الدراما تهزم اشكال التعبير الأخرى

العدد 3 - أيلول 2005 : نجيب نصير
الاثنين 5 أيلول (سبتمبر) 2005.
 
ربما كانت الدراما التلفزيونية هي الخطاب الاكثر عمومية وتلقيا من كافة أشكال القول الابداعي ، وبالتالي كانت الخطاب الأكثر تأثيراً في الثقافة المجتمعية ، ثقافة الناس في عيشهم اليومي ، نظراً لهزيمة أشكال التعبير الاخرى من كتاب وصحافة ومسرح وسينما لأسباب مجتمعية ، أدت الى عدم اندراجها في أولويات العيش المجتمعي ، حيث الثقافة عندنا مكتملة من الماضي وما يقوم به المبدعون ما هو إلا فعل خيري في أحسن الأحوال يحاول نفض الغبار عن الماضي المجيد ليعيد إليه بريقه ، أو فعل خارج عن القانون يريد الإساءة الينا كأطفال شرعيين لهذا الماضي ،

ما وضع الدراما التلفزيونية على مفترق القفز من فوقها كما حصل مع الكتاب والمسرح والسينما ، أو خضوعها لمنطق رقابي متنوع يبدأ من الرقابة الرسمية السياسوايديولوجية مروراً بالرقابة الاجتماعية وانتهاء بالرقابة التجارية التي تتحكم بتمويل الدراما التلفزيونية من ناحية التوزيع ، حيث تحولت هذه الدراما الى قطة مذعورة ومحاصرة تبحث عن الخلاص من ورطة وقعت فيها ، أو الاذعان إلى شروط اللعبة التي تعد كما وعد الكتاب والمسرح والسينما بالوصول الى غاية تنويرية تثقيفية عبر التلميح والمواربة والتنازل والمسايرة والى ما هنالك من أساليب تأجيل المستقبل الذي يعتبر بحد ذاته قضية تدليس من الدرجة الأولى .

في ظروفنا المجتمعية والسياسية والاقتصادية لا يمكن فصل الدراما التلفزيونية عن الشأن الإعلامي / الإعلاني فهي لم تولد ولم تعش كمشروع فني / اقتصادي مستقل ، بل كانت أحد التفاصيل حول نشرة الأخبار السياسية شريطة أن لا تتناقض معها ولكن الفن بطبيعته إذا لم نقل الابداع متناقض سلفا مع السائد فما بالك بالماضي ، ما جعل منها دراما فاقدة للمشروع الفني، أو بصورة أدق دراما ذات مشروع فني تحاصره التنازلات والمواربات والاستبدالات بالاضافة الى تحوله الى مشاريع فنية متفرقة وفردية مثل مشروع هيثم حقي عن عصر النهضة ( العربية ) ومشروع هشام شربتجي في الكوميديا ومشروع نجدت أنزور في الشكل الصوري للدراما ، هذه المشاريع تناهت الى نموذج يفرضه السوق على المبدعين بدلًا عن فرض الابداع على المحطات الباثة كعملة نادرة وسلعة أصلية متميزة ، لتتحول الدراما الى سلعة تعبوية / تعموية محصورة في دائرة الاعلام وما يجود به من فرص ومكاسب مادية في تناقض صارخ بين الآليتين .

فيما تقدم تبدو الرقابة بفروعها وتصنيفاتها وكأنها المعيق الوحيد لحضور دراما تلفزيونية لائقة بالمشاهد المعاصر ، ولكن هذه الرقابة / الرقابات ناتجة عن ذهنية اجتماعية في المقام الاول والتي انتجت صانعي الدراما أنفسهم و الذين ظهروا عبر انتاجاتهم ليس كخاضعين لهذه الرقابات فقط أ او منفذين لمتطلباتها وخططها فقط، إنما كمنتجين لها عبر الاستسلام لقيم الماضي عبر انتاجاتهم الفنية ليس في المسلسل التاريخي وحده الذي أضاف بعداً تمجيدياً جعل من الماضي مكانا ثقافياً خارقا يجب على المشاهدين والسلطات بذل جهد نضالي لتحقيقه أو الوصول اليه مما كرس ذهنية مستقبلنا في ماضينا، وإنما في المسلسل المعاصر الذي انتصر لكل قيم الماضي معيداً الى الممارسة الاجتماعية المعاصرة قيماً مثل الحلال والحرام والجهاد والخلاص الفردي ، بدلًا من الحق والواجب والقانون والنضال وعلاقة الخاص بالعام ، من هنا ومن ضمن هذه الذهنية كان التنطح لصناعة حداثية بكل المعاني ، اقتصادياً وفكرياً وترفيهياً وثقافياً، هذه الذهنية الماضوية أو يمكن التأكيد على تسميتها بشكل مبسط ، ذهنية ما قبل التلفزة أو ما قبل الكاميرا تقف لتصنع مسلسلًا تلفزيونياً هي ليست من رتبته المدنية المعاصرة ولا تقبل بالاعتراف بسبقه الحضاري والمعرفي لأن هذه الانجازات التقنية والابداعية يجب أن تكون متضمنة في الاكتمال المعرفي للماضي ، من هنا تعيش الدراما التلفزيونية فصامها العنيد على صعيد الممارسة حيث تستسهل استعمال منجزات الحداثة في خدمة نقيضها المعرفي والحياتي في آن واحد.

