العدد السابع عشر - كانون الأول 2006

التقمــــص في أدبيات المسيحية المبكـرة

نقله عن الألمانية / د.منذر احمد عمران
الثلاثاء 19 كانون الأول (ديسمبر) 2006.
 

New Page 1

عن كتاب التقمص لمؤلفه "رونالد تسيورر"

اوريغينيس الاسكندراني

 

يبدو واضحا أن المعرفة بقوانين الكارما والتقمص كانت بالتأكيد موجودة في عهد المسيح، بل وكانت جزءاً من مادة التفكير المسيحي القديمة , ولابد هنا ان نسأل : كيف ضاعت لاحقاً هذه المعرفة ؟ , ولو أردنا ـ بهدف تقديم إجابة على هذا السؤال ـ البحث والتقصي في تاريخ أفكار التقمص في المسيحية المبكرة علينا أن نكون على يقين من الحقيقة التالية التي غالباً ما يتم تناسيها الى يومنا هذا :

لم تعرف المسيحية المبكرة، في القرون الأولى التي تلت المسيح، تعاليم متينة تشبه مثلاً تعاليم الكنيسة الكاثوليكية في أيامنا والتي تعتبر قاعدة راسخة للمسيحية .

كانت المخطوطات الأصلية للعهد الجديد تمثل في الدرجة الأولى أساس الاعتقاد المسيحي، ولكنها لم تكن تتضمن عرضًا ممنهجاً منظماً لتعاليم دينية أو فلسفية من أي نوع كانت، بل اقتصرت على قصص متناثرة متفرقة بذل عليها قليل من الجهد كي تظهر في سياق زمني مرتب تاريخياً،.. أو على شكل حوارات قصيرة،.. أو رسائل . وإلى جانب ذلك اعتبرت كتابات آباء الكنيسة ووعّاظها أساسية وحاسمة، ولكن هذه الكتابات،رغم أنها عالجت مواضيع مختلفة، لم تكن متطابقة في جميع النقاط.

لم تكن "الكنيسة" كمصطلح تفهم باعتبارها منظمة او مؤسسة متماسكة، بل كانت بمثابة مجموعة، أو جماعة، غير مترابطة ممن كانوا يسعون إلى فهم الرسالة التبشيرية للمسيح واتباعه والعيش على هديها.

والحقيقة الأخرى المهمة أيضا هي أن المسيحية الأولى لم يكن فيها فصل بين كنيستين يونانية وأخرى رومانية , فجميع معلمي الكنيسة الكبار الاوائل نشؤوا من حلقة الثقافة اليونانية، وصبغوا التعاليم المسيحية الناشئة بالطابع الاغريقي . (فيما بعد أدت النزاعات بين الكنيستين اليونانية والرومانية في عام 1054 إلى الانشقاق الكبير "Schisma" أي انشطار الكنيسة الى يونانية ارثوذوكسية ورومانية كاثوليكية ).

إن تطور التعاليم الكنسية في القرون الأولى بعد المسيح كانت تحدده أساسا، النظريات اللاهوتية التي وضعها علماء الكنيسة الأوائل في اجتماعاتهم الكنسية الخاصة , ولكن، كلما كانت المسيحية في القرون اللاحقة تقترب في تطورها من شكل الدين العالمي القوي اقتصادياً وسياسياً كان الكثير من الافكارالاساسية الاصلية يمّحي أويضيع منها شيئاً فشيئاً , وغالباً ماكانت الأفكار العالمية الشمولية هي التي تحل محلّها, ومن الواضح للعيان أن المباحث اللاهوتية المعمقة ستصل بنا حتماً إلى المسيحية المبكرة لأن المسيحيين الأوائل لم يكونوا زمنياً فقط أكثر قرباً من المسيح.

وإنناهنا في توثيق هذه الحقيقة،.. ومثالنا في ذلك إحدى أكثر شخصيات المسيحية المبكرة تفوقاً ونفوذاً , شخصية "اوريغينيس الاسكندراني" (185-254 م) الذي قلّما تذكر أفكار التقمص من دون أن يذكر اسمه مرتبطاً معها .

