العدد السابع عشر - كانون الأول 2006

وهم استثمار الدراما التلفزيونية السورية كاقتصاد المعرفة........

نجيب نصير
الثلاثاء 19 كانون الأول (ديسمبر) 2006.
 

يتحمس بعض الباحثين المهتمين بالاقتصاد إلى ضم الدراما التلفزيونية إلى قوائم الفعل الاقتصادي الناجح، ويغدقون على الحراك الدرامي صفة اقتصاد المعرفة، وهم بذلك، يقعون في الالتباس المكرر نفسه، حين ينظرون إلى الفعل بمعزل عن حاضنه الاجتماعي أولاً، ومن ثم حاضنه الزماني،.. أي ما يمكن تسميته الإنجاز في الوقت المناسب، وثالثاً القوام العلمي الذي يقوم عليه هكذا نوع من المنتجات، حيث تتوازى الاختراعات في صنفيها المادي الفيزيائي والمعنوي المفهومي. ويجب الاعتراف أنه لا يمكن لاقتصاد معرفي أو غير معرفي أن يحيا من دون الاتكاء القصدي على هذه العوامل الثلاث (على الأقل)، حيث لا يمكن لهذا (الاقتصاد) تجاهل أي شاردة أو واردة من دون خسارة مقابلة لها،.. وبالتالي اختلال موازين التأسيس ليصبح حدوث طفرة أو معجزة هو الكفيل بتفسير ظاهرة تم احتسابها على آخر ما أنتجته الحداثة من أدوات. هذا،.. للحق معجزة (أي الدراما التلفزيونية السورية)، ففي ظرف إنتاجي غرائبي، لا يمت لأسس اقتصاد المعرفة بصلة،. نرى مسلسلات وانتاجات درامية تملأ الشاشات. ولكن،.. لا أحد يدري هل ستستمر هذه الصناعة؟ أم سوف تتوقف لمجرد انزلاق بسيط في أسسها فيتوقف أحد فروع (اقتصاد المعرفة) لمجرد أننا لم (نعرف) في الوقت المناسب.

الدراما التلفزيونية هي بنت التلفزة، والتلفزة هي ابنة شرعية لاجتماع المعرفة العلمية، من فيزياء وكيمياء،.. الخ. مع الإعلان السياسي الاقتصادي الممول لهذا النشاط / الاختراع، أي أننا أمام علاقة حداثية مركبة تتطلب منا، كصناع دراما تلفزيونية، أن نكون في المستوى المعرفي المعقول والقادر على مجارات التطور في هذه الممارسة التلفزيونية وفي الوقت المناسب، من دون اللجوء إلى بهلوانيات تبرير الإخفاق التي لا تعيد إلى الدراما أياً من عوائدها المتوقعة أو المدروسة تحت شعار اقتصاد المعرفة.

