العدد السابع عشر - كانون الأول 2006

قضية المرأة في قلب وعين رسول الإسلام

رباب الكزبري الخطيب
الثلاثاء 19 كانون الأول (ديسمبر) 2006.
 

إن قضية المرأة، مطروحة للبحث على نطاق واسع في حياتنا المعاصرة، سواء على صعيد الشعور أو علم الاجتماع، وإلى الآن لم يقدّم هذا العلم أجوبة حاسمة عليها؛ كذلك نرى أن كل اتجاه فكري، أو حقبة زمنية، أو كيان اجتماعي يتناولها من زاويته الخاصة، ومن الواضح أن الكتّاب والباحثين الذين تعرّضوا لهذه المسألة في سيرة النبي محمد (ص) لم يسلموا من الوقوع في فخ الاستباق والتسرّع في إصدار الأحكام؛ لأن نظرة الفرد إلى المرأة في المجتمع، وفي الحياة، وفي الشعور، تتأثر تأثراً شديداً بلون الزمان والبيئة التي يعيش فيها.

 ومن الطبيعي أن البحث العلمي في أيّ مقولة تختلف من عصر إلى آخر، ومن مكان إلى ثان، إذا لم ينجح الباحث المنصف في تحرير رؤيته من لون العقيدة والعادات والرغبات والحاجات التي تحتمها عليه بيئته، والتخلص من نزوعه نحو إصدار أحكام مسبقة في الموضوع، فإن نيل الحقيقة الموضوعية سيكون من العسير جداً عليه، لأنه علينا النظر إلى كل بيئة، ومرحلة زمنية بمنظار تلك البيئة، وهاتيك المرحلة، ومن ثم تقيمها عبر النتائج والمعطيات انطلاقاً من هذا المنظار، وإلا فإن الجهد العلمي سيصبح بلا طائل، ولا جدوى من ورائه.

إن قضية المرأة مرتبطة إلى حد بعيد بالطابع الزمني والبيئي الخاص بها، لدرجة أن بعض السلوكيات،.. التي تعدّ في مرحلة زمنية أو بيئية معينة أمراً إنسانياً رفيعاً، قد تنقلب صورتها إلى جناية بحق الإنسانية إذا نظر إليها من منظار زمني أو بيئي مغاير، ومثاله تعدّد الزوجات!..

لاشك أن الوجدان المعاصر يشمئز من هذه الظاهرة ويمقتها، ويعتبرها سلوكاً مشيناً بحق المرأة.. بينما نجد أن هذه الظاهرة بعينها كانت في الماضي، وفي مجتمعات بدائية قديمة حلاً رفيع المستوى لمعضلة اجتماعية حادة، تتمثل في كثرة النساء اللواتي يموت أزواجهن بقتل أو بغيره، ويبقين هنّ وأولادهن تحت رحمة القدر الذي لا يرحم في مجتمع يُعد الرجل هو المصدر الوحيد للحفاظ على وضع الأسرة، وصيانتها من الضياع والانهيار بوجه التحديات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية.

محمد نبي الإسلام كرّس جزءاً كبيراً من همّه واهتمامه لمعالجة قضايا المرأة واستعادتها مكانتها الإنسانية والاجتماعية في عدة أمور،.. من أهمها إعطاؤها حق التملك الفردي، والاستقلالية الاقتصادية، وفي الوقت نفسه ألزم الرجل بتأمين نفقات الزوجية، على نحو يكون من حق الزوجة المطالبة حتى بأجرة إرضاع الولد، وألزمه أيضاً بدفع المهر، وإن عاد هذا الأمر منبوذاً اليوم وبحق...

هذه الأمور أمثلة، وشواهد دالة على أن الإسلام يحفظ للمرأة شخصيتها ويضمن لها رصيداً مالياً يعينها على نوائب الدهر، ما يؤمن للمرأة حداً من الاقتدار أمام الرجل الذي لطالما سعى لفرض هيمنته المطلقة عليها.

