العدد السابع عشر - كانون الأول 2006

الخطأ الاستراتيجي في لبنان[1] - خطأ الجميع؟

مركز كوردسمان للدراسات الاستراتيجية
الثلاثاء 19 كانون الأول (ديسمبر) 2006.
 

  يتابع مركز كوردسمان للدراسات الاستراتيجية والدولية دراسة شؤون منطقتنا والأحداث الجارية فيها من منظور غربي, تبدو " إسرائيل " في إصرارا ته وكأنها دولة أصيلة  ضمن كيانات دخيلة!. هذا ينطلق من فرضية أن غسيل دماغنا قد تمَّ، وأنه ينبغي علينا أن نرى بلادنا ذات أحجام صغيرة مفتتة، وان مسألة المقاومة لا تعدو كونها خطأً استراتيجياً جاء نتيجة لخطأ استراتيجي إسرائيلي! أي أن ننسى جسد وطننا وأن نتجاهل أي علاقة تآمرية مبيتة بين ما جرى ويجري في فلسطين، وبين ما يجري في لبنان والعراق من مجازر وحشية تستحق جائزة نوبل في الإبادة الجماعية.

واللازمة التي تتكرر هي مسألة سلاح حزب الله, ونشر الجيش في الجنوب, هذا الجيش غير المجهز للقيام بالمناورات الحربية الحديثة, والذي لا يملك دفاعاً جوياً حقيقياً أو دفاعاً برّياً ضد الغارات الجوّية،.. رغم كل الأسلحة الأمريكية التي تبرعت بها واشنطن لمساعدة الحكومة اللبنانية[2].

أي أن الحالة ينبغي أن تشبه بما حصل في الحرب العالمية الثانية،.. عندما هاجم هتلر بولونيا ، وكان قد جهز جيشاً بعتاد حديث من طائرات ودبابات وأسلحة،.. بينما تصدى له فرسان بولونيا على الأحصنة!

 

ويقول كوردسمان أن الولايات المتحدة ولبنان مستمران بالاستمتاع بعلاقتهما ضمن مباحثات جارية باتجاه إجراء معاهدة سلام مع " إسرائيل ", بعد تمكن الحكومة اللبنانية من إيقاف هجمات حزب الله عليها. وللولايات المتحدة ولبنان تاريخ تقليدي من العلاقات الجيدة[3] بسبب وجود جالية لبنانية كبيرة في أمريكا, والتوجه المؤيد من قبل معظم , خصوصاً أثناء الحرب الباردة, والروابط الثقافية المتمثلة بوجود الجامعات الأمريكية في لبنان.

 ويضيف كوردسمان : لقد اختلف الأمريكيون حول أهمية لبنان بالنسبة إلى المصالح الأمريكية, فبعضهم كان يرى فيه حاجزاً صاداً للثوار المرتبطين بالاتحاد السوفييتي, والبعض الآخر يرى غياب المصالح الأمريكية بسبب: عدم وجود قاعدة عسكرية أو حقول نفط أو طرق مائية عالمية أو قوة عسكرية أو ميزات صناعية, و روابط تجارية رئيسية. لكن الأكيد في الموضوع أن من مصلحة أمريكا اليوم دعم استقلال لبنان, فكانت مع إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لجنوبه! لكن التوتر قد اشتد في المنطقة في أواسط عام 2006  بين إسرائيل والمقاومين الفلسطينيين في غزة، ثم انتقل في دورة عنف إلى لبنان حيث نشبت الحرب المدمرة بغارات إسرائيلية على مواقع المقاومة اللبنانية (حزب الله ) والبنية التحتية بما فيها مطار بيروت الدولي. فردَّ حزب الله بقصف يومي على شمال إسرائيل بصواريخ بعيدة المدى وصلت إلى ميناء حيفا, ثالث اكبر مدن إسرائيل.  

 المسائل الاستراتيجية الإسرائيلية هي ابعد من القتال المباشر في لبنان،.. إذ هي ذات علاقة مباشرة بالقتال مع الفلسطينيين.