في المقام الأول لا يمكن إنتاج دراما تلفزيونية هي في حقيقتها العميقة معاكسة للدراما كمنتج ثقافي،.. وضد التلفزيون كمنتج علمي، وذلك كله.. تحت شعارات الخصوصية، والأصالة، والأخلاق، والتقاليد، فهذه الشعارات وغيرها تقودنا إلى تكرار إنتاج ما هو معروف سلفاً للمشاهد / المستهلك، أي فقدان عنصر الدهشة التي يسعى إليها المتفرج، وهنا يبدو تكاثر عدد المحطات الباثّة نقطة ضعف أكثر مما هو مجال أوسع للتسويق، فخيارات المشاهد الذي ملّ التكرار أصبحت متفوقة على أدوات صانع الدراما، حتى لو كانت الأمية هي أحد أهم الأسباب الداعية إلى إنتاج دراما تلفزيونية عربية،.. ومنها الدراما السورية، حتى ليبدو شعار العوربة بديلاً عن العولمة يتكئ بطريقة ما على هذه الأمية التي نسعى لمحوها، لكن هذا الشعار نفسه قد تضاءل أمام حركة الإعلانات الممولة للمحطات الباثة، إذ يكفي محطة واحدة ناجحة حتى تتراكم فيها الإعلانات ذات المسميات العولمية التي لم تعد تخفى على أحد، فمن مسحوق غسيل معولم إلى كريم مقاومة التجاعيد إلى القهوة الجاهزة والمشروبات الغازية... الخ الخ، نعرف أن هذه المحطة أصبحت بحاجة إلى الجديد كي تستطيع رفع زخم إعلاناتها وأرباحها كشرط لاستمرارها. والجديد هو حتماً تجاوز الشعارات الآنفة ومنطلقاتها ليصبح الفن (على الأقل) مهنة غير مؤثمة اجتماعياً (على سبيل المثال)، وليصبح رأس المال المنتج للدراما رأسمالاً اختصاصياً يأخذ مشروعيته من اختصاصه أي من مهارات الاحتراف وليس من أكداس البنكنوت التي إذا لم تعمل في الفن يمكنها العمل بالبورصة. بالنتيجة فإن كسر المحظورات الاجتماعية هو الطريق الوحيدة للحفاظ على ديمومة الدراما التلفزيونية كمنتج ثقافي.

من طرف آخر يبدو الارتقاء بتقنيات (ماكينات) الإنتاج المتلفز من تصنيع وبث، في تطور متسارع، بينما نحن ولحظة إقدامنا على إنتاج الدراما التلفزيونية نبدو خاسرين نقطة أولى، فإنتاج هذه (الماكينات) يتم خارجياً، وينتمي إلى عقلية مجتمعية مختلفة وتملك المبادرة، ولكن الأهم بالنسبة لنا هو القدرة على الاستفادة من هذه العقلية المختلفة قبل انتهاء صلاحياتها وظهور أجيال جديدة متطورة أكثر تضعنا في آخر السلم، خصوصا أننا لا نشارك في إنتاجها، وليس لدينا فكرة أصلية عن الموضوع، حيث عامل الزمن لا يتسامح ـ (نذكر هنا دخول الفاكس والموبايل والانترنت متأخرين، وتأثير هذا التأخر) ـ مع المقصر، فالزمن يمشي ولا ينتظر من اعتبر نفسه ناجحاً نسبياً أن ينهي تلمّظه كي ينتبه أن هناك أشياء حصلت، واليوم تبدو (الكوالتي) كعنصر أكثر من مهم لقبول المادة التلفزيونية في السوق، لذلك تبدو المعارف الطازجة والحصول عليها بشكل مؤكد، كجزء لا يتجزأ من إنتاج دراما تلفزيونية معاصرة، مع العلم أن هذه الطزاجة لا تنفع إلا إذا ترافقت بذهنية حداثية مناسبة لمواكبة عصر الصورة هذا.

وبالعودة إلى اقتصاد المعرفة نرى أننا لا يمكننا التفكير به كملعب منعزل، فالبنية المطلوبة أكثر بكثير من مهارات أفراد يمكن استثمارها في الدراما التلفزيونية أو غيرها، فاقتصاد المعرفة هو اقتصاد حداثي،.. أي ينتمي إلى البنية المجتمعية المفتوحة غير المتخوفة من أي تغيير يحصل في العالم على أي صعيد (خصوصاً الأخلاقي)، ولها قابلية الأخذ والعطاء والمشاركة، كي لا تتحول إلى ضحية عولمية بدلاً من أن تكون علمياً مقدرة اختصاصية على التفاعل مع العالم. ويكفي نظرة واحدة إلى الجوائز الذهبية للصف الأول من مهرجانات السينما في العالم لنلحظ كم من هذه الجوائز يذهب إلى بلدان صغيرة ذات خصوصية ظاهرة، لنعرف إلى أي أفق ناجح يقود تأثير الاتصال المفتوح مع العالم....