إن الإسلام بقدر ما يناهض نزعة التمييز العنصري بين المرأة والرجل، فهو لا يساند الأفكار الداعية إلى المساواة بين الاثنين، إنه يفسح المجال اجتماعياً لكل من الرجل والمرأة للعب دوره واحتلال مكانه الطبيعي في عملية البناء والتطوّر.

الإسلام يعدّ التمييز الأدبي والإنساني بين الرجل والمرأة جريمة وجناية، ولا يقرّ في الوقت ذاته بمبدأ المساواة بين الجنسين، وذلك أن الإنسانية تأبى الأول، والطبيعة لا تنسجم مع الثاني.

المرأة من حيث الطبيعة ليست أقل شأناً من الرجل، وليست مثله أيضاً،ففي قانون الطبيعة (المرأة والرجل) مخلوقان يكمل أحدهما دور الآخر في المجتمع والحياة. ومن هنا يحرص الإسلام خلافاً للحضارة الغربية، على منح المرأة والرجل حقوقاً طبيعية لا حقوقاً متماثلة.

لقد سعى النبي محمد عملياً لتأمين حقوق المرأة وشخصيتها التي قرّرها الإسلام لها كحق غير قابل للانتزاع. فراح يأخذ البيعة من النساء (المرأة والقرار السياسي) وفسح لهن المجال للدخول في قائمة أصحاب النبي (المرأة والتشريع)، وكان يجلس فاطمة ابنته بجانبه أمام أنظار الناس وهو يتحدث إليهم، ويتعمد المجاهرة بحبه واهتمامه لها كأنه يريد أن يؤكد أن البنت عزيزة كالولد، وليست عاراً على أهلها، وأن يرسّخ هذا المعنى في أذهان قوم وصفهم القرآن بقوله (وإذا بشّر أحدهم بأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشّر به، أيمسكه على هونٍ أم يدسّه في التراب، ألا ساء ما يحكمون) (النحل 57 ـ 58) وعندما خطبها عليّ وقف النبي على باب حجرتها، وبكل أدب وصفاء وصراحة مشوبة بالحياء، قال لها: إن ابن أبي طالب يذكرك ثم وقف بانتظار الجواب، فإن هي مانعت ستغلق الباب (وهذه هي الصراحة) وإلا فسكوت المرأة رضاها، وهذا هو الحياء، وعندما أراد علي أسوة بالعصر الذي عاشه أن يعدد عليها زوجة أخرى، قام النبي وخطب في الناس ملحاً على علي إما البقاء على أحادية الزوجة الواحدة أو الفراق. وهنا نرى أن التعدد مرحلة برزخية بين الحلال والمنع. وأنه يمكن لولي الأمة أسوة برسول الله محمد أن يمنع تعدد الزوجات في هذا العصر إذا وجد أن مصلحة المجتمع تقتضي ذلك، وهذا يدل على مرونة تعاليم الإسلام وصلاحها حسب الأحوال،.. وعدم صنميتها، لأنها وسيلة في ذاتها وليست غاية، تهدف لإحلال السلام والأمن في المجتمع.

سلوك النبي مع زوجاته كان بمستوى من الأدب والمرونة والحنان، يأسر اللب ويحيّر العقول ويقارب حد الإعجاز في مجتمع أجلف،.. كالمجتمع الذي ظهر وعاش فيه محمد.

محمد الرجل الذي كان كياناً تتجسد فيه، وهو خارج البيت، القوة والرجولة والصلابة، فما أن يفد على أهله حتى يتحول إلى إنسان ودود سمح يتسم بالبساطة في التعامل، وبتساهل جرّأ عليه زوجاته، وذات يوم آذينه كثيراً، وخلاف السائد فيما مضى من طرد النساء من البيت، خرج محمد بنفسه من البيت ليقيم في مذخر للدقيق كان مشيداً على مرتفع، هجر نساءه مدة شهر،.. وكان حزيناً للغاية.