كان "اوريغينيس أول الذين عرفتهم المسيحية من علمائها الكبار العارفين بالكتاب المقدس،لا بل،.. ومن أعظمهم على الاطلاق , فهو ك "عالم" اكتسب ثقة واحترام الوسط الثقافي الاغريقي في ذلك الوقت، وكان إضافة إلى ذلك، الوحيد الذي عرض بقالب أدبي تعاليم المسيحية على شكل منظومة فلسفية مستقلة، وعمد ـ لكي يسند مقولاته على اسس مقدسة ـ إلى وضع طبعة نصية شاملة للعهد القديم هي "الهيكسابلا Hexapla" بحيث أمكنه أن يجعل مقولاته وعلومه تستشهد دوما بها .

كان يعرف اللغة العبرية (لغة النصوص الأصلية للعهد القديم) إلى جانب اللغة اليونانية , وتعلّم فوق ذلك الآرامية، لغة المسيح الأم، كي يتمكن من قراءة النصوص باللغة الأصلية التي عرفها المسيح شخصياً،.. والتي دونت بها حياته وتعاليمه .

يمكن "لاوريغينيس"، من دون مبالغة، أن يوصف بأنه عالم موسوعي على مستوى العالم , إنه شاهد على المعرفة المسيحية الرفيعة ومعلمها البارز , ولازالت تركته الأدبية تمثل حتى القرن العشرين أكثر استدلالات الكتاب المقدس تنوعا وعمقاً . (عن مقدمة كتاب "اوريغينيس الماسي" لمؤلفه روبرت سترويلي 1987) .

كان "اوريغينيس" رئيساً لمدرسة اللاهوت الشهيرة في الاسكندرية التي كانت فيها أكبر مكتبة في العالم القديم، ضمت مجموعة من المخطوطات هي الأكثر تنوعاً في عالم تلك الأيام , ويجمع الكثيرون من المختصين على أن العديد من نصوص "الفيدا" الأصلية باللغة السنسكريتية كانت توجد في هذه المكتبة، إذ ساد في ذلك الوقت تبادل ثقافي وفلسفي نشط بين علماء الحضارات الاغريقية والفارسية والهندية .

قدر لهذه المكتبة الفائقة الاهمية في عام 389م أن تحترق وتأكل النار محتوياتها لأن مسيحياً متعصباً هو البطريق "ثيوفيلوس" عمد إلى إشعال النار فيها , وهكذا قضي بسبب هذه الفعلة الشنعاء على معارف ثمينة لاتعوض , مما جعل البحث التاريخي اليوم أكثر صعوبة وتعقيداً , ومن المهم ملاحظة أن لا أحد من العلماء الذين أتوا بعد "اوريغينيس" ـ استناداً الى تلك الحقيقة ـ كانت تتوفر له ظروف البحث العلمي التي توفرت "لاوريغينيس" ولا حتى لهؤلاء الذين حاولوا في وقت متأخر دحض وتفنيد تعاليمه.

وباختصار،.. اطّلع "اوريغينيس" على مجمل الوثائق الأصلية المتوفرة عن المسيحية، سواء منها مخطوطات اليهود والانجيليين،.. أو رسائل الحواريين , وكذلك اطّلع على المخطوطات التي توصف اليوم بأنها غير أصلية "apokryph" , وكانت لديه إضافة إلى ذلك معرفة معمقة بالفلسفات اليونانية والفارسية وبفلسفة الفيدا أيضا كما يظن .

قرأ "اوريغينيس" انتاج "فيثاغوروس" و "افلاطون" و"افلوطين" و"امونيوس سكّاس" الاسكنـدراني (175-242) مؤسس مذهب الافلاطونية الجديدة , كما أن معرفته الواسعة في مجال اللاهوت دفعت "ديميتريوس" ـ اسقف الاسكندرية آنذاك ـ لإيفاده برحلات تبشرية، لاسيما عندما يتصل الأمر بمهمة التصدي للخلافات في الرأي بين رجال اللاهوت , وقد أوكل إلى "اوريغينيس" ـ كما ذكرنا ـ رئاسة مدرسة التعليم المسيحي المزدهرة، وقلده مهمة التدريس الكنسي فيها .

و"ديمتريوس" هو الأسقف نفسه الذي كان أول من ساق فيما بعد الاتهامات ضد علوم "اوريغينيس" الضلالية، ولم يكن تصرفه هذا يستند إلا إلى دافع الأنانية والغرور المرضي والحسد , فعندما احتفل الأساقفة في فلسطين (سيزارياcaesarea) ـ التي كان "اوريغينيس" يتوقف فيها مطولاً لغاياته التعليمية والارشادية ـ بتكريس "اوريغينيس" قساً Presbyter لمعرفته الزاخرة وقربه من القلوب , وجد "ديميتريوس" في ذلك تعدياً على حقوقه، وانتهز فرصة غياب الرجل لنزع الاعتراف بقسوسيته وإبعاده، وكان هذا في عام  231م .