لقد بدأ القتال في لبنان بشكل ٍ متواز ٍ مع القتال في غزة,وهذا ما أدى طرح أسئلة هامة حول فحوى أهداف الاستراتيجية الإسرائيلية. فوثوق إسرائيل بحواجز الأمان, التي هي حدود أحادية الجانب,   بدا في حينه وكأنه انتصار الأمل على التجربة:الأمل بأن العالم الإسلامي والفلسطيني والعربي الغاضب لن يجد مستقبلاً أي سبيل للولوج إليها واختراق الحواجز, وأمل آخر بأن الفصل بجدار إسمنتي لن يولد المزيد من الغضب والأعداء والتطرف!.

يحجم الفلسطينيون، ويتجنبون الحاجز الآن, لكنهم لن يتوقفوا عندما يكتمل. فإسرائيل تقوم بانسحابات جزئية من بضع مواقع لتعود فتحاصر مناطق جديدة شاسعة إلى الشرق من القدس, ومواقع هامة في الشمال,وهذا الأمر يخلق في الشباب الفلسطيني داخل الضفة الغربية جيلاً متطرفاً وتوتراً في القدس وعند عرب إسرائيل. وهكذا أيضاً ستكون ردود أفعال الشارع في بقية أنحاء العالم العربي.

النتيجة هي أن الحواجز قد تسيء إلى الصراع العربي - الإسرائيلي وتحوِّله بشكل سلبي. إذ أن الانسحاب الأحادي الجانب واحتلال المزيد من الأراضي هي وصفة وصيغة للغضب والعنف الدائم

 

 أن فشل إسرائيل بإقامة أي نوع من العلاقات الاقتصادية والسياسية المقبولة بعد الانسحاب زاد الأمور سوءاً. فهي قد عزلت غزة, وأزالت اغلب الخيارات الاقتصادية,  وأضعفت فتح والسلطة الفلسطينية, وخلقت أيضا أجواء تجعل المهمة المصرية مستحيلة, حيث قد تم إغلاق حدود مصر مع غزة في وجه أي نوع من أنواع العبور.

  لقد كانت مشكلة إسرائيل تصور على الدوام وكأنها غضب أقلية,.. مجموعة من الشبان والشابات المتطرفين يريدون على الدوام اتخاذ أقصى المخاطر واستعمال أعتى الوسائل ضد " إسرائيل ". نصف عقد من حرب الإنهاك مض, ومنذ أيلول عام 2000,إلى الآن كان الوضع سيئاً للغاية: انسحاب من غزة من دون وضع أي نهاية للعمليات العسكرية,مما جعل الأمور أسوأ بكثير من ذي قبل. وسيحصل الأمر نفسه في الضفة الغربية والقدس. 

أما اعتداءات إسرائيل على حزب الله ولبنان تكراراً للأمر ذاته نفسها في كثير من الأوجه. فإسرائيل إسرائيل تعلم منذ سنوات آن حزب الله لم يكن خامداً على الحدود اللبنانية الإسرائيلية.

بل يمتلك الآلاف من سلاح المدفعية ذات أنظمة متطوِّرة مثل C-802 الصواريخ المضادة للسفن وصواريخ أرض - جو أكثر حداثة, ومضادات دبابات. وحتى أفضل أجهزة كشف لأنواع القنابل. وبينما كانت إسرائيل تعمل على امن حدود غزة والضفة الغربية, كانت ترقب عدواً يبني قدراته ليجلب لها مزيداً من الهجمات القاتلة داخل إسرائيل عبر حواجز الشمال. هذا الأمر لا يفسر رد فعل إسرائيل تجاه حزب الله جراء خطف الجنود. وكانت إسرائيل قد قامت استراتيجياً بعمليات خطف ضخمة مماثلة في غزة. لكن عندما تقوم دولة بهذه الأفعال فإنها تولد حتماً ردود أفعال متطرفة, فهي لا تحمي بذلك جنودها ولا مواطنيها, بل توفر للطرف الآخر عوامل مشجعة لاستخدام الأساليب التكتيكية نفسها في المستقبل. فهي لن تستطع أن تصدّ أعداءها الحقيقيين بمثل هذه الأفعال بل تخلق أعداءهاً جدداً.