لقد كان سلوك زوجاته معه من أكبر مشكلات حياته، وهذا أمر طبيعي،.. على اعتبار الفارق الشاسع بينه وبين نسائه روحاً وفكراً، لكنّه كان يصبر ويتحمّل كي يعطي دروساً عملية لرجال مجتمعه الأجلاف باحترام المرأة وتقدير شخصيتها،.. والسبب الآخر في عدم رضا زوجات النبي عليه حالة التقشف اللواتي كنّ يعشنها. فلربما مرّت عليهن شهور من دون أن يرتفع دخان من مواقد بيوتهن، طعامهن غالباً الماء والتمر والشعير،.. لا غير.

وكان النبي يقول مراراً: إنما حُبّب إليّ من دنياكم ثلاث: الطيب والنساء وجُعلت قرّة عيني في الصلاة.

كان يلتزم جانب العدالة في سلوكه مع زوجاته، ويوزع أيامه بينهن بالتساوي، لكنّ قلبه كان أميل إلى عائشة. فهي الفتاة الوحيدة التي جاءت إلى بيته بكراً، أما الأخريات فكنّ جميعاً أيامى،.. بين أرامل ومطلّقات، اقتضت المصلحة السياسية أو الأخلاقية زواجه منهن.

لطالما سعى دعاة التبشير غير الإسلامي، والكتّاب المغرضون أو الجهلة المتأثرون بتلك الدعوات، للعثور على نقطة ضعف في الروح العالية لمحمد ، ولما كانت التربية الأخلاقية المسيحية تعتبر جمال المرأة فتنة، والميل إليه لوناً من ألوان الفساد، لدرجة الحث على ترك الزواج جلباً لمرضاة الله، ونظراً لأن الوجدان الاجتماعي الغربي يتحسس من ظاهرة تعدد الزوجات، ويرفضها، فقد كانت ثمة محاولات من بعض الغربيين لإظهار محمد بمظهر دون جوان شرقي مولع بالنساء، وحريص على أن يكون له بيت خاص بالحريم. وفي هذا السياق أثاروا ضجيجاً وصخباً حيال قضيتين، إحداهما تعدد زوجات النبي، والثانية قصة زينب بنت جحش، التي هي أخت المهاجر الكبير عبد الله الذي ختم بالشهادة حياته وابنة جحش، وحفيدة عبد المطلب من جهة الأم.

هذه الأمور، وقائع اجتماعية واجهها النبي محمد،.. ولا مجال لإنكارها وتجاهلها، خصوصاً من قبل النبي الأكثر واقعية بين جميع قادة البشر، إن على الصعيد الأخلاقي أو على الصعيدين الاجتماعي و السياسي. فهو لم يكن يتجاهل أبداً الحقيقة الواقعية، وأبرز خصائص الإسلام ونبيه هو الاعتراف بالواقع والواقعيات.

الإسلام لا يتهرب أبداً من مواجهة الواقعيات، إنه يعترف بوجودها أولاً، ممهداً الطريق لتوجيهها بالاتجاه الذي يريده. إن أكثر الأمور خطورة هي الواقعيات التي لا يعترف بها رسمياً ولا يسمح بأن تتخذ دورها الطبيعي في نظام الحياة وفي تشريع الإسلام للجهاد والطلاق، وتعدد الزوجات، والقصاص، وحق التملك، والتمتع بالموائد الأرضية سعي عملي للجم الواقعيات المتمردة، عبر الإقرار بما هو موجود كشرط لمعالجته.

محمد صاحب القلب الذي لم يعرف الخوف إليه سبيلاً، هو الآن يكابد الخوف والقلق، والاضطراب. الواقع، أنه كان يخشى في طلاق زيد وزينب الأول: كراهة أن يسيء الناس فهمه، ولا شيء أشد وقعاً وألماً على روح طاهرة مرتبطة بالسماء من أن تصبح ضحية الفهم القاصر والنظرة الضيقة لطحالب المجتمع التي تكثر في مستنقعاته الآسنة. مضافاً إلى ذلك أن أمامه معضلة أخرى من نوع المعضلات التي تُشيّدُ جدراً تطوّق المجتمع، وسدوداً تقف بوجه الثائرين، تلك هي العادات والتقاليد القديمة المتجذرة في عمق وجدان الأمم، يحيط بها سور من التعصب البغيض.

