العدد السابع عشر - كانون الأول 2006

شوائب التحقيق وهواجس المحكمة

غسان يوسف
الثلاثاء 19 كانون الأول (ديسمبر) 2006.
 

شكلت جريمة إغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه نقطة إنعطاف مدوية في التاريخ اللبناني الحديث، وتداعياتها مازالت تتفاعل، وربما ستبقى تفاعلاتها مهيمنة على مستقبل الحياة السياسية في لبنان والمنطقة. ويذكر أنه فور حصول الجريمة سارعت أطراف محلية ودولية باستغلال أصدائها الوجيعة لتحقيق مكاسب سياسية على حساب المشاركة في التحقيق وكشف الفاعلين، فكانت الإتهامات تنهمر على جهة محددة من دون أي دليل يقدم إلى القضاء كي يرتاح اللبنانيون فيعرفوا المجرم.

ما من شك أن حماقة،.. أو سوء تصرف، أو سوء.. نية أو محاولة تغطية للجريمة حصلت بعد ساعات من حدوثها. وذلك بنقل السيارات، أو ما تبقى منها، من مسرح الجريمة إلى ثكنة الحلو التابعة لقوى الأمن الداخلي، وهناك محاولة أخرى جرت من أجل العبث بالمكان، وفتح الطريق. لكن وزير الداخلية في حينه سليمان فرنجية تصدى لها، ومنع أي مس بذلك المسرح.

وقد إستدعى ذلك تكليف لجنة لتقصي الحقائق من قبل الأمين العام للأمم المتحدة. وهذه اللجنة أوصت في نهاية عملها بإجراء تحقيق دولي وعدم الركون للقضاء والأجهزة الأمنية اللبنانيين.

بدأت لجنة التحقيق الدولية عملها في 15/6/2005 وتفاءل اللبنانيون خيراً بإمكاناتها التقنية والقانونية، وتجردها وتكريس جهودها لكشف الجريمة.

تجدر الإشارة أن الأجهزة الأمنية اللبنانية والقضاء اللبناني كانا قد توصلا إلى معطيات أساسية في الجريمة، وهي تحديد السيارة الجانية التي تفجرت بالموكب، وتحديد أرقام الهواتف النقالة التي إستخدمها الجناة في تنفيذ الجريمة.

لكن،.. ما إن بدأ رئيس اللجنة ديتلف ميلس تحقيقاته حتى فوجئ اللبنانيون بالمستوى المتدني لأدائه المهني، حيث لا سرية للتحقيق والقاضي ينتقل يومياً ملبياً دعوات العشاء والليالي الحمراء في المرابع واليخوت، من دون أن يتوانى عن إطلاق الإتهامات السياسية لصالح الفريق الذي يستثمر حادثة الاغتيال دون الدليل الذي تحرّق اللبنانيون شوقاً لمعرفته، فكانت وسائل الإعلام تنشر مسبقاً معلومات عن الأماكن التي سوف تداهمها اللجنة،.. وعن الأشخاص الذين سوف تحقق معهم. وتواكب ذلك مع إستغلال سياسي ممنهج لهذه الأعمال. لكن ما سرّب عن الشاهد الملك،.. الذي كشف الجريمة، بحيث أن كل تفاصيلها باتت بيد لجنة التحقيق، كان التطور الأبرز في عمل اللجنة، فقد نقلت وسائل الإعلام أن ضابط مخابرات سوري يدعى محمد زهير الصديق إنشق وإلتحق باللجنة، وقدم معلوماته حول الجريمة. ولكن، تبين أن هذا الشاهد لم يكن ضابط مخابرات، وبقي شخصية ملتبسة تدور حولها تساؤلات عديدة. هل قام بالإدلاء بالشهادة من تلقاء نفسه، أم أن جهة ما طلبت منه ذلك لتضليل التحقيق وحرفه عن مساره السليم؟! لقد أخذت لجنة التحقيق بكل كلام الصديق الذي تدعّم بكلام شاهد آخر هو حلاق يدعى هسام هسام، وشاهد ثالث هو عامل سوري في لبنان يدعى إبراهيم جرجورة، حتى بات التحقيق مشيّدا على كلام متضارب لشهود توجد علامات إستفهام قوية حول مصداقيتهم، لا سيما، شهادة الصّديق التي باتت معلنة، وفيها يقول أنه حضر إجتماعاً لقادة الأجهزة الأمنية في شقة في الضاحية الجنوبية. جرى خلالها التخطيط لإغتيال الحريري، وهذا ما إستبعده اللبنانيون على إختلاف أهوائهم.