وربما كانت قضية "اوريغينيس" هذه اول مثال في تاريخ الكنيسة على النزاع بين أحد علماء الكنيسة المستقلين وبين شخصية السلطة الكنسية التي تظلله وتعلوه , وهو أول مثال في النظام التراتبي الكنسي على نضال من أجل الحقيقة يواجه قتالاًً من أجل تثبيت السلطة , ولكنه ـ للأسف ـ لم يكن القتال اليتيم ولا الأخير , ففي القرون اللاحقة كيلت الاتهامات بالهرطقة والالحاد مراراً وتكراراً لتعاليم هذا الذي يعتبر من أعظم علماء المسيحية , وهو الرجل الذي ما عرف زمانه متضلعاً خبيراً بلغ شأوه أو ارتقى الى رتبته .

بعد وفاة "اوريغينيس" قام بعض رؤساء اللاهوت بحمل أفكاره وتبنيها،.. بحيث عمت وانتشرت النزاعات اللاهوتية حول تعاليمه مع تعصب يصعب تخيل قساوته في عصرنا الحالي , ففي القرن السادس الميلادي أي بعد 300 عام على وفاته وبسبب هيمنة حالات تشبه الحرب الأهلية بين مجموعات من الرهبان ـ في فلسطين أولاً ـ قام بعض المعارضين "لأوريغينيس" في عام  542م بتسليم المبعوث البابوي "بلاجيوس" المقيم في فلسطين شكوى مخطوطة موجهة إلى القيصر "جوستينيان الأول" في القسطنطينية (بيزنطة Byzanz) , وأدت هذه العريضة، مقرونة بالدوافع الأخرى، إلى استبعاد تعاليم "اوريغينيس" رسمياً من الكنيسة المسيحية الصاعدة.

وسوف نأتي إلى الحديث بالتفصيل عن سياق استبعاد علوم "اوريغينيس" ،ولكن، نريد في البداية أن نسلط الضوء بانتباه ,.. ونتفحص بمزيد من الدقة ماسمي بافكار الزندقة والهرطقة التي سببت مثل هذه الخلافات العميقة وأسست لأفظع النزاعات الدموية في تاريخ المسيحية الأولى .

 

تعاليم "اوريغينيس"

كتب "اوريغينيس" أكثر من 2000 مخطوطة، ضاع، للأسف، قسم كبير منها. وما وصل إلينا من أعماله لم يكن باللغة الأصلية التي كتبت بها،.. بل هي الترجمة اللاتينية من قبل "روفينوس الاكويلي" الذي ذكر شخصياً في المقدمة أنه وجد نفسه ملزماً،ً عندما باشر الترجمة من اليونانية الى اللاتينية، باجراء تصويبات جوهرية لاتخرج عن مفهوم العقائد الكنسية .

لقد تم العثور في مصر منذ عقود قليلة فقط على بعض المخطوطات الأصلية التي كتبها "اوريغينيس" و بعد المقارنة تبيّن أنها تحمل في كثير من المواضع الهامة تبايناً واضحاً عن ترجمة "روفينوس", ويمكن لنا من خلال النصوص المتوفرة أن نلخص مبادئ تعاليمه :

أوضح "اوريغينيس" أن للعلوم نظاماً تراتبياً يجب أن يقف على قمته علم اللاهوت ـ معرفة الرب الاله ـ وليس الفلسفة : "اذا كان ابناء المعرفة في الرياضيات والموسيقا والقواعد والبلاغة والفلك يقولون انها بنات الفلسفة فاننا نستطيع أن نقول الشيء نفسه عن علاقة الفلسفة باللاهوت" , وطلب لاحقا من رجال اللاهوت التعرف على جميع الكتابات العلمية والفلسفية القديمة المتوفرة ودراستها، وعدم إغفال أي منها، بل إعطاء الكل أذناً صاغية , وضرب هو نفسه أبلغ مثال على ذلك . 

