث التاريخي وعلم الاجتماع ودراسة الآثار الإنسانية إلى جانب أصول كل العلوم لما تطوّرت وتكاملت كل ضروب العلوم الأخرى بها فيها علوم الشريعة والدين.

إن قوانين نشوء المجتمعات وخصوصيات تكوينها يرتبط ارتباطاً وثيقاً بفهم الظواهر الإنسانية وأسباب تنوعها وتعدد هوياتها الثقافية والحضارية وميزاتها التي تعرّف بها، فهنالك، لكل أمة لحظة تاريخية يمكن فيها أن ترصد الأثر العميق لخصوصية تفاعل الجماعة البشرية مع بيئتها الطبيعية، مادياً وروحياً، وكل ما يأتي بعد ذلك ليس أكثر من سياق تطوّري إن حدث أخذ به وإلا فهو آخذ بغيره. ومن هذه المسائل التي تطرأ على المجتمع مسألة الدين فهي حادث متبدل متغيّر، وكم من المجتمعات التي اعتنقت ديناً بديلاً عن دين سابق أكان ذلك قسراً أم اختياراً. وما ينطبق على الدين ينطبق على اللغة.

 ولو استعرض أي منا تاريخ بلاده لوجد أنها مرّت بلغات وأديان عدة، لكن الإنسان بقي موجوداً مستمراً واعتناق أمتنا الإسلام (رغم اعتزازنا الروحي بفضائله ) لا يلغي الحقائق الوجودية المتجددة في التاريخ فالديانات السماوية بعض من الكنز الروحي الحضاري لإنساننا لكن الهوية تتسع لتشمل سياقاً حضارياً أوسع في التاريخ وهي تستند إلى مخزون حضاري سابق للفتح الإسلامي ولا حق له، ومن حق كل أمة أن تقف على جذورها التاريخية، ليس لتمجيد الماضي، بل لأن في الشخصية الحضارية لكل أمة ليست شيئاً قابلاً للاقتصاد أو التزييف، أو الطمس.. وقد عمل اليهود جاهدين على تشويه هذه الهوية ففي حين يحرصون على إبراز تاريخهم بديلاً لتاريخنا القديم يعمل البعض على مساعدتهم من خلال الإصرار على أن تاريخنا بدأ مع ظهور الإسلام وفتوحاته .

 إن مجتمعنا هو حاصل تلاقي وتلاقح أجيال متعاقبة منذ وجود الإنسان على أرضنا،..أما التنوع الأثني والثقافي فقد أدى تفاعله إلى الغنى الحضاري اكتسب هذا التفاعل الحيوي في كل مرحلة سمات هي درجة في سلم الرقي البشري أما التمازج بين الأقوام المستقرة والوافدة فقد أنتج مركباً حضارياً جديداً. نجد بصماته في دورة الحياة الاقتصادية الاجتماعية التي تطورت عبر التاريخ إلى أن كافة حاضرات الأمة ومراكزها الحضارية، وأسست أعرق حضارة عمران في التاريخ القديم، أشعت على أمم الأرض على مدى قرون عديدة. إن الاتحاد في الحياة الثقافية الاقتصادية الروحية على مر العصور، وكانت حيويته المتفاعلة مع الإسلام بالثقافة والمدنية وراء قيام إمبراطورية كبرى امتدت من الهند شرقاً إلى شمال إفريقيا والأندلس غرباً بالنتيجة نحن مجتمع واحد مهما تنوعت فيه الاتنيات والأديان واللهجات. وهويتنا وانتماؤنا للأرض ومدنيتها هو أحد تعبيرات هذه الهوية الحضارية الجامعة إن ما استعرضناه ليس قراءة تاريخية، لكنه معرفة ضرورية لتحديد من نحن اليوم.والمهم أننا بحاجة إلى إعطاء هذه المرحلة من تاريخنا حقها في المعارف التربوية وفي الفن والأدب ، استكمالاً لصورة الأمة سابقاً وراهناً وإعادة الاعتبار لها وتعميمها بالقدر الذي يضمن تكامل تاريخ الأمة في كل مراحلها التاريخية. سواء قبل الإسلام أو بعده لأن هذا التكامل شرط التحديد غنى المخزون الحضاري والروحي لمجتمعنا.

