العدد السابع عشر - كانون الأول 2006

جميل ملاعب: الجسد هو الاله الصغير

حوار: زاهر العريضي
الثلاثاء 19 كانون الأول (ديسمبر) 2006.
 

في معرضه الأخير " الجميلات النائمات"

جميل ملاعب: الجسد هو الاله الصغير

 

" الجميلات النائمات" عنوان المعرض الذي أقامه الفنان التشكيلي جميل ملاعب في غاليري ربيز الشهر الفائت ، ويضم 47 لوحة لنساء عاريات ، انتقاها من أعماله الفنية على مدى أكثر من ثلاثة عقود (1972 ـ 2006)وجمع هذه اللوحات في معرض واحد، يتيح للناقد التشكيلي التعرّف على المراحل الفنية لأعمال جميل ملاعب في مضمار واحد من تجربته الفنية الغنية و المتنوعة،وعلى هامش المعرض كان لـ " تحولات " الحوار التالي معه:

 

لماذا اخترت المرأة العارية موضوعاً لمعرضك الأخير  ؟

 

ـ المرأة حين نرسمها لا تصبح عارية، بل تصبح موضوعاً فنياً وتلبس ثوب الجمال، فلوحاتي التي رسمتها منذ عام 1972 إلى يومنا الحالي ، تختص في موضوع المراة . وهنا أشير ان رسم المرأة فيه صعوبة وبحاجة الى خبرة وممارسة طويلة ، في معرفة جمالية شكل الإنسان ومقاييسه. الجمال موجود في اللوحات وليس في النساء فقط . الجمال في المفهوم الفني هو جمال اللوحة ، هو البحر الموجود فيها، هو المراة المرسومة، هو كل شيء يتدخل فيه الانسان ويبدعه من روحه ليصبح فنا. اللوحة هي عمل تشكيلي أما المرأة كموضوع فتلعب دورا" ايجابيا " في إبراز جمال اللوحة ، لذلك هنالك مسؤولية بحيث لا يقل جمال اللوحة عن جمال المرأة في الواقع.

 

 - من أين تستشف فكرة لوحاتك؟ .

 

ـ اللوحة لا تولد ، بل تكون نتاج تجارب عمرها يمتد على فترات طويلة، هنالك في الأعماق تراث طويل لا تستطيع تجاهله أو تذكره، ولا تستطيع إلا ان تحترمه وهو غير قابل للتكرار.

حين ارسم اللوحة اشعر أن هنالك تراثاً وحضارة وأيادياً تساعدني كي انجزها وأجد نفسي أمام موقف من الجدية في مخاطبة جمهور في الماضي وآخر في الحاضر والمستقبل ، أريد أن أعرض عليه هذا النتاج الفني.

 

ـ هل اللمسات الفنية في بيتك استكمال للفن في لوحاتك؟

 

ـ  أعتبر بيتي عملاً فنياً كبيراً ، بنيته حجراً حجراً بشكل منحوتات،وأنجزته يوما بعد يوم حتى أصبحت أشعر أنه عمل فني كبير . فعندما أدخل إليه وأخرج منه وأرسم فيه أشعر كأنه جنتي التي أدخل اليها .

 

 - برأيك هل تأثر الفن التشكيلي بالتطور التكنولوجي الذي تشهده تقنيات الكومبيوتر؟

 

 ـ نعم لقد تأثر الفن بشكل ايجابي. الآلة،.. مثل الكمبيوتر وصور في الكاميرا الرقمية. ساعدت الفنان على اختزال الوقت، وتحديد المقاييس أحيانا. الكمبيوتر مثلاً هو آلة يمكن استعمالها مثل الريشة،.. ويتوقف ذلك على قدر ما نكون متداخلين وصادقين وقريبين بنفسيتنا لاستعمالنا هذه الالة بطريقة مبدعة ،فنحن نعطيها روحا وإحساسا إنسانيا. الآلة تساعد لكنها بحاجة الى روح ، فاليد هي آلة العقل التي تظهّر الأحاسيس التي نأمر الآلة بها.

 

 

ـ هل تنجز  اللوحة انطلاقاً من حالة نفسية ما؟

 

ـ المزاجية هي الضعف، عندما قدم سعيد تقي الدين كتاب أدونيس " قالت الارض"، كتب حينها : كلهم ينتظرون الوحي لكي يسقط عليهم لكتابة الشعر، لكن أدونيس لا ينتظر الوحي بل هو الذي يهبط عليه". بالنسبة لي الوحي هو الممارسة المستمرة ، هو الانسان المبدع ، هو الإله الموجود في

داخلنا في حالات الإبداع نحن آلهة مركبة من عناصر معقدة .

 

 ـ أين موقع الجسد في عملية الإبداع؟

 

الجسد هو الإله الصغير الموجود في أعماقنا . بعكس الأفكار المقولبة ليس هنالك نزوات في الجسد بل فيه مقدسة ، هي غاية الحياة وحب الله وحب الذات ، هي غريزة البقاء،.. والسؤال عن الوجود وليست الغريزة الجنسية فقط ، فالانسان حضارة كبيرة , لا ينتبه لها العابرون ولا يفجرها النمط السائد، ، يحتقرها ولا يحترمها. الجشع المادي والحروب المتراكمة تمنع الانسان من اللقاء مع ذاته.