لقد غرقت اللجنة في شتى الإتهامات السياسية، وبدلاً من أن تحضر دليلاً على متهم يشفي غليل الشعب اللبناني ويقنعه،.. إذ بها تدخل في إستنتاجات سياسية من نوع تلك الاستنتاجات السطحية التي يتبادلها مختلف الناس في لبنان، ومنها الفكرة التي تقول بأنه لا يمكن القيام بهذه الجريمة من دون معرفة المخابرات السورية (!!) لكأنه لا توجد جهة مخابراتية فاعلة في لبنان غير المخابرات السورية (؟!) ليس هذا هو المطلوب من اللجنة، بل المطلوب إثباتات وإفادات واضحة وموثوقة.

لقد أدى انكشاف الشهود الملتبسين إلى إستقالة المحقق الدولي ميليس، بعدما أسهم في إنحدار صورة القضاء الدولي و تدني مصداقية الأمم المتحدة لدرجة أنها فقدت هيبتها. وكان لا بد من تغييره لإعادة ما أمكن من المصداقية إلى التحقيق الدولي،.. فتم تعيين البلجيكي سرج برامرتز رئيساً جديداً للجنة وقد بادر برامرتز على الفور إلى إنهاء عقود معاوني ميليس وأبرزهم ضابط المخابرات السابق ليمان الذي تتحدث مصادر عديدة عن دوره في إنحدار مستوى التحقيق.

في أول تقرير له أورد براميرتز كلاماً واضحاً عن إستبعاد كل ما قام به ميلس من إرتكاز على شهود لا مصداقية لهم.

بقيت مسألة توقيف الضباط الأربعة معلقة، فهم أوقفوا سنداً إلى شهادة الصديق، والصديق موجود في فرنسا،.. كيف وصل إليها؟.. لا أحد يعلم!! ومن ينفق على إقامته؟ لا أحد يعلم!! طلبه القضاء اللبناني رسمياً، فلم توافق الحكومة الفرنسية بسبب إختلاف قوانين العقوبات بين لبنان وفرنسا. فلبنان يعتمد عقوبة الإعدام الممنوعة في فرنسا. لكن رئيس الجمهورية اللبنانية أرسل كتاباً رسمياً تعهد فيه بعدم التوقيع على عقوبة إعدام للصديق في حال إدانته. لكنّ الحكومة الفرنسية لم تسلّم ذلك الشاهد. والغريب المحيّر أن القضاء اللبناني أوفد قاضياً إلى فرنسا من أجل الإستماع إلى إفادته. لكنّ السلطات الفرنسية منعت حصول ذلك.

 برامرتز يقول أن لا علاقة للجنة بتوقيف الضباط، والأمر مرهون بقرار القضاء اللبناني. أما القضاء اللبناني فيقول أن التوقيف جاء بتوصية من لجنة التحقيق، (!!) وما زال الضباط وذووهم والناس في لبنان حائرين من أمر هذا التوقيف الذي لا يتحمل مسؤوليته أحد،.. فإذا كان هنالك من إثباتات على في الجريمة الضلوع أو مخالفة أو سوى ذلك فليعلن على الناس.

لقد حاول براميرتز بحرفيته ورصانته وجديته إعادة المصداقية إلى القضاء الدولي، وأصدر ثلاثة تقارير غلّب عليها الطابع القانوني والمهني من دون إعلان نتيجة، لكن ما يلفت النظر أن براميرتز صّرح أثناء بداية عمله أنه سوف يبقى ستة أشهر ولن يجدد بعدها، غير أنه  أصدر تقريره الثاني في نهاية الفترة الأولى المحدودة له، وقد ضمنه أنه في الخريف سوف يكشف عن معلومات،.. جاء الخريف وجاء معه التقرير في 15/9/2006 ولم يكشف شيئاً جديداً. قبل صدور كل تقرير نسمع من بعض السياسيين تهديدات لعدد غير قليل من السياسيين الآخرين المناوئين لهم، وبعض هؤلاء جزموا بأن تقرير اللجنة سوف يتضمن معلومات مفصلة تتهم خصومهم،.. حتى إذا صدر التقرير عادوا وقالوا: ليس الآن،.. بل في التقرير المقبل.