نعود للمرحلة الأكثر جدلاً وهي المرحلة الإسلامية. وقد اتسمت بكثير من المبالغة في تصوير شخوصها وحوادثنا ما أدى إلى حالة من الانغماس في الماضي حتى أصبحت الماضوية السلفية سمة في شعبنا وعلى هذه السلفية تأسست نظرة عصبوية غير قادرة على الانسجام مع روح العصر لدرجة أن أصحابها يحملون الآخر المختلف مسؤولية المأسي وهم يرون أن العصر الذهبي للأمة مقيم في أدبيات الفقهاء وفي السلف وسير الأجداد ويعتبرون أن عدم تمثلهم بما كان عليه أصحاب السير الأولى هو سبب الهزائم وعائق أمام التطور(!!) وأهل السلفية يجتهدون في تحذير العقول وإيهامها بأن التاريخ سيعيد نفسه وينتج أبطالاً يعيدون المجد السالف حتى أفاد أحدهم لأتباعه: لا تقلقوا العالم كله في خدمتنا، والحضارة الغربية تعمل في خدمتنا فهم مسخرون بأمر الله لنا... ينتجون الحداثة ونحن نأخذها جاهزة ونوظفها لاستعادة المجد الغابر والانتصارات التي حفلت بها الفتوحات الأولى(!!). وكانت نتائج هذه التراكمات كلها إنتاج مجموعات مشوهة العقول والأفعال تأتي العصبيات السلفية التكفيرية أوضح مثال عليها ولا ندري ماذا سينتجه المستقبل إذا لم يتم محاكمة هذا التاريخ والوقوف عند حقائقه ونبذ الغلو وإخراجه من دائرة القداسة المفترضة وإخراج شخوصه من مقابر العظماء، ووضعهم كلٌّ حيث وقفت مرتبته.

إن الأمم التي لا تكون صادقة في التعامل مع تاريخها لا تستطيع أن تتلمس طريقها إلى الغد الأفضل،.. لأن الكذب على النفس يقتل البصيرة، ويطفئ النور في دروب المستقبل.

إن عدم دراسة تاريخنا القومي بكامل أحقابه ومحطاته يؤدي إلى طمس حقبة على حساب حقبة أخرى انطلاقاً من نظرة متعصبة وهذا يؤدي إلى نتائج سيئة لا تلبث أن تصبح بدورها أسباباً سلبية تلازم حياة الشعوب، بما ينتج تباعا ًنتائج أكثر سوء. ولو استعرضنا هذه الأمور لوجدنا ما يلي:

1 ـ خلط الهوية الدينية بالهوية القومية.

2 ـ ضياع الهوية القومية.

3 ـ عدم وضوح الحق القومي.

أما النتيجة الأولى فإنها تؤدي إلى:

1 ـ إنهاء خصوصية الشخصية القومية وتمزيقها.

2 ـ إنتاج حالات من التناقض بين الدين كرسالة لتشريف الحياة وبين القومية التي هي مركب ذات ميزات زمنية نجد تعبيراتها في الثقافة والسياسة والمصالح والحقوق .

3 ـ نشوء نزاعات داخلية تفتت المجتمع وتعطيل حيويته جراء التناقضات التي تبدد عصبية الإخاء القومي إلى عصبيات صغيرة طائفية وإتنية .

والنتيجة الثانية تؤدي إلى:

1 ـ خلط الحق القومي بغيره تحت عبارة الدين الذي لا وطن له ولا أرض.

2 ـ الدخول في نزاعات لا تخدم الحق القومي.

فإذا أخذنا الأمور بالبحث والتدقيق نجد أن نتائج خطيرة قد تترتب على مستقبل الأجيال.

ـ خلط الهوية الدينية بالهوية القومية:

إن الشعوب الآخذة في سلم التطوّر والرقي سعت أول ما سعت إلى توحيد وجهة أبناء شعبها عن طريق فصل انتمائهم عن انتماء الآخرين، وهذا أول درجات امتلاك الهوية القومية التي تحدد بخصائصها معالم الحاضر لأي أمة وترسم مستقبلها. والهوية القومية تعني تلازم الواقع الجغرافي للأمة والواقع الاجتماعي. فمتى اتضح هذان الواقعان وثبتت جهة وحدتهما بالنسبة لشعب ما ثبتت قيمتهما إنسانياً ليتم تبنّي هذين الأمرين فيصبحا هوية خاصة لأمة تحمل اسمها أرضاً وشعباً، ويكون الرابط جغرافياً بسوار اجتماعي، واجتماعياً بسوار جغرافي. انطلاقاً من هذه القاعدة الأتنروبيولوجية اكتسبت الأمم هوياتها من تفاعلها مع أرضها (أي بيئاتها الطبيعية) وأضفت صفاتها الاجتماعية العامة مدى وحدتها، وحددت ورسمت شخصيتها العامة الناتجة من تفاعل اجتماعي نشط مع وحدة جغرافية قدمت إمكانية التطوّر والتحديث إبّان عصر الإمبراطوريات أمام خيارين فحيث نمت الشخصية القومية كان هناك مواطنون على درجات وكان حق المستعمر وحق المستعمَر وخير دليل على ذلك الاستعمار الفينيقي. ليأتي الاستعمار الروماني مستفيداً من أخطاء من سبقهم وليدخلوا البلاد المستعمرة في دائرة حقوق المواطنة. لتأتي بعدها الدعوات الدينية التي اجتاحت الشعوب لتنشئ دولاً كبرى على قاعدة الدين ولتتحول الحقوق إلى حقوق مؤمنين مهما تباعدت أصقاع الدولة واختلفت أقاليمها وشعوبها.