 

 

- لماذا أغلب الرسامين لا يعرفون الشهرة إلا بعد وفاتهم، وتدخل لوحاتهم في المزاد العلني؟

 

ـ الفنان، عموماً، لا يأخذ حقه في حياته ، فالفن يأخذ وقتا كي يكرّس إبداعه ، ولا تعرف دائما ان الرسام مبدع، لانها عملية غامضة، وهناك في الحياة أسرار الفنان هو الذي يكشف عنها الغطاء. هنالك فنانون تكون أعمالهم ثمينة وهم على قيد الحياة، وهناك آخرون يأخذون وقتا فتعود اعمالهم لتبرهن عن أصالتها لأن الفن عمل روحي وله طابع الخلود والأبدية تصبح،الإبداعات الفنية نادرة وثمينة.

 

- إلى جانب الأعمال التشكيلية لديك كتابات في مجالات متعددة ، هل هناك فرق كبير بين الرسم والكتابة؟.

 

نحن شعب نتعلم الشعر ولا نتعلم المسرح والسينما والرسم ، نشعر بالحياة من خلال القصص والحكايات والشعر.إذ جلّ ما نتعلمه هو أن نكون فصيحين في الحياة، فنظرة المجتمع تتركز على الفصيح الذي يعرف ان يتكلم ويتقن فن الخطابة. أما الرسام أو السينمائي فلا يطلقون عليه صفة الفصاحة. يبقى الذكي في مجتمعنا وتراثنا هو الشخص الذي يعرف ان يتكلم ويكتب ، والغلبة للكلمة المكتوبة. شخصيا ، تعبت من الكلمة، وأنتمي إلى اللون ، الى الصورة والشكل.

إذ هنالك إرث كبير على الفنان مواجهته كي ينتزع منه رؤية جديدة هي الصورة التي لا تنطق ولا تنقل بسهولة في الكتابة. بل تصبح أكثر فصاحة في الصور والألوان .

 

- لماذا لجأت إذن إلى نشر الكتب؟

 

لجأت إلى هذه الوسيلة لأن الناس لا يذهبون الى المعارض ولا يوجد لدينا متاحف لتعرّف الناس على الفن. وأنا أول من نشر كتاباً حول قصة الحرب الاهلية مكتوبة بالصور التي تشمل الفترة من عام   1976إلى 1977 ونشرتها في كتاب معتبرا أنها الوسيلة الوحيدة التي تقرب الانسان من الصورة ، وهي عبارة عن "دواوين" بصرية يشاهد فيها الانسان صوراً تقرأ بالعين المثقفة، وهي صور تعبيرية قريبة من الواقع أعدت بأسلوب خاص ليراها الإنسان بوضوح.

 

 

ـ هل هنالك من يدعم الانتاج الفني في لبنان؟

 

ـ الحقيقة، الشعر والرسم والفن والموسيقى ضمير الوطن الذي نترجمه بمحبة وعمق، نحاول أن نتمثّل الجمال والتراث الموجود في لبنان ضمن كتب واعمال فنية ، ونفعل ذلك بمجهود شخصي

للأسف، ليس هنالك في لبنان ثقافة توحد الناس. فالنظام اللبناني غير مستقر و غير مرتكز على قواعد الانتماء للوطن ، الناس ينتمون الى طوائفهم وعائلاتهم وقبائلهم، ولا احد ينتمي الى الوطن. حين يصبح المواطن متجرداً من كل القيم التي تفرّق يصبح عمل الفنان ذات قيمة ، على قاعدة ثقافة واحدة وضمير وطني متوحد.

 

ـ هنالك مشاكل معنوية تواجه الفنان ، ماذا عن المشاكل الأخرى؟.

 

 ـ هناك مشاكل كثيرة تواجه الفنان، خصوصاً من الناحية المادية إذ لا تتوفر له الإمكانية والقدرة الكافية لنشر جميع مشاريعه بسبب التكاليف الباهظة .

 

ـ ولكن،.. ماذا عن دور وزارة الثقافة؟

 

ـ صحيح أن هناك وزارة ثقافة، لكن الوزارة تابعة لاشخاص معينين، ولمزاجية وأهواء المديرين والأشخاص المقربين والمدعومين.

 

ـ ماذا عن نقابة الفنانين اللبنانيين؟.

 

ـ كنت أمين سر نقابة الفنانين اللبنانيين للرسم والنحت لعام (1991-1992) لكن هذه الجمعية مثلها مثل كل شيء في لبنان، بحاجة إلى دعم وتجهيز ومواكبة. هنالك عجز أمام المنتجين في الفكر والفن في لبنان، فلا يتم حتى تكريمهم ، بل تكريم السياسيين.

 

ـ هل لديك  أعمال جديدة ستظهر قريبا ؟

 

ـ هناك منشورات أحاول أن أصدرها ضمن كتب، وهي عبارة عن مجموعة عن الحرب الأخيرة، ومجموعة عن علاقة الانسان بالبحر، وهي علاقة خاصة تشبه السفر والرحيل والغربة والمجهول، وتشبه المغامرة والمفاجأة والعودة. ولكن كل ذلك يتطلب إمكانيات مادية ودعما. مثلا هناك نوع من الفن ليس بحاجة إلى دعم مثل الموسيقى او المطرب، أما الموسيقار والرسام والممثل والمبدع فهو بحاجة إلى دعم مختلف كي يصدر أعماله.