مزج "اوريغينيس" في تعاليمه مزجاً معمقاً مابين المسيحية والافلاطونية الجديدة، وهو مااعتبرته الكنيسة تجاوزاً كبيراً , واعتبر ـ كالافلاطونيين الجدد ـ في كتابه الأهم (المبادئ De Principiis ) أن العلاقة بين الرب والبشر(الأرواح) هي كالعلاقة بين الشمس والأشعة الصادرة عنها، وهي مقارنة توجد ـ كما ذكر هو نفسه ـ في الفيدا (في الفيزنوبورانا Visnu Purana) , واعتبر أن المسيح كابن للرب يقف كوسيط على مسافة واحدة من الرب ومن البشر , وعلََّم "اوريغينيس" أيضا أن مجمل الخلق، سواء منه العالم الروحي غير الفاني او العالم المادي الجسماني المحدود الاجل، قد خلقه الله , وأن "ليس ثمة جوهر أو معنى لم يحصل على وجوده من ذات الله" ،.. أما المعاني (سماها اوريغينيس اللوجيكا Logica او اللوغوس Logos) فتنطلق من جوهر الله، ولذلك هي خالدة كونها مرتبطة بالله برباط القرابة.

كانت جميع المعاني (العقل الكلي او اللوغوس) في الأصل جوهراً غير مادي , قد ذابت في الظهور الرباني المباشر لالهها المشترك .

ومن المهم هنا إجراء المقارنة بين صورة التلاحم بين الرب والعالم والانسان التي وضعها "اوريغينيس" وبين مقولات فلسفة "البهاغا فادغيتا Bhagavad-gita" الهندية المتعلقة بالموضوع، والتي كانت وفق جميع الاحتمالات معروفة من قبله :

قال الرب : انا أصل العالم الروحي والعالم المادي كليهما .. كل شئ ينطلق من ذاتي .. الحكماء الذين فهموا ذلك تماماً مشغولون بخدمتي من دون توقف، ويقدسوني من اعماق قلوبهم (Bg.10.8).

كل أشكال الحياة تصبح ممكنة اذا خلقت على طبيعتها المادية , وانني انا الرب باذر الحياة (Bg.14.4) .

وعلَم "اوريغينيس" أيضاً أن الفروق الفردية بين الجوهر السماوي والأرضي والسفلي لاتنشأ إلا في حال "إسقاط الرب" , وأنّ علة وسبب هذه الحالة لايجب البحث عنها في الخالق، بل في جوهر الحياة بالذات لأن سبب الخلاف والتنوع بين المخلوقات الفردية يعود الى حركاتها الذاتية التي تكون تارة أكثر نشاطا وحيوية، وتارة أخرى أكثر تثاقلا بحسب ماتتميز به من فضيلة أو إثم , ولايعود إلى اختلاف المعاملة التي يعاملها بها منظم العالم .

وفيما يلي ايضا مايشابه ذلك من تعاليم الفيدا حول اشكال التجسد (الصورGunas) الثلاثة :

تتالف الطبيعة المادية من ثلاث ظهورات (صور ) هي الفضيلة والهوى والجهل , واذا حصل التماس بين الحياة والطبيعة فانه سيكون مشروطاً بتلك الصور.(Bg.14.5).

على المرء ان يفهم ان الطبيعة المادية وجوهر الحياة نفسه لابداية لهما، وان التحولات وصور المادة المختلفة هي ناتج الطبيعة المادية , والطبيعة هي علة كافة العلل والأفعال المادية،.. في حين أن جوهر الحياة هو علّة الآلام والملذات في هذا العالم , وهكذا يسلك جوهر الحياة، بطبيعته المادية سبل الحياة ويلتقي مع الخير والشر بأشكال حياتية مختلفة . (Bg.13.20-22).

وبحسب "اوريغينيس" فإنّ من يحدد المكان الذي يوجد فيه المعنى، وفقا لحركته الخاصة، هو الإرادة الذاتية الحرة التي هي أعظم هدية وهبها له الخالق، والتي تتمكن الروح عبرها من الاختيار بين أن تكون في ركاب الرب أو ضده , وكتب "اوريغينيس" :

"لقد كفل الرب للاذكياء الذين خلقهم حركاتهم الحرة التي تحددها إراداتهم، والتي بواسطتها ينشأ الخير الخاص في داخلهم لأنهم يصونونه بإراداتهم الخاصة , فالخمول والسأم الذي يطرأ على عزيمة المحافظة على الخير, والابتعاد عن الاصلاح وإهماله هي أفعال تدفع للابتعاد عن الخير".