على طرف مواز للماضوية القسرية التي سربلت بها الدراما التلفزيونية رقابياً و مجتمعياً ، كان المجتمع بحالته الراهنة عرضة للتحريف بايجابياته وسلبياته مع انه يفترض أن يكون النبع الأساسي في عملية الوقعنة التي تحتاج اليها الدراما الصورية ( سينما تلفزيون ) والوقعنة هنا ليست إعادة انتاج الواقع على طريقة المرآة وإنما الخضوع تقنياً لشرط الواقع للوصول الى الصدق الفني ، وهنا تجاوز صناع الدراما الرقابة في تحريف الواقع وشروطه وظهر المجتمع ( إلا فيما ندر ) في المسلسل التلفزيوني بحالة استنسابية مفترضة تتناقض أحيانا كثيرة مع شرط الوجود الانساني برمته، فظهر هذا المجتمع آية من آيات الجمال والعفة والصدق وعدم الفساد والشبع والحرية ، لولا بضع ممارسات إنسانية سلبية ضرورية لصنع صراع بين الخير والشر لنأخذ منها العبرة والاعتبار كمقولة نهائية ساذجة لجل الأعمال ( العمايل ) التلفزيونية ، لنرى ابتعاداً حقيقياً ليس عن المجتمع فحسب بل عن شرط الصورة الدرامية في تصور شديد العمومية للفن والابداع ، واستثناء يأخذ مشروعيته من الوعد المؤجل للفعل التنويري إنه سوف يأخذ مكانته يوماً ما وإن الفن واسع يحتمل كل التجارب والرؤى ، وهي مشروعية تدليسية لأن للفن قيمة تربوية في المقام الأول تصنيعاً وتلقياً وما تنتجه هذه الدراما من خبرات لم يتح لها تصور آخر لصناعة فن اجتماعي أو مجتمعي أو حتى فن للفن أو للترفيه ، فإن هذا الفصام سوف يعيد انتاج ذاته بصور أكثر تهافتاً، موسعاً المسافة المفهومية والعملية مع الدراما التلفزيونية بما تعنيه في العصر الحديث .

إن الطلاق الحاصل بين الفن وإحدى تجلياته كالدراما التلفزيونية ، وبين الحداثة بتجلياتها السياسية والاعلامية والاقتصادية والثقافية ، قدمت لنا ما يمكن تسميته ( تقريباً ) هذه التقريباً الرجيمة هي ما التصقت بكل أعمالنا وعمايلنا ، وأفعالنا وفعالنا وفعايلنا ، وانجازاتنا ومنتجزاتنا ومناجزنا ، فلم ننتج دراما كسلعة استراتيجية مخلصة لرتبتها المدنية ، ولم نحصل على مشاريع ابداعية ناضجة ومكتملة ومؤثرة ، ولم نربي جيلاً من صناع الدراما قادر على الرؤيا الجريئة ، ولم نستورد دراما أجنبية هي وعلى الرغم من ( الغزو الثقافي ) أقل سوء من الناحية التأثيرية ( قياساً على العصر وليس قياساً على الماضي ) حيث استطعنا بما امتلكنا من علم مكتمل من ماضينا المجيد من تحويلها من سلعة استراتيجية الى سلعة استهلاكية عابرة ، على الرغم من حاجتنا الشديدة إليها كأداة توصيل ثقافية عالية الأداء ، وتحول الانتاج التلفزيوني الدرامي الى مجموعة دكاكين لم تستطع أن تكون ابنة زمانها وذلك عبر انسجام حداثي بسيط بين الابداع والاقتصاد والسياسة .