العدد السابع عشر - كانون الأول 2006

الشركس في سوريا

إعداد:ه ج
الثلاثاء 19 كانون الأول (ديسمبر) 2006.
 

أكثر من لغة.. ويحتلّون موقعهم الطبيعي في نسيج المجتمع

 

المجتمع السوري، كما العديد من مجتمعات العالم المعاصر، تشكّل عبر التاريخ على قاعدة تنوّع وتفاعل العديد من الأقوام والثقافات التي قدمت إلى بيئته، مهاجرة أو فاتحة، فاستقرّت، وتفاعلت على أرضه مع أهله الأصليين، وهذا التفاعل الحيوي أدى بصورة طبيعية إلى إنتاج مركب اجتماعي موحّد أكثر غنى، شيّد أعرق المدنيات في التاريخ القديم.

إن دراسة عناصر ومكونات المركب الاجتماعي السوري مسألة جديرة بالاهتمام لجهة الإفصاح عن المخزون الحضاري بمختلف ألوانه وأطيافه، ومدى أصالة الانصهار الروحي الثقافي الذي رفدته ينابيع إنسانية شتى،.. مشكّلة معاً وعلى مدى التاريخ، نسيجاً إنسانياً واحداً، له ميزاته وخصائصه وحيويته المشدودة إلى الارتقاء.

وتحقيقاً لهذا الهدف، واستكمالاً، لما بدأته تحوّلات من تسليط الضوء على مكوّنات المجتمع السوري، فإننا نضيء في هذا العدد على الشركس بإضاءة سريعة قدّمها الإعلامي رفيق قوشحة، على أن نتابع إضاءات أخرى في الأعداد المقبلة.

هاجر الشركس من شمال القفقاس إلى تركيا في الثلث الثالث من القرن التاسع عشر، وهنالك مجموعات هاجرت بعد إقامة مؤقتة في تركيا باتجاه بلاد الشام تحت شعار (شام شريف).

كل القفقاسيين المهاجرين هم من المسلمين مع العلم أن هنالك أعداداً كبيرة من الشركس يدينون بالمسيحية مازالوا يعيشون في شمال القفقاس. والشركس ينتمون تاريخياً إلى أكثر من عرق وكل عرق يتكلم لغة مختلفة تماماً عن الآخر وليس لهجات،. ولكنهم يشتركون، على تنوعهم، في العادات والتقاليد والمفاهيم الاجتماعية.

تقيم مجموعات من الشركس في عدد من البلدان العربية كسوريا والأردن وجزء من فلسطين، وهم (الأديغا، الأستين، الداغستان، الشيشان، الأباظة الشابوغ) وتمتلك هذه المجموعات ثقافة محمولة عبر الأجيال، تمتد إلى ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد في الحد الأدنى.

الشركس في سوريا مندمجون في المجتمع السوري بكل أطيافه السياسية والفكرية والثقافية، بحيث إنهم انخرطوا تاريخياً في كل مجالات الحياة الاجتماعية والسياسية وشاركوا بفعالية في دورة الحياة الطبيعية القائمة على قاعدة التنوع المتفاعل الذي ينتج غنى، لذلك من الطبيعي أن نجد شركسياً متديناً وآخر شيوعياً وثالثاً سورياً قومياً اجتماعياً.. الخ. وبالمقابل يحتل المواطنون السوريون الشركس مواقعهم في نسيج الحياة العامة في الجيش والحكومات والبرلمانات ومختلف المهن والمسؤوليات الاجتماعية والاقتصادية، وهم يتسمون بقدرة كبيرة على الانسجام مع خصوصية المجتمع السوري مع الحفاظ على روح ثقافية تعبّر عنهم، فلهم تقاليدهم، بمعنى أن أعراسهم تقام حتى الآن بطقس شركسي تقليدي يشبه إلى حد كبير أعراس أجدادهم، ويعيشون فيما بينهم وفق العادات والتقاليد والمفاهيم الاجتماعية الخاصة المحمولة من قفقاسيا إلى هنا. مع الأخذ بعين الاعتبار أن حركة الإندماج والتفاعل الثقافي في المجتمع السوري أخذت سياقها التاريخي، بدليل أن الأجيال الجديدة من الشباب الشركس أصبحوا بعيدين نسبياً عن أسلوب الحياة الاجتماعية التي عاشها الآباء والأجداد، وبرأيي هذا شيء من طبيعة الحياة، فالأقليات في المجتمعات الكبيرة تتماهى بأحوال المجتمع. وللحقيقة والتاريخ، يجب أن نسجل أنه مع كل أنماط الحكم السياسي في سورية لم يتعرض الشركس لأي حالة عدوانية أو تمييز اجتماعي أو سياسي أو عرقي، ويعزى هذا الأمر إلى ميزات المجتمع السوري ذاته،.. بقدر ما يعزى إلى كون الشركس من أشد الناس إخلاصاً لمواطنيتهم.

لا توجد في سوريا مدارس لتعليم اللغات القفقاسية، ولكن البيت الشركسي هو المدرسة الأمثل لتعليم اللغة للأبناء، ومازال 80% من الشركس في سوريا والأردن يتكلمون بلغاتهم الأم حتى الآن.

كما يوجد تيار من الشركس مازال يحن إلى أرض الأجداد، ولكنهم يعيشون بتكيف كامل مع المجتمع بكافة مكوناته الثقافية الأخرى، ولاشك أن هذه المشاعر الإنسانية (الذاكروية) هي طبيعة التماهي العفوي مع الأصول، وفي أدبيات الهجرات الإنسانية ما يعبّر بجمالية عن مثل هذا الحنين.

لدينا أكثر من سبب لابد أنه سيجعلنا نُعيد النظر في الطريقة التي بُنيت عليها بعض التصوّرات الشائعة عن حالة المجموعات الثقافية في المنطقة، التي ظلّ الكثير منها، بالفعل، مهمشاً وشبه غائب. ونظراً لفهمنا ولإيماننا العميق بأن التعدّدية هي من يُغني كل مجتمع، ويخلقُ فيه حالة من التثاقف والتحريض على التفكير السليم، وبالتالي بناء تصوّر صحيح عن المواطنة كمبدأ جامع يساعد المجتمع الواحد على التماسك، وبناء جسور حقيقية بين سائر الأفراد. من أجل كل ذلك، ومن أجل أن لا يظل التقارب بين الجماعات الثقافية خارجياً (سطحياً) أو ظاهرياً، بل يتخطى ذلك ليصبح اندماجاً لا اصطفافاً، فسوف نتابع ما بدأناه من تسليط الضوء على بعض هذه الجماعات. وهنا إضاءة من الإعلامي رفيق قوشحة عن (الشركس) في سورية.