لم يقتصر الأمر على "اوريغينيس" فقط، بل كان الامر كذلك بالنسبة إلى عالم آخر من علماء الكنيسة الكبار الذي يتمثل انجازه الكبير في وضع أول ترجمة لاتينية للكتاب المقدس (الفولغاتا Vulgata) , وهو "دالماتييه هيرونيموس" (347-419) الذي تتفق لديه المنقولات الاغريقية القديمة مع ما نقله إلينا الكتاب المقدس , وكتب في رسائله الانجيلية "Epistolae" :

جميع المخلوقات العاقلة اللاجسمية وغير المرئية اذا ما سقطت في الاهمال تنزلق تدريجياً، وتنحط إلى الدرجات الأسفل، وتقبل أجساماً بحسب موضع ونوع المستوى الذي انحدرت إليه، فهي تكون في البداية من الأثير ثم من الهواء وعندما تقترب من الأرض تحيط نفسها بأجسام أكثف الى ان تصبح مغلولة ومقيدة باللحم البشري , ويغير المرء جسمه على الأغلب مثلما يغير مقره عند الانحطاط من السماء إلى الأرض.

وكتب "هيرونيموس" في رسالة له الى "ديميتريوس" :

"ان علم التقمص عند المسيحيين الاوائل تم تناوله كتقليد سرّي أخفي عن غير رجال الدين وكشف أمام الصفوة فقط".

يتبين لنا من هذه الاستشهادات ـ سواء من "اريغينيس" او من غيره من رجال اللاهوت والفلاسفة ومعلمي الكنيسة الاوائل ومن مثالهم "جوستينيان" الشهيد (100-165) , و"تيتيان" (القرن الثاني) , و"كليمنس" الاسكندراني (150-214) , و"جورجيوس" من نيسا (334-395) , و"سينيزيوس" من كيرينا (370-413) , والقديس "اوغوستينوس" (354-430) , و"نيميزيـــوس" اسقف ايميزا (400-450) ـ أنه تبنّوا وجهة النظر القائلة : أن أرواح البشرموجودة حتى قبل ان يوجد العالم المادي .

وبكلمات أخرى كان جميع هؤلاء المعلميين الكنسيين مقتنعين بفكرةأصبحت مثاراً للنزاع الفكري فيما بعد، ونقصد فكرة الوجود السابق للارواح , وهي ـ كما ذكرنا ـ شرط مهم لعلم التقمص، وأقرها الكتاب المقدس في الفقرة التالية منه :

"قال الرب لي : قبل ان اصورك في البطن اخترتك , وقبل ان تخرج من الرحم كرستك , وجعلتك نبياً للأمم ". (ارميا 1 , 4-5) .

وفي كتابه "المبادئ" تبنّى "اوريغينيس" بشكل مباشر مبادئ الكارما والتقمص , فقد قال مثلاً :

إذا أراد المرء ان يعلم كيف تكون الروح البشرية مطواعة للخير في آن ومطواعة للشر في آن آخر عليه ان يفتش عن السبب في الحياة التي سبقت الحياة الحالية . كل واحد فينا يسعى الى الكمال عبر تعاقب حيواته . اننا ملزمون أن نعيش على الدوام حيوات جديدة افضل من سابقاتها،.. سواء على الأرض أو في عوالم أخرى . ان اندماجنا بالله الذي ينقينا من كل سوء يعني نهاية تكرار ولادتنا.

ويكتب في موضع آخر :

نتيجة الانجذاب نحو الشر تأخذ بعض الأرواح أجساماً تكون في بداية الامر بشرية , وبعد انصرام فترة حياتها البشرية تتبدل ـ بسبب شهواتها الحيوانية ـ أجسامها القديمة باجسام حيوانية، تبدأ انطلاقا منها بالهبوط الى المستوى النباتي , ثم تبدأ من حالتها هذه بالارتفاع، وارتقاء الدرجات نفسها التي هبطت منها عائدة الى مواقعها السماوية .

وبحسب "اوريغينيس" يكمن في النهاية مغزى وهدف الحياة باسرها ضمن العالم المادي في تصفية الأرواح وتطهيرها عبر العديد من التقمصات حتى تقوى كلها في نهاية المطاف ـ من خلال اتباعها وصايا المسيح ومحبتها واندماجها بالله ـ على العودة من جديد إلى الملّة الربانية الخالدة :

لأن الرب لايوجه الأرواح ملتفتاً فقط إلى هذه الخمسين او الستين عاماً التي تعيشها على الأرض، بل إلى خلودها الأبدي. ولأنه صنع المادة الروحية غير فانية ومن ذاته شخصياً , فإنّ الأرواح العاقلة غير مستبعدة من عملية المعالجة، وكأنها تقتصر فقط على حياتها الأرضية ....