حدث ذلك مع اجتياح الديانة المسيحية أولاً ثم الديانة الإسلامية مع تنامي الشعور القومي لدى الشعوب بدأت تناضل للانعتاق إن من سلطة الكنيسة أو من سلطة الخلافة فنجحت شعوب وأخفقت شعوب العالم العربي تحديداً. بذلك ضاعت الهوية القومية وتماهت ضمن الهوية الدينية إلى حدود الذوبان الكامل أحياناً.

ـ على ذلك نرى أن الشخصية القومية للشعوب العربية تنوب عنها الشخصية الدينية عندما يكون الموقف يتطلب خطاباً دينياً والعكس بالعكس، وهنالك تيارات دينية تدافع بطبيعة الحال عن الشخصية القومية بقدر ما هنالك من تيارات أخرى تناقضها. وكذلك هنالك رجال سياسة يهاجمون النزاعات الدينية ليعودوا ويتبنوها في محطات أخرى (!!) فالشخصية القومية تنطوي، إضافة لما هو ديني، على ما هو وطني. فإذا وقع الخلاف بين المصلحتين الدينية والقومية انشق الخطاب الديني كما ينشق الخطاب السياسي ويتحول المجتمع نتيجة ذلك إلى كتل تائهة بين مصلحة عامة ومصالح خاصة يستفيد منها تجار الصراعات، فيبنون أمجاداً على حساب الطرفين. وينشأ النزاع وتكال التهم على قاعدة ذلك التضارب، وهذا الأمر قائم في العالم العربي منذ أواخر القرن التاسع عشر حيث بدأت نوازع الانفصال عن جسم الخلافة العثمانية وقد تواكب ذلك مع ظهور الحركات الدينية، لاسيما المسلّحة منها ولم يزل هذا الواقع قائماً.

ـ ضياع الهوية القومية: أدى إلى شلّ العصبية القومية، ولم يعد لدى الشعوب العربية ذات الحماس الموجود لدى غيرها تجاه قضاياها القومية بل نجد تراخياً إلى حد اللامبالاة، مما دفع بالنخب من العالم العربي لبحث أسباب ذلك ودراسة نتائجه، فكانت العلوم تتجه إلى وجود هويات عربية وليس هوية واحدة. لكن الظروف السياسية فرضت هوية واحدة عوضاً عن الهوية الدينية. ولعدم صحة هذه الهوية وعدم الدقة في تحديدها اختلطت كما أسلفنا بالهوية الدينية لتنوبا عن بعضهما. في ظل ذلك برزت الهويات الصغيرة العائدة لاثنيات انضوت تحت الهوية الدينية سابقا،ً لتطالب بوجودها وتدافع عنه متمثلاً في الهوية العربية الواحدة. وكذلك ظهرت هويات دينية غير إسلامية تدافع عن وجودها لحظة بروز الهوية الإسلامية ودخلت الدول والشعوب العربية في صراعات داخلية لا زالت مستمرة بين إسلام ومسيحية من جهة، وبين عربية وكردية أو أمازيغية أو قبطية وبين آشورية وكردية. إلى آخر سلسلة هذه الصراعات الناتجة عن عدم تحديد هوية ثقافية جامعة على قاعدة إنسانية تجعل من الاختلافات منطلقاً للتفاعل الذي يعطي الغنى لا الصراع. وكان من نتائج ذلك ذهاب أصحاب هذه الهويات إلى اتجاهات خارجية، ليجد كل فريق حضناً يتبناه على حساب الآخر مدفوعاً بمصالحه الخصوصية الضيقة أما الغائب الوحيد عن مصالحه فهو العالم العربي بأممه الأربعة.