التبني مرحلة برزخية بين الرق والحرية، والولد المتبنى نصف حر ونصف عبد، وإحدى مواصفاته القانونية التي تميزه عن سائر الأحرار أنه لا يحق لسيده السابق الذي هو الآن أبوه بالتبني، أن يتزوج من المرأة التي كانت زوجة له، فالعرب تعتبر ذلك عاراً. لكن،.. لماذا هذا العار؟.. لماذا تحرم المرأة من حق تتمتع به سائر النساء، سوى أنها تزوجت برجل متحرّر؟!.. وبالتالي لابد من صنع شيء يقود إلى إلغاء هذا الرسم وتحرير الإنسان المحرّر وزوجته من كل الأواصر والقيود التي تربطهم بالماضي المرير. وتصنع حواجز تفصل بينهم لحاجة اجتماعية، جاء لرفع هذا التقليد وإماتة هذه السنة الخطأ..

(أدعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله، فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم..).. والأخرى، الآن تحررت زينب من فخ الزواج المصلحي، وتحرر زيد من عذاب الزوجية مع زينب.

زينب أرادت بعد التحرر من القيود الالتجاء إلى كهف قريبها العزيز الكبير، لكن النبي بدا متردداً،.. ماذا سيقول الناس؟.. وآثر الصمت على الكلام إلى أن أثقلت السماء وهبط منها نداء الوحي حاداً (وتخفي في صدرك ما الله مبديه وتخشى الناس).. (الأحزاب: 37).

ما قيمة رضى هؤلاء الناس حيال تحرير إنسانين غير منسجمين اجتمعا في فخ واحد غير راغبين بالبقاء معاً، وكانت السعادة تنتظر كلاً منهما خارج هذا الفخ؟ وما قيمة رضى هؤلاء أو سخطهم إذا كان في هذا الأمر تحطم لسنة ذائعة ليس فيها من جدوى سوى تذكير المجتمع بعبودية رجل وهوان امرأة؟!..

فجاء الجواب وحياً، لقد اختير النبي لهذه المهمة الصعبة (وإذ تقول للذي أنعم الله عليه، وأنعمت عليه، أمسك عليك زوجك واتق الله..) الأحزاب 37.

فكان زواج النبي من زينب بدافع مصلحة الدين، وهي من أبرز الأمور التي تجلّت فيها روح القيادة في شخصيته، إذ بلغ الأمر به التضحية من أجل الحق. إن التضحية بالاسم والسمعة من أجل الحق والناس هو قمة في الإخلاص، لا يدرك معناها إلا ذو حظ عظيم.