[هذه العودة الى الله] لايجب ان يتخيلها المرء وكأنها حادث فجائي، بل مرحلي متدرج يتحقق عبر ازمنة ليس لها عدد، وغير محدودة في طولها،.. بحيث تستوعبها عملية التحسين واحداً إثر آخر .

البعض يتعجل ويسرع في الارتقاء الى الاعلى , والبعض يتقدم مسافات قصيرة , والبعض الآخر يغور من جديد إلى الأسفل ...

وهكذا، توجد مراتب لاحصر لها من المرتقين الذي انتقلوا من الخصام مع الله الى المصالحة معه، وفي النهاية يقف العدو الاخير ـ المسمى "بالموت" والذي ستعمه الابادة كذلك ـ ولن يعود عندها عدواً .

المقولة السابقة هذه تستشهد برسالة "كورنثوس" الاولى :

فلابد أن يملك حتى يضع جميع أعدائه تحت قدميه , والموت آخر عدو يبيده . 

(رسالة كورنثوس الأولى 25-26).

وهذه الرسالة يفسّرها "اوريغينيس" فيما يلي :

ابادة العدو الأخير لايفهم منه إفناء مادته التي خلقها الرب، بل إفناء إرادته العدوانية التي لاتنبعث من الرب وانما تنبع منه بالذات .. سوف يباد ليس لأجل ان لايوجد لاحقا، ولكن لكي لايكون مستقبلاً عدواً وموتاً.

ان الامكانية الوحيدة المتوفرة ـ وفق تيولوجيا الفيدا ـ أمام الأرواح لكسر هذه الحلقة المغلقة التي تدور عليها ـ أي قسر العدو الأخير المسمى الموت ـ هي أن تنأى بنفسها عن الخلق العدائي المواجه للرب، وأن تيمم وجهها صوبه مرة اخرى :

هؤلاء الذين يقدسونني , والذين يوقفون كل نشاطاتهم لأجلي , ويسلمونني انفسهم من دون مواربة , وينهمكون بالخدمة الدؤوبة النشطة , ويمعنون تفكيرهم فيّ بان يوجهوا روحهم بثبات إ ليّ , سوف احررهم بسرعة من المحيط الخضم للولادة والموت. (Bg.12.6-7).

 

استبعاد المعرفة عن التقمص

إنه لمن المؤسف أن معظم الأعمال التي تضم علوم "اوريغينيس" لاتتوفر لدينا بالكامل في نصها الأصلي، بل يتوجب ترقيعها وترميمها ورصدها في كتابات الآخرين ممن كانوا إلى حد ما اعداء للرجل , ورغم ذلك فإن الشهود على معرفته بالكارما والتقمص كثيرون،.. لدرجة أننا نعجب اليوم كيف جرى إلى يومنا هذا تقديمهم كعديمي الأهمية أو كيف غُضَّ الطرف عنهم ؟.

ونجد هنا مثالاً على لجوء الكنيسة المؤسساتية على مر الزمن الى اقتطاع واجتزاء مادة الفكر الاصلية في المسيحية، لكي تقيم بدلاً منها عمارتها التعليمية الخاصة الضـيقة الأفق التي خلقتها هي

بنفسها.

لقد سرقت الكنيسة من أدبيات الدين المسيحي ـ التي تزعم انها الوصية عليه ـ اجزاء من المعرفة الأساسية عن العلاقات التي أعطت الأنسانية معنى لتعاليم المسيح, ومن ثم استبدلت الأجزاء المنتزعة من هذا الأساس المتين بعقائد عمياء لاتكفي .

عند التمحيص الدقيق في هذه الامور تنتصب أمام علماء التاريخ الحاليين مشكلة معقدة هي أن متعصبي الماضي قاموا، من دون تبصّر، باتلاف وتزوير القرائن التاريخية , وكافحوا مخالفيهم في الاعتقاد، ليس فقط بالوسائل العقائدية الروحانية، بل أيضاً ـ وقبل أي شئ آخر ـ بالاساليب البوليسية وحتى الحربية , ومن خرج منتصراً من أمثال هذه المعتركات سعى إلى فرض رؤيته وكأنها الحقيقة الوحيدة التي لاحقيقة بعدها .

