العدد السابع عشر - كانون الأول 2006

اختبارات الاستراتيجية الإسرائيلية في فلسطين ولبنان (2ـ3)

محمود حيدر
الثلاثاء 19 كانون الأول (ديسمبر) 2006.
 

نهاية أطروحة الاحتلال

اضطراب الهوية الجغرافية

عند كل فاصلة يشعر الإسرائيليون أنهم بإزاء قضية تتعلق بأمنهم القومي، يظهر الكلام الأيديولوجي كتمثيل فعلي لهذا الشعور. تصح هذه القاعدة على مسرى النقاش الذي احتدم بين النخب الإسرائيلية حول الانسحاب من غزة، وإزالة المستوطنات اليهودية من أراضي الضفة الغربية، موضوع التفاوض. لكنّ النقاش حول هذه النقطة لا يتوقف على السطح السياسي والأمني، بل هو يأخذ بالهبوط إلى القاع الأيديولوجي على شكل عبور متدرِّج ومعقَّد في تراتبية الفكر الاستراتيجي الإسرائيلي. ذلك أن أطروحة الانسحاب في سياق هذا التفكير إنما هي أطروحة أيديولوجية بامتياز. وهي تعني، فيما تعني، مفارقة حيال جغرافية جرى التعامل معها لأحقاب طويلة، إما بوصفها أجزاء مستعادة من أرض إسرائيل الكبرى، أو أنها أحزمة استراتيجية ضرورية لأمن إسرائيل العظمى.

الحادث السياسي الإسرائيلي اليوم ليس إذاً، حادثاً عادياً. إنه يتخذ ، في عمقه، دلالة "أنطولوجية" تتصل بوصال وثيق بهوية إسرائيل ووجودها. ومن يعاين حراك الأيديولوجيا الإسرائيلية حيال أطروحة الانسحاب، سيجد نفسه محمولاً على استعادة كلمات ذات مغزى للمفكر وعالم الاجتماع الإسرائيلي يوسف أورن: (عندما توجد جماعة بأكملها في حالة من الحيرة تجاه موضوع الهوية، فإنها تشير بذلك إلى أن هنالك أسباباً مختلفة قد شوَّشت عمليات تلقِّي إرث الشيفرة "الرموز" بالنسبة إلى علاقات الأجيال ضمن إطارها. وإذا ما توصلت هذه الحيرة وأصبحت بمنزلة سمة مميزة لعدد من الأجيال على التوالي، فهذا دليل قاطع على أن هنالك خطراً داهماً يهدد هذه الجماعة، وهو خطر التفكك. إذ أن هذه الحيرة تجاه الهوية تعتبر من العلامات الواضحة على أن الجماعة لم تنجح في أن تحافظ على تواصل أبنائها بها. ومن هنا ـ يضيف البروفسور أورن ـ فإنه من الأمور المصيرية للغاية بالنسبة إلى تلك الجماعة، أن تقوم في الوقت المناسب بإجراء استيضاح عن ماهية هذه الحيرة التي تسود أبناءها حول مسألة الهوية. وهذا الاستيضاح الثاقب والجدي هو الذي من شأنه أن ينقذ الجماعة من التفكك قبل فوات الأوان، إذ أن نتائجه يمكن أن تعيد لأعضاء الجماعة الإيمان بمركبات "الشيفرة" بكاملها، أو أنها تشير إلى تلك المركبات المنفصلة في الشيفرة التي قد تكون في حاجة إلى تحديث وملاءمة مع ظروف العصر.( 1)

كيف تبدو الهوية الجغرافية ل "دولة إسرائيل" ؟ وما هي صورة الحدود التي يرسمها الفكر "الإسرائيلي" عن كيانه؟ وهل ثمة حدود وهوية جيوبوليتيكية ثابتة للدولة اليهودية؟

لا كلام في "إسرائيل" على ما يسمى بالثوابت. أما الهوية التي تعدّ ذروة هذه الثوابت فيروح الإسرائيليون يجتنبون الكلام عليها كما لو كانت الباب المفتوح على الهلع. ذلك أن تعيين الصورة الواضحة للكيان الإسرائيلي يفترض الكشف عن ماهيات الدستور، والحدود الجغرافية، والخريطة السكانية، والأمداء الحيوية لما يُسمَّى بـ"الأمن القومي". وهذا أمر يبدو كشفه مستحيلاً ما دام كل مجال من هذه المجالات مسكوتاً عنه أو موقوتاً، أو هو في طور التكوين.