 لم تكن استراتيجية إسرائيل واضحة،و يبدو أن الهدف كان إضعاف حزب الله، الحكومة والجيش في لبنان على القيام بعمل ٍ ما. فإذا كان الأمر كذلك ، فإن النتائج التي حصدتها إسرائيل تشبه التدمير الذاتي الاستراتيجي، بما يعيد إلى الذاكرة النتائج التي حصدها شارون عندما اجتاح لبنان عام 1982 وحاول أن يخلق حليفاً مارونياً مسيطراً. فالذهاب في مواجهة العسكرية بعيداً أكثر من اللازم قلب النصر ضد الفلسطينيين إلى عداء شيعي دائم، وربما أدى إلى ولادة حزب الله.

 

لقد أظهر حزب الله كم هي إسرائيل معرضة لمقاومين غير حكوميين يستخدمون الصواريخ.  صحيح أن ضرباتهم لم تكن قاتلة تماماً، لكنهم أضرّوا إلى حد كبير بمن في شمال إسرائيل، وكان لهم تأثير سلبي فادح على الاقتصاد الإسرائيلي, وأبدوا إمكانية أكبر في إرسال أسلحة أكثر إلى أي هدف داخل إسرائيل في المستقبل. 

 

إن اعتداء إسرائيل على لبنان وقصفها مدنه وقراه وبناه التحتية تحول إلى فخ استراتيجي مختلف الأبعاد, لأن باستطاعة حزب الله أن يتفرق ويختبئ بسهولة, إذ يمكنه آن يذهب إلى الشمال كلما ازداد الضغط في الجنوب, كما يمكنه أن يضحي بالمحاربين قليلي الخبرة ثم التعويض عنهم بأعمال مقاومة عالية مع احتمال نجاح , والأرجح أن باستطاعته أن يعيد تجميع صفوفه، ويحسّن تقنية كمائنه، ويواجه إسرائيل باحتمال إما الانسحاب أو الذهاب مباشرة إلى مستنقع الجنوب اللبناني الذي انسحبت منه سابقاً - لكن هذه المرة من دون مساعدة جيش لبنان الجنوبي.

 تبدو إسرائيل أقل قدرة على الدفاع من ذي قبل, ولاشك أن عدوانها أثار غضب اللبنانيين والعرب،وأصبح لديها جراء ذلك مشاكل مع أوروبا. كما أنها أصبحت بحاجة إلى قطعات عسكرية اكبر، وأصبحت جيوشها أكثر تعرضاَ، أي غير حصينة وتسهل مهاجمتها, ولا يمكن لها أن تنتصر إلا إذا انقلبت البنية السياسية اللبنانية والشعب اللبناني على خيار الصراع مع إسرائيل أو بضغط من قوى دولية؛ لكن هذا الأمر غير ممكن له غير واقعي. فسياسات الحكومة اللبنانية هشة جداً ومنقسمة على نفسها، ولبنان ، معرض جراء ذلك لحرب أهلية جديدة. لا أحد في المجتمع الدولي، بما فيه الولايات المتحدة يريد أن يحارب عن إسرائيل فاللاعبون الدوليون يتذكرون تبعات عام 1982 والاعتداء على قوات حفظ السلام. 

  إن "الدور المفسد" لإسرائيل هو لعبة استراتيجية لكنها ليست ذات نهاية واضحة. فالقدرة والبراعة في إحداث الاضطرابات لا تعني بالضرورة القدرة على حصاد نتائج أمنية

لا يوجد في المسائل الاستراتيجية الإسرائيلية أي مسألة يمن أن تكون الأكثر صواباً أو حكمة. ففي الواقع, الجميع يشكو من الضعف الاستراتيجي الأساسي نفسه. كل خطوة تجعل الوضع أسوأ بالنسبة إلى الشعب , بالإضافة إلي عدم وجود أي أمل أو نظرة مستقبلية في الأفق تنبئ عن نصر حاسم ضد إسرائيل لا على المستوى التكتيكي ولا على المستوى الاستراتيجي.