لقد غير براميرتز رأيه وجدد ستة أشهر أخرى على أن تنتهي في 15/12/2006 ويكون قد أصدر في ذلك الوقت تقريره النهائي، لكن جاءت الأنباء لتفيد بأنه سوف يجدد ستة أشهر ثالثة، وأنه لن يصدر تقريره النهائي.

تدور في لبنان معارك سياسية طاحنة بذريعة المحكمة الدولية، غير أن تفاصيل هذه المحكمة لم تدخل بعد في السجالات السياسية، وهذا أمر جيد كي لا تفقد هيبتها قبل إنشائها. إن مسودة المحكمة التي نشرت في وسائل الإعلام ـ وتتضمن إتفاقاً بين الحكومة اللبنانية والأمم المتحدة والنظام الأساسي للمحكمة. تطرح علامات إستفهام كبيرة انطلاقاً من هواجس أحضرها التحقيق الدولي ورسخها بأسلوب خلق جواً عاماً من عدم الثقة بنزاهة المحكمة الدولية.

من المتعارف عليه أن المحكمة تكون لمحاكمة جناة بناءً لقرار إتهامي من قاضي تحقيق، لذلك يجب أن يكون مبنياً على وقائع وإثباتات. لكن، هذه المحكمة بنظامها المقترح جاءت غريبة عن المنطق المعتاد في هكذا قضايا.. حيث يرمى التحقيق في المحكمة ويبدأ قاضي "ما قبل المحكمة" بالتحقيقات ويكون المدعي العام هو نفسه رئيس لجنة التحقيق الدولية!!.

أي بمعنى آخر هو نقل للجنة التحقيق الدولية إلى خارج لبنان، وإستخدام الإستدعاءات في سوق الإبتزاز السياسي، إذ يجري إستدعاء فلان فيقولون له: لم أنت خائف إذا كنت بريئاً، وعندما يرفض المثول أمام المحكمة يقولون: إذاً أنت شريك. هذا هو السيناريو المعتمد للمحكمة في حال إقرارها. إنها لا تتضمن في نظامها ما يحول دون إستخدام الإبتزاز السياسي كما حصل للجنة التحقيق على الأقل في عهد رئاسة ميليس، وأول شيء في ذلك هو فصل التحقيق عن المحكمة، إذ لا يجوز مباشرة المحاكمة من دون الإستناد إلى قراراتها، ثم أنه لا يوجد في حيثياتها نظام إجرائي، ولا يجوز أن يكون المحقق مدعياً عاماً، لأنه يجمع عندها بين وظيفتين قد تتنازعان أثناء المحاكمة. ماذا يحصل إذا إتهم شاهد المحقق بمخالفة ما،.. والمحقق هو المدعي العام؟! ومن سوف يسمع عندها لهذا الإتهام؟!!.

آمور كثيرة في النظام المقترح للمحكمة الدولية نترك للإختصاصيين شرحها. لكنها، وبوجه الإجمال، تخلق هواجس حقيقية من إستغلال المحكمة في السياسة وترك دم الرئيس الشهيد مادة للإبتزاز غير أن يحصّل حقه من الجناة،.. وله، رحمه الله، حق كثير على كل اللبنانيين.

إن الشوائب الواضحة في عمل اللجنة هي التي خلقت الهواجس حول موضوع المحكمة الدولية، فهل من ضمانات بعدالة المحاكمة وخلوها من الشوائب طالما أن مفاعيل تلك الشوائب ما زالت قائمة؟!.

نشير في النهاية إلى أن ميليس أوقف محمود عبد العال بحجة أنه إتصل برئيس الجمهورية بعد تنفيذ الجريمة، في التحقيق تبين أن عبد العال إتصل برقم 000 900 وهو يعود لاميل لحود إبن رئيس الجمهورية، ولم يجب عليه. فيما إتصل بآخرين من تيار سياسي وتحدث معهم. محمود لا يزال منذ سنة موقوفاً بهذه التهمة. وعائلته حائرة،.. من هي المرجعية التي تشتكي إليها(!!).