بهذا ضاعت الحقوق القومية وأصبحت مشاعاً لأصحاب المصالح من الدول الكبرى فترتب على ضياع الحق القومي ما يلي:

ـ لقد أصبح التفريط بالحق القومي جزءاً من فلسفة ضياع الهوية، فعلى سبيل المثال كان سلخ لواء اسكندرون وأجزاء من سوريا الشمالية مبرراً عند رئيس الوزراء آنذاك بقوله: نحن وتركيا بلدان مسلمان والقضية أن يداً أفرغت لأختها. وكان التخلّي عن أجزاء من العراق تحت ضغط الإنكليز وتمشياً مع مصالحهم مع إيران ثم منح الأكراد حكماً ذاتياً واستيلاء إسبانيا على أجزاء من المغرب كذلك مطالبة الصحراويين بدولة مستقلة وذهاب البعض بالمناداة بالأمة الفينيقية، والكل يعترف " بالهوية العربية " والرسالة الإسلامية وينادي بهما، فأين الخلل والكل عضو في الجامعة العربية والمؤتمر الإسلامي ومنظمة دول عدم الانحياز عدا المنظمات الدولية الأخرى ؟! أين الخلل والكل يتبارى في الدفاع عن الحقوق العربية والإسلامية، والحقيقة أن غياب التحديد الدقيق للهوية هو السبب فقد أثبتت الوقائع التاريخية أن الهوية العربية الشاملة معطى رومانسي لم يتحقق طوال القرن الماضي وبات من العسير بلورة هذه الهوية في بعدها العملي الجامع كذلك ليست الهوية الدينية مسيحية أو إسلامية قادرة على التعبير عن تلك المصالح، بل كانت مدعاة للتفريط بالحقوق القومية لأمم العالم العربي من ناحية، ومن ناحية أخرى أدخلت حقوق هذه الأمم ومصالحها مع حقوق ومصالح شعوبنا مما أتاح للقوى الدولية الطامعة في حقوقنا أن تحيلنا إلى ما وصلنا إليه من ضعف وتشرذم وتناقض وهذا واضح جلي في الأزمة الأخيرة بين لبنان وسورية وسابقاً بين سورية والعراق. وبين سورية والأردن وكذلك بين لبنان والفلسطينيين وبينهم وبين الأردن. وظهرت تحت يافظة الدين النزاعات الداخلية وأدخل العرب في نزاعات بين الأفغان والسوفييت ثم بينهم وبين الأمريكان لتصبح شعوب العالم العربي كلها في خانة الإرهاب، ومن جديد تتكالب قوى المصالح الكبرى لإضاعة حقوقنا القومية معتبرة كل بادرة قوة ومقاومة مجرد إرهاب دولي ه وتستجمع هذه القوى من حولها شعوب الأرض لتعلن أننا لسنا أصحاب حق بل عشاق دم وإرهاب، ولننجر وراءها كشعوب، وهيئات رسمية وشعبية إلى فخ نصبته لنا تحت شعار صراع الحضارات وحوار الشرق والغرب، تحت شعار تطوير العالم العربي وتحديثه وتعميم شرعة الحضارة فيه علماً أننا من صدّر للغرب بواكير العلوم وأساس الحضارة بدءاً من أوروبا مروراً بالثقافة المسيحية وصولاً إلى منحهم العلوم والفلسفة الحياتية. إن المسألة ليست مسألة صراع أديان ولا صراع ثقافات فالثقافة والأديان والحضارات هي ناتج بشري إنساني تساهم فيه كل أمة بدورها في زمان ومكان معينين، والتواصل بين الحضارات هو تواصل معرضي مبني على التفاعل والتثاقف وتبادل المعرفة. فثقافة الغرب اليوم ليست حالة فريدة أنتجتها العقلية الغربية، ولو كانت كذلك لكانت متحجرة وذات لون واحد متقوقعة شأنها شأن السلالات البشرية ذات الدم الواحد، فالحضارة والثقافة نتاج تلاقح معرفي استمر آلاف السنين وهذا التلاقح هو وراء قيام ثقافات وحضارات فلا يمكن للغرب الادعاء بخصوصية ثقافته وتجردها عن أصولها التاريخية. بل هي حضارة إنسانية لكل دوره فيها.

على ذلك يظهر فساد الدعوة لحوار الحضارات والثقافات والأديان، والمسألة المطروحة أمامنا لإثبات ذلك هو وضع أنفسنا تحت المجهر، مبتدئين بجذورنا وتأصيلها ودراسة إنتاجها والأخذ بالصحيح ونبذ السقيم لنستطيع تصحيح تاريخنا على قاعدة العلم، وبالتالي معرفة أسباب تأخرنا والتخطيط لمستقبلنا. وهذا ينطلق من قاعدة تحديد من نحن ذات قضية كابناء حضارة وليس كجماعات متنافرة متناقضة، وتغليب هذه النحن الاجتماعية على النحن التجميعية.