وإذا كانت الظواهر السياسية التاريخية تقرأ عادة من خلال بواعثها وأسبابها، فغالباً ما ينعطف الفكر السياسي الإسرائيلي ليحيد عن مواجهة مثل هذه القضايا. وتلك واحدة من أكثر المفارقات احتداماً، حيث يحرص الإسرائيليون على المحافظة عليها سحابة أكثر من نصف قرن. وهذا إن دلَّ على أمر، فهو يدل على التوتر المتمادي في الزمن الذي تعيشه القيادات الإسرائيلية بمختلف تياراتها الأيديولوجية، والسياسية، والأمنية. لقد كان ناحوم غولدمان شغوفاً بأطروحته الشهيرة التي ترى "أن عدم اليقين هو حالة إسرائيلية دائمة،.. وأن "إسرائيل" هي الدولة الوحيدة بين الدول التي ظهرت في الأعوام الخمسين المنصرمة، ولا تستمد وجودها من الحقيقة، بل من الفكرة.. ولا كذلك من الوضع الواقعي، وإنما من أمل اليهود وإيمانهم"..

أطروحة غولدمان هذه لا تزال إلى اليوم تقيم المفارقة المحيِّرة بين الجغرافيا ككينونة واقعية سياسية لدولة "إسرائيل" وبين الأيديولوجيا الصهيونية. ومنذ ما قبل قيام الدولة كان السجال بين النخب اليهودية ينبسط على المساحة التي تفصل بين شقَّي هذه المفارقة. فالرغبة الصهيونية بتوطين اليهود في فلسطين تلازمت مع رغبة موازية تقول بوجوب عدم الإغلاق على الفكرة اللاَّمتناهية للوطن اليهودي الموعود. ولقد جاء مبدأ ما سمي بـ"حرب الاستقلال" ليؤدي هذه الوظيفة، وليقيم التوازن المفترض بين هاتين الرغبتين. لذا لم يكن هناك تعريف سياسي للأهداف الإقليمية الجغرافية التي تطلعت للانتصارات العسكرية في أثناء الحرب. وعلى الرغم من هذا، فإن الأهمية القصوى التي أولاها القادة الإسرائيليون للقدس مثلاً، لعبت دوراً حاسماً في خلال المعارك القاسية التي دارت للإستيلاء عليها. ولا شك في أن العامل الجيو ـ سياسي هو الذي حفَّز أصحاب القرار على الإسراع باحتلال إيلات كبوابة هامة توصل إلى البحر الأحمر وإلى الجنوب. وهكذا لم تتحدد حدود الانتداب في "أرض إسرائيل" وفقاً للمفهوم الصهيوني، بل طبقاً لمجموعة اعتبارات سياسية دولية. فمنذ عام 1923 وصاعداً سوف تهتم كل مشاريع التقسيم بتقسيم كل ما يُسمَّى بـ"أرض إسرائيل" الغربية. وقبل ذلك بسنوات كانت الجغرافيا السياسية الانتدابية تحددها حكومة الاستعمار البريطاني في فلسطين،.. فقد صيغ المفهوم البريطاني لهذه الجغرافيا وفقاً لشروط وتوازنات القوة في العام 1917 بين العرب الفلسطينيين واليهود ، وكان من الطبيعي أن يميل البريطانيون باتجاه القوة اليهودية الصاعدة، ثم ليحددوا تفصيلات الصورة الجغرافية التي تخضع للنفوذ اليهودي، وفقاً لهذا النفوذ وموجباته. وحسب المؤرخين الإسرائيليين، فإن المنطقة التي صيغ فيها المفهوم البريطاني للجيوبوليتيكا اليهودية كانت تضم الأراضي الواقعة بين ناحال وبئر السبع والبحر الميت، ثم هآرنون، جبل الشيخ ونهر الليطاني وصولاً إلى البحر. ويبيِّن هؤلاء أنَّ الاعتراف الدولي بضرورة إقامة وحدة سياسية إقليمية، تسمّى "أرض ـ إسرائيل" آنذاك هو الذي خلق في نهاية الأمر حدود "أرض إسرائيل الانتدابية".