ولو أراد المرء اليوم أن يحدد ما إذا كانت المسيحية الأولى تشتمل على "علم" التقمص عليه أن يكشف الغطاء عن الخلفيات السياسية لذلك الزمن , وقد قلنا سابقا أن المسيحية المبكرة في عصر "اوريغينيس" لم تكن تعرف بعد عقائد راسخة , ولم تكن قد ترسخت بعد ـ تحت مصطلح الكنيسة ـ تلك المؤسسة الصلبة , إذ كان تطور تعاليم الكنيسة يتحدد أساساً بنظريات عقيدية أقرتها في حينه الاجتماعات واللقاءات الكنسية .

عندما اصبحت المسيحية في القرن الرابع الميلادي الدين الرسمي للدولة الرومانية بدأت أولى العقائد تخرج أعناقها إلى الضوء , ومعروف ان ظهور هذه العقائد الكنسية لم يكن يعتمد نظاماً داخلياً , فهي لم تصغ كحقائق عقائدية صالحة بشكل عام، وإنما كمبادئ لصد المعتقدات الأخرى التي لاتتماشى مع مصالح الكنيسة، وبالتالي يتحتم إعلانها كعقائد مضللة .

بعد مؤتمر نيقيا Nicca عام  325م (وهواول مؤتمر كبير في تاريخ المسيحية) ـ وحتى قبل هذا التاريخ كما يظن ـ بدا رسمياً التنقيح المعروف،.. أي تعديل النصوص والموضوعات غير المرغوبة او غير المفهومة في العهد الجديد , وفوضت السلطات الكنسية الى المصححين الذين عينتهم لهذا الغرض تصحيح النصوص الخطية وبهدف جعلها ضمن السياق والمفهوم الذي يعتقده صاحب السلطة صحيحاً , ومن المرجح أن العديد من المواضع المتعلقة بالتقمص قد جرى حذفها آنذاك من العهد الجديد , ولم تتوقف هذه العملية في المؤتمرات المسكونية الثلاثة اللاحقة ـ أي مؤتمرالقسطنطينية 381 م , ومؤتمر افسس 431 م , ومؤتمر خلقيدونية Chalcedon  451 م ـ بل على العكس، جرى التركيز بوضوح أكبر على إبراز المسيح باعتباره المخلص الوحيد لعصرنا، وزيّنوا لكل مسيحي حقيقي ان تحرره من موت الجسم المادي يكون حصراً عبر المسيح وكنيسته , و بذلك نحيّت علوم التقمص تحت ذريعة أنها ليست صالحة للمسيحي الحقيقي (ولم تعد مرغوبة) ثم حذفت نهائياً فيما بعد في المؤتمر المسكوني الخامس في القسطنطينية  553م .

ولكن، لو قرأ المرء بتمعن تاريخ المؤتمرات المسكونية وظهور العقائد لتوصل إلى استنتاج مفاده أن هذا التاريخ صاحبه الكثير من النزاعات المريرة حول العقيدة الصحيحة. لكنّ الموضوع لم يكن متعلقاً بمبادئ الدين أو بمصلحة المؤمنين أكثر مما تعلق بالدور القيادي للكنيسة وتأثيرها .

وبما أن الأمر لم يكن في نهاية المطاف مجرد قرار سياسي يدور حول المفهوم والرأي الذي ينبغي فرضه،.. فإن على المرء استنتاج أن هذه العقائد قد ترسبت فيها بالدرجة الأولى المصالح المحض كنسية , أما التفسير اللاحق لمساهمة الروح القدس في صياغة هذه العقائد ـ أو أن الله قد اوحى بها من عنده ـ فهو صعب التصديق في ضوء هذه الظروف ولايقبله عاقل , ولانجد أمامنا في هذا المجال إلا أن نلاحظ بانتباه عملية الطمس التي تعرضت إليها "علوم" التقمص في الأدبيات المسيحية والتي سوف نلخصها كما يلي .

نتيجة للكثير من الأسباب التي بعضها سياسي سلطوي وبعضها الآخر أناني إنساني نشبت الكثير من المجادلات اللاهوتية حول تعاليم "اوريغينيس" بعد موته، وعلى الأخص في مجال "الدينونة" أو"علم الاشياء الأخروية" , وبما ان "اوريغينيس" اعترف به في كل مكان كشخص مميز في الكنيسة القديمة ـ كان الشخصية التي يستشهد بها الأنصار والخصوم على السواء ـ فإن المعارف المتصلة بالتقمص ارتبطت باسمه أكثر فأكثر.