  من الناحية الواقعية،.. بالإضافة إلى القتلى, فإن كل لبناني قد خسر، والكثير منهم خسروا بشكل ٍ كبير ومريع. لقد تسببت الحرب بنزوح حوالي نصف مليون لبناني في غالبيتهم من الشيعة. ولكن قد لا يهم ذلك فالمقاومون يعتقدون أن الله والزمن معهم, وأنّ حزب الله كسب في قتاله مرتبة عالية في العالمين العربي والإسلامي.

 

قد لا تكون الحكومة اللبنانية الحالية عدوة لإسرائيل، لكنها سمحت لحزب الله الاحتفاظ بسلاحه، وبالتسلح بشكل دائم , وتركت جنوب لبنان في ضعف استراتيجي ليس له نهاية, مع احتمال تصادم آخر بين إسرائيل وحزب الله, إن لم يكن احتمال حدوث حرب تدمير وإنهاك أخرى.

وتدل المؤشرات على المزيد من التوترات المذهبية والطائفية, والمزيد من ضعف الحكومة والجيش في لبنان، والجيش, ووضع أسوأ للشعب اللبناني. فالانتهازية السياسية هي عملية تكتيكية وليست استراتيجية.

ليس هنالك من شك بان مناخ القتال قد انتشر في كل الشرق الأوسط والعالم الإسلامي. وقريباً جداً سوف يقوّي من الدعم الشعبي لأعمال العنف ضد الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائها. 

لكنّ الفائدة السياسية والتكتيكية لا تساهم في إنهاء اللعبة. لذلك سيعاني العرب والمسلمون بقدر ما سيعاني الإسرائيليون، وسوف تتراجع احتمالات وإمكانيات الاستقرار في المنطقة.

ستكون الولايات المتحدة الخاسر التالي في هذه العملية. إن موقف الإدارة الأمريكية في الوقوف جانباً, وقيادة الحزبين في الكونغرس, جعلت الولايات المتحدة عاجزة عن بذل أي مجهود لخلق نوع من القوات الدولية التي يمكنها أن تقيم حاجزاً جدياً بين إسرائيل وحزب الله. بل هي بقيت سلبية تنتظر تمكن إسرائيل من جعل الأمور تذهب نحو أسوأ.

إن الفشل في اتخاذ خطوات لحل الأزمة, أو حتى في تقديم خيار ما كإحياء عملية السلام, يجعل الولايات المتحدة تبدو وكأنها شريك إسرائيل مع ميل بسيط للعالم العربي. وهذا.. ليس موقفاً يفيد في العراق ولا يعزز دور الأنظمة المتعاونة مع الولايات المتحدة مثل مصر والأردن، كذلك لن يفيد في بناء تفاوض مع إيران. كما لاتندرج هذه السياسة في السياق الاستراتيجي الذي يفيد في الحرب على الإرهاب.

دعم إسرائيل هذا لا يعني أن الولايات المتحدة ينبغي أن لا تدفع الأمور باتجاه السلام. كما لا يعني عدم القيام بالمساعدات الإنسانية التي تؤدي إلى تحسين صورة أمريكا في العالم. بل يعني فقط تزويد إسرائيل بشيكات بيضاء سلبية كلما اتخذت الحكومة الإسرائيلية الاستراتيجية الخاطئة. كما أن عدم الثقة بأمريكا على أنها المفتاح الوسيط في النزاع العربي - الإسرائيلي بسلبية مطلقة وقصور ذاتي لا يفيد إسرائيل ولا حلفاء أمريكا في العالمين العربي والإسلامي.