لكنّ المؤرِّخين وأساتذة علم الاجتماع في "إسرائيل" يعلِّقون أهمية خاصة على المفهوم البريطاني آنف الذكر. ذلك لما له من مفاعيل تأسيسية للتطورات الأمنية والجيوـ سياسية التي حدثت فيما بعد. إذ على هذا المفهوم ستنبني مفاهيم أساسية في الفكر الاستراتيجي للحركة الصهيونية ساهمت إلى حدٍّ بعيد في قيام الدولة عام 1984. وربما،.. لهذا السبب سنرى كيف أنَّ بعض ممثلي هذا الفكر راح يميِّز بين ثلاث مراحل حاسمة من الصراع حول بلورة حدود الدولة قبل نشوئها:

 ـ المرحلة الأولى تمتد حتى سنة 1923. في ذلك الوقت تصارع البريطانيون من أجل بلورة حدود الانتداب، من ناحية،و لكن، من ناحية أخرى، كانت هذه المرحلة هي نفسها التي بُذِلَت فيها الجهود للوصول إلى الحدود التاريخية المزعومة "لشعب إسرائيل" في ظل الحكم البريطاني.

 ـ المرحلة الثانية التي امتدت حتى خريف 1947، وفيها جرى صراع مكثف من أجل تحديد حدود الدولة التي كانت على الطريق داخل "أرض ـ إسرائيل" الغربية.

 ـ المرحلة الثالثة هي بلورة حدود "إسرائيل" من خلال الحرب الأولى بين العرب واليهود. أي الحرب التي عُرِّفت في المصطلح السياسي الإسرائيلي بـ "حرب التحرير".

بيـن الأيديولوجي والجيو ـ سياسي

ينبري التنظير الصهيوني ليبيِّن أن العلامات الأولى لـ"الجيوبوليتيكا الإسرائيلية" أخذت تظهر في المرحلة الأولى من مراحل بلورة حدود الانتداب البريطاني. حيث ظهرت لأول مرة في الخرائط المختلفة التي وضعها اليهود لما يسمَّى "حدود أرض ـ إسرائيل". وإذا كانت الصورة الإقليمية لهذه الحدود قد تأثرت بصفة أساسية بالجانب الديني لدى اليهود، وكانت الأفكار التي تحكَّمت في الصورة اليهودية للبلاد هي الحدود الموعودة في التوراة (حدود مهاجري بابل، وحدود مهاجري مصر، وحدود المناطق التي احتلّها داود وسليمان) فإنَّ وعد بلفور في 2 تشرين الثاني (نوفمبر) سنة 1917 جاء ليضفي الشرعية الدولية على تلك الصورة.

 صحيح ـ كما يقول التنظير الصهيوني ـ أنَّ الوعد الانتدابي البريطاني لم يعرِّف الحدود الجغرافية للوطن القومي اليهودي، لكن الذي حصل هو أنَّ الغموض الذي رافق وعد بلفور لهذه الناحية، أعطى الذريعة للتيارات الصهيونية على اختلافها لتحارب من أجل حدود مختلفة، من شأنها، في رأيهم، أن تطابق روح الأفكار اليهودية حول الوطن الموعود.

وعلى طول الخط، ظلَّت المفاهيم المتعلِّقة بالهوية الجغرافية لحدود الكيان الموعود متحركة وغير ثابتة في النص الدستوري. حتى بعد ما سمي "حرب الاستقلال" وقيام "الدولة" في العام 1947 ـ 1948. ولقد بقي، "الأمل" قائماً لجهة التوسّع إلى جغرافيات إضافية تطابق الزعم الأيديولوجي لليهودية السياسية حول "أرض ـ إسرائيل". وهو ما ظهر بصورة عملية، في مؤتمر السلام الذي عقد بعد الحرب العالمية الأولى في سنة 1919 عندما وضعت الحركة الصهيونية تعريفاً دقيقاً لمطالبها بالنسبة إلى حدود "أرض ـ إسرائيل" الكبرى. وكان هذا المطلب هو الحد الأدنى. وقدّمه يومذاك وايزمن، في حين طالب دايفيد بن غوريون بمنطقة أكبر، كما طالب يتسحاق بن تسفي بمنطقة أكبر منه أيضاً. وهذه الخطة أصبحت تدريجاً هي السياسة الإقليمية الصهيونية حتى تشكيل لجنة بيل (1937) وأصبح أي قرار بشأن الانسحاب من هذه الحدود يمثل في نظر الحركة الصهيونية مساساً بالصهيونية وتقليلاً من شأن "الدولة" في المستقبل. ولم تعبِّر هذه الخطة عن مطالب دينية وتاريخية فحسب ـ كما يقول الباحثان الإسرائيليان أرنو سوفير وألينور ريفين ـ بل عن مطالب براغماتية استندت أساساً إلى المعطيات الموجودة على الطبيعة في ذلك الوقت. ووفقاً لهذا المفهوم لم ينجُ شرق الأردن من كونه جزءًا عضوياً من الحلم اليهودي وفق ما حددته آليات الجيوبوليتيكا الصهيونية المتحركة. لذا لم يكن غريباً أن تعتبر الحركة الصهيونية عزله من قبل البريطانيين في سنة 1922 بمثابة تحدٍّ أيديولوجي وسياسي لأهدافهم الإجمالية. (2)