لكن، النزاعات والدسائس الكنسية الداخلية فيما يخص "اوريغينيس" أصبحت أكثر حدة في القرون اللاحقة وغدت الحاجة أكثر الحاحاً الى اتخاذ قرار فيصل في هذا الموضوع , وحدث في منتصف القرن السادس حدث خطير،.. كانت عاقبته ازاحة أدبيات علم التقمص واستبعادها من المسيحية الرسمية المؤسساتية .

 

سينودس القسطنطينية  543 م

في عام  543م جرى التـداعي، بضغط من القيصر الروماني "جوستينيان" الأول (527-565) إلى عقد سينودس للكنائس الشرقية، كان هدفه المعلن القضاء دفعة واحدة على جميع الفوارق اللاهوتية المتراكمة بأستمرار منذ 300 عاماً وذات الصلة بتعاليم "اوريغينيس", وفرض المؤتمر على هذه التعاليم ـ دون أي اعتبار لموقف "فيجيليوس Vigilius" بابا الكنيسة الرومانية آنذاك ـ تسعة تحريمات Anathemeta كان أولها هو التحريم الحاسم المتعلق بفكرة التقمص، وأسبقية وجود الروح. وقد نص على مايلي :

لوأن واحداً قال أو عبّرعن أن الروح تسبق الوجود باعتبارها جوهراً خفيفاً أو قوى مقدسة ادركها السأم فبرمت برؤية الرب ويممت وجهها صوب المساوئ بعدما خمدت محبة الرب في داخلها،.. ومن أجل معاقبتها انزلت الى الارض داخل جسوم تسجنها،.. فهو ملعون .. ملعون .

وفوق ذلك لعنت التحريمات، التسعة هؤلاء الذين لايعتقدون بالعقاب الأبدي الأليم المعدّ للجن، وللبشر الذين لاربّ لهم !!و جميع تلك التحريمات كانت بايحاء من القيصر "جوستينيان" الذي اعتبر نفسه السيد المطلق على الكنيسة , ومن زوجته تيودورا صاحبة الدسائس الشهيرة .

وحول هذا القيصر المريب كتب المؤرخ "جورج اوستروغورسكي" في فصل حول "تاريخ الدولة البيزنطية" من كتاب "المرجع في علم القديم 1963" :

بقي جوستينيان كمسيحي رومانياً أيضاً، وكانت فكرة استقلالية الوسط الديني غريبة عنه تماماً , فعامل الآباء والبطاركة باعتبارهم عبيده , وكما أدار شؤون الدولة أدار ايضا الحياة الكنسية بالطريقة نفسها فلم يترك صغيرة ولاكبيرة من القانون الكنسي إلا و تدخل فيها شخصياً .

و بوضوح أكبر عبّر عن الفكرة ذاتها كل من "آلتينر و شتويبر" في كتاب "البارتولوجيا- حياة وكتابات وعلوم آباء الكنيسة 1966"  :

"حاول جوستينيان، عبر التسييس الارهابي للا هوت، تكفير المحرضين الروحيين في الماضي والحاضر، وكانت لديه طموحات لتلميع صورته ككاتب لاهوتي" .

وكتب "هرمان باور" عام 1982 في كتاب "تأثير روما الشرقية" (روما الشرقية = بيزنطة) :

"كان الأمر بالنسبة إلى جوستينيان أقل صعوبة لأن البابا فيجيليوس المستقر في روما أمل في معونة القيصر العسكرية لمواجهة خطر القوط من الشرق، وكان إلى جانب ذلك دمية في يد تيودورا زوجة القيصر التي يعود إليها الفضل في تسنمه منصب البابوية عام 537 .

كانت شخصية القيصر وحالة الحرب العامة في شرق الامبراطورية الرومانية والخطر المحيق من مواجهة جبهة دينية سياسية في الداخل تتألف من مجموعات رجال الدين والرهبان في فلسطين من مريدي اوريغينيس (الاوريغينيين) هي الاسباب التي قدمت المبرر والدافع السياسي لاستبعاد علم التقمص".

أما الدافع الآخر فقد تمثل في "تيودورا" زوجة "جوستينيان" الطموحة والمحبة للسيطرة التي كانت ـ حسب ماقاله "بروكوبيوس" ـ ابنة سائس دببة في مسرح بيزنطة المكشوف , وبدأت، كمحظية، طريق صعودها الكوكبي إلى السيطرة على الامبراطورية , وأمرت فيما بعــد، بصفتها الامبراطورة الطاهرة العفيفة، باساءة معاملة 500 من بنات الهوى ـ رفيقاتها في الصنعة ـ وتعذيبهن لكي تقطع صلتها تماماً بماضيