العدد السابع عشر - كانون الأول 2006

زجالوا السياسة في لبنان

زهير ملاعب
الثلاثاء 19 كانون الأول (ديسمبر) 2006.
 

ربما،. لبنان بحاجة إلى جمعية جديدة،.. أو إلى وزارة مبتكرة، تضع مشروعاً مقنعاً للجهات الخارجية التي تنوي رصد ومتابعة خطابنا السياسي، بهدف تسهيله على العقول التوّاقة إلى فهمه وتحليله والتعلم من فنون السجال وحيل الإقدام والإحجام التي باتت اختراعاً لبنانياً خالصاً.

سيلٌ يومي من الخطب والكلام الرصين وغير الرصين، ما من لبناني إلا ولديه ما يقوله على الملأ، لكن فحوى ما يقال أمر آخر.

لقد تربينا على ثقافة الزجل، الفن الفلكلوري الذي يقوم على فكرة المناظرة والتحدّي: مقاعد متواجهة، المناصرون حاضرون بكامل عتادهم الصوتي، الطاولة، المازا.. والشراب مفتوح للصف الأول،.. مقنّن للآخرين، الأجواء معبأة، ونيران التحدّي تتطاير. يبدأ الخطاب الزجلي (كما السياسي) ببطولات لا يتسع لها حجم الوطن: الكرامة. العنفوان. العز. المعارك المنتصرة دائماً. تهدم المُدن، والحضارة تتبدّل، الجبال تتهاوى والبحار تغور والأمم ترضخ في لغة الزجل إما الزجّالون فنشاهدهم على الكواكب أو في السماء يمرحون ويسرحون، لكن فجأة يعود هؤلاء الأبطال بعبقريتهم إلى دهاليز الطوائف، يتلطّون خلفها وهم في أوج عزتهم وعنفوانهم، ولا ينقشع غبار هذه المعارك الكلامية الوهمية إلا بعد إبادات خيالية، بينما الحضور محبور بالنشوة، فالأكاذيب البسيطة سهلة وممتعة للنفوس التائقة إلى الإثارة.. والإثارة فقط. هكذا هو اللاوعي اللبناني: مزاج قروي ساذج يمارس المدنية على طريقته، على قاعدة الوهم والمبالغة، وطاولة السياسة في لبنان لا تختلف كثيراً عن طاولة الزجل، فالنقيض السياسي أو ساح، الطائفي أو المذهبي موجود دائماً، والأمر لا يحتاج إلا إلى طاولة أو منبر، وحتماً إلى من يدعو للمنازلة!

الألفاظ الدالة على التحدّي كثيرة ومفرطة في التصريح، فهي إذا لم تكن من قوى 14 آذار حكماً ستكون من 8 آذار. أما بماذا يفكّر السياسي أو يقول فهذا حديث آخر. وغير ذلك،.. فالمواطن متفرّج خارج النقاش، خارج طاولة الزجل،.. لكن خياله مفتوح على تقبّل الكثير من (السُكْر) بالسياسة.. لكن من دون (مازا).

الإعلام في لبنان يسخّر ساعات وأياماً من البث المباشر لنقل الوقائع الزجلية في السياسة.. وبملايين الدولارات. ويسعى بكل جهد إلى استضافة الوجوه المخضرمة المطرّزة بالكياسة والغضب و(الشاطرة) في توتير وتسميم الأجواء.

وجوه لها باع طويل في فقه الدجل السياسي واستغباء المواطن، سياسيون كبار وصغار أصبحوا نجوماً في حفلات مجون الثورات اللبنانية، القديمة منها والحديثة، منهم صحافي مطرود من مؤسسته، ومنهم تائه طارئ بين غابات الحقيقة، وآخر في مجاهل نظرية قوة لبنان في ضعفه،.. محلّل ذكي مقتدر شجاع آخر يمتلك قاعدة شعبية ضخمة بالكاد جعلته رئيس بلدية في قريته النائية،.. ها هو يضع نفسه في مصاف قائد عابر للقارات!!.

خطابات وتصريحات على السطح لا تلامس قضايا الناس، هي أقرب إلى مشادات شخصية منها إلى الكلام السياسي،.. تفانٍ على المنبر للإقناع بأن الوجيه المتحدّث يحمل قضايا الناس الحقيقية وهموم الوطن الفعلية، ولابأس أن تغيب مسائل جوهرية مثل الإنماء المتوازن، أزمة الزراعة، مصائب أهل الصناعة، التربية وهياكلها العظمية المفرطة في التخلّف والرجعية، ثقافة إلغاء السائد والبائد، البيئة. قضية العصر والمستقبل وربما القضية الأولى في لبنان،.. وفاتورتها التي كلفت المواطن حتى الآن ما يفوق بكثير الدين العام السري والمعترف به.

هذه الجمعية.. أو الوزارة المبتكرة التي نقترحها لديها مهمة خاصة: دورات لتجميل تكاذب السياسيين، وأخرى لتعليم بعضهم كيف يقتل الوجدان العام بدون ألم، وندوات للإبداع في تجهيل الوقائع والحقائق. وليس غريباً أن يتم ذلك بأسلوب يمتع الجمهور وهذه براعة تسجّل في خانة الريادة الحضارية للبنان، ولكن نخشى أن تتحوّل هذه الوزارة المقترحة المبتكرة والعصرية إلى أكبر معهد للزجل اللبناني في العصر الحديث، أليست الحرب الأهلية وما سبقها، وما تبعها فصول من الإثارة الغريزية التي الأكثر زجلية من ثقافة الطوائف والملل والنحل المهيمنة في غياب أحزاب لديها برامج حقيقية تحاكي قضايا الناس ومشاكلهم؟!

أليس هناك غير العناوين السجالية المستهلكة: سوريا، السلاح، المقاومة، السفارات،؟! فالوطن يطالب كل القوّالين وأصحاب المنابر ومن يطلّون على الناس بوجوه بلا ملامح قولوا مرة واحدة كلاماً مفيداً له معنى.