إن القضايا الأخلاقية والاجتماعية تواجه تاريخياً مصيراً يشبه المصير الذي تواجهه الألفاظ والكلمات بمرور الزمن من تحوّل وتبديل ومعروف أن روح الكلمات ومعانيها وحتى طريقة تلفظها، تخضع لتأثير عاملين أساسيين، الزمن والبيئة. كما أن الكثير من المسائل الإنسانية والأخلاق الاجتماعية كذلك أيضاً. ومن هذه المسائل مسألة تعدد الزوجات،.. بل إن الزواج بذاته كان يحمل مفهوماً مغايراً لما عليه اليوم. كان في الماضي نوعاً من الطقوس الاجتماعية، الغرض منها استحداث علاقات وروابط ومواثيق جديدة، وبالتالي يكون للعوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وحتى الأخلاقية، تأثير أكبر من تأثير عامل الحب واللذة لذلك،... إذا أردنا أن نعبر الزمان إلى حقبة النبي محمد ، فنعيش مناخ تلك الحقبة، ونتساءل،.. هل كان في سيرة محمد شخصية (دون جوانية) كما يتهمونه؟. إن من يريدون وصم رجل ما بأنه زير نساء يعمدون في الغالب إلى قراءة وقائع حياته أيام الشباب والفتوة،.. حيث تتنامى هذه النزعة في سنوات الشباب. غير أن التاريخ الذي يروي لنا تفاصيل جزئية عن حياة النبي وسيرته مع زوجاته لا ينطوي على مفردة واحدة تعكس شيئاً من هذا القبيل في سلوك محمد ص أيام شبابه، فالرجل كان حليف الفقر والمعاناة إلى سن الخامسة والعشرين من عمره، وأول امرأة تعرّف عليها في حياته وتزوج منها هي خديجة،.. المرأة الثيبة البالغة الأربعين من العمر، والمتزوجة من قبل مرتين، ولها أولاد بعمر محمد. لقد قضى محمد سنوات شبابه، بل وكماله مع هذه المرأة..!.. وعلى مدى ثمانية وعشرين عاماً أمضاها معها لم تدخل حياته أيّ امرأة أخرى. وما لا يجب التغاضي عنه هنا أنه كرجل حينما كان في عنفوان شبابه، شأنه في ذلك شأن سائر شبان قريش، لم يكن مكبلاً بوجاهة اجتماعية أو محاذير أخلاقية أو مسؤوليات سياسية أو عسكرية، والأهم من ذلك كله أنه لم يكن يتحمل آنذاك مسؤوليات الرسالة الخطيرة. إن فتى عبد الله الشاب العاري عن أي مسؤولية والتزام، يمضي حياته مع "أيم" عمرها أربعون وحتى السبعين عاماً من دون أن يحدّث نفسه بهوى امرأة أخرى. إن المؤاخذة التي سجّلها خصومه وأثاروا حولها ضجيجاً واسعاً هو التغيير الذي طرأ على حياته بالمدينة في عدد الزوجات، ناسين أو متناسين أن ما يلبي طموح الرجل وشهوانيته هو جمال النساء لا عددهن. لحسن الحظ أن بوّاب دارة الحريم في (بلاط) محمد هو التاريخ الذي يعرف خصائص كل واحدة من زوجاته بالتفصيل،.. كيف وفدت على هذا البيت،.. وكيف عاشت فيه.

عائشة بنت أبي بكر، الفتاة الوحيدة التي ولدت في الإسلام، وهذه الخصوصية شجعت بعض أصحاب محمد على التفكير بأن تكون أول امرأة تولد في الإسلام ولم تر الجاهلية زوجة لنبي الإسلام، أبو بكر تقدّم بنفسه بهذا الاقتراح إلى النبي.

عائشة الفتاة البكر الوحيدة التي وطأت بيت النبي محمد وهي الوحيدة التي كان لجمالها وطراوتها تأثير في قلبه فيما بعد، إن زواجه بها، إضافة إلى بعده الرمزي، لوحظت فيه أبعاد موضوعية ومصلحية، تفي أي مجال للحديث فيه عن دوافع بحت غريزية.

سودة بنت زمعة زوجة ابن عمها سكران بن عمر من أوائل المسلمين، بعد عودتها من الهجرة وقد عانت كثيراً فقدت زوجها، وبقيت بلا ملاذ، ولم يكن أمام محمد سوى أن يؤوي تلك المرأة الطاهرة التي تكاد حياتها تؤول إلى خراب، بأن جعلها زوجة له وبديلة عن خديجة!؟..

هند (أم سلمه)... بنت أبي أمية، وزوجها عبد الله المخزومي المجاهد الكبير توفي متأثراً بجراحه بعد غزوة بني الأسد، بقيت وحيدة مع أولادها. لكن النبي تزوجها وكفل أولادها.

رملة (أم حبيبة) بنت أبي سفيان، التي أقدمت على عمل تضحوي كبير حين آمنت بمحمد في قمة صراعه في مكة مع أبيها، وهاجرت إلى الحبشة مع زوجها الذي تخلّى في مهجره عنها ، وتركها وحيدة هناك. تزوجها النبي، وتولى النجاشي ملك الحبشة أمر عقدها وكيلاً عن محمد ودفع صداقها. إن في زواجه من ابنة خصمه اللدود أبي سفيان مغزى لا يخفى على الحصيف.