بعد ما سمي "حرب الاستقلال" لم يطرأ أي تطور راديكالي على المفهوم المتحرك للجغرافيا السياسية "الإسرائيلية". ولا يزال المنطق التاريخي الذي حدده بن غوريون ل "دولة" اليهود، هو نفسه اليوم وإن بشكل غير معلن. كان كل شيء بالنسبة إليه موقتاً،.. فلا تحسمه إلاَّ الحروب. لأنه كان من الواضح له "أن الحدود التي ستتوقف عندها الحرب ستصبح حدود البلاد، وذلك فإنَّ ما سيتم الاستيلاء عليه وسط عاصفة للقتال، سيبقى في أيدينا، والمكان الذي لن نصل إليه، سيكون موضع حسرة على مدى الأجيال. ولهذه الأسباب أيضاً لم ترسم حدود أثناء صياغة ما سُمِّي "ميثاق الاستقلال".

ومع أن تحولات مدوية طرأت على هذا المفهوم،.. لا سيما في الربع الأخير من القرن الماضي، فإنَّ عدم الاستقرار في الهوية الجغرافية "الإسرائيلية" يبقى أحد أهم الثوابت الأساسية في قيام ال "دولة" اليهودية في العام 1948. ولعلَّ البحث الدائب عن توازن ما بين الأيديولوجيا اليهودية والجيوبوليتيكا "الإسرائيلية"، إنما يأتي ليؤكِّد مقولة عدم الاستقرار وليحافظ عليها. وإذا كان السجال حول الجغرافيا ومسألة الحدود في "إسرائيل" قد أخذ قسطاً كبيراً وواسعاً في المراحل المتعاقبة، قبل وأثناء وبعد قيام ال "دولة"، فإنَّ هذا السجال يعود اليوم لينطلق من جديد وعلى نحو أكثر احتداماً. ففي مرحلة "السلام" مع العرب أظهر "الإسرائيليون" قلقاً بيِّناً من الآثار الجيوبوليتيكية التي تفرضها عمليات التفاوض. إذ على الرغم مما يبدو من اختلال في موازين القوة يميل لمصلحتهم بفعل الانتشار الهائل للجيوش الأميركية والغربية في المنطقة، فإنهم يبيتون على خوف مقيم من حدوث تحوُّل غير محسوب في المسار الجيو ـ استراتيجي،.. الذي انفتح على سعته منذ اندحار جيش الاحتلال الإسرائيلي عن لبنان في ربيع العام2000. وكذلك،.. مع ما تلا ذلك من تطورات هائلة بعد احتلال العراق, ناهيك عن حرب الاستنزاف المفتوحة التي تخوضها انتفاضة الشعب الفلسطيني ضد سلطة الاحتلال. لعلَّ هذا ما سوف يخترق الجدار الإسمنتي الذي أقامته الأيديولوجيا الصهيونية حول "أرض ـ إسرائيل الكبرى" وما أنشأته "الدولة الإسرائيلية" فيما بعد حول الأمداء الحيوية للأمن "القومي" وعلى الأخص منها الأراضي المحتلة في العام 1997 أو في الأعوام التي تلت.

1 ـ يوسف أورن " القلم كبوق سياسي"، دار نشر "يحد" "إسرائيل"، 1992، ص84 ـ 85.

2 ـ راجع الياس شوفاني الموجز في تاريخ فلسطين السياسي ـ مؤسسة الدراسات الفلسطينية ـ الطبعة الأولى ـ بيروت 1996 ـ ص 471.