جويرية بنت الحارث، كبير قبيلة بني المصطلق، استطاع بزواجه منها أن يحلّ الحب والمودة محلّ الحقد في نفوس بني المصطلق، إذ بعد زواج النبي من جويرية صار أسرى بني المصطلق أصهار النبي،إذ أطلق الصحابة سراحهم، ودخلوا في الإسلام. كذلك صفية ابنة زعيم بني قريظة، خيّرها بين العودة إلى أهلها أو عتقها والزواج منه فشاءت الخيار الثاني.

ميمونة، أخت أم الفضل زوجة العباس بن عبد المطلب، وخالة خالد ابن الوليد، تزوجها النبي خلال فتح مكة، وأدى زواجه منها إلى زوال الكثير من الحواجز القائمة بين محمد وقريش.

حفصة، ابنة عمر بن الخطاب، مات عنها زوجها فتزوجها النبي، وبهذا الأسلوب قوّى علاقته بعمر الذي يعد من الشخصيات المؤثرة كثيراً في الإسلام، وذلك على غرار ما فعله مع أبي بكر وعثمان وعلي من إيجاد علاقات مصاهرة.

زينب بنت خزيمة، زوجة عبيدة بن الحارث الذي استشهد في بدر، وكانت زوجته مسنة وعجوزاً للغاية. تزوجها لأنه لم يكن يريد لزوجة شهيد أن تذل في آخر أيام حياتها. لقبت (أم المساكين) لأنها أوقفت حياتها على كفالة الأيتام.

هؤلاء هن سيدات بلاط النبي.

 إن التمعن والتأمل الدقيق في الآيات المتعرضة لمقولة تعدد الزوجات توضح فلسفة التعدد وشروطه الموضوعية.

فالقرآن يلزم الرجل أولاً بمراعاة العدل بين النساء، ولا يلبث أن يعترف بأن ذلك غير ممكن (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم).

حتى الجواز بالتعدد جاء في سياق الكلام عن أحكام اليتامى، ومعروف أن الأرامل واليتامى تواجه في المجتمعات المتخلفة، التي تفتقر إلى الدولة والمؤسسات الحكومية والاجتماعية، مصيراً حالكاً ومستقبلاً أسود. (وآتوا اليتامى أموالهم ولا تبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوباً كبيراً. وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فأنكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع. فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا) النساء 2 ـ 3.

فبعد الحرب العالمية الثانية برزت أزمة حادة بسبب هلاك ملايين الذكور في أوروبا، وعلى وجه التحديد ألمانيا والنمسا، وقد انتشرت موجات البغاء والفساد بين أوساط النساء والأرامل والأطفال، وكانت المشكلة على مستوى عالٍ من الجدية،وتركت آثاراً بارزة على روح المجتمع الأوروبي مما دعا النخبة المثقفة إلى الدعوة إلى فلسفة تعدد الزوجات،.. وموارد الحاجة إليه.

والذي أبغي قوله هنا، إنه لا ينبغي أن تؤخذ قضية تعدد الزوجات في الماضي وفي مجتمعات بدائية فينظر إليها بعين معاصرة،.. وبالمعنى الذي يفهم اليوم.

أنا كلّما يخطر في بالي دار نبي الإسلام وأسلوب معيشته، وكيف أنه قضى عز شبابه مع أرملة تراوح عمرها بين الخمسين والسبعين عاماً، وقضى كهولته مع أيامى وأرامل أكل الدهر عليهن وشرب،.. أمثال أم سلمة، وزينب بنت خزيمة وسودة.. وكان بمقدوره أن يحظى بنساء أكثر جمالاً، وحياة أوفر رخاءً.. وكلما سمعت أحاديث من يصفون محمد بالميل إلى النساء يستولي علي الشعور بالخجل، وأتساءل مع نفسي إلى أي مدى يكون الكاتب والباحث وضيعاً كي تسوّل له نفسه تشويه وجه الحقيقة إلى حد يلوّث صورة فخر التاريخ ومعجزة الإنسانية، ويتعامى عن رؤية الأسباب الحقيقية الكامنة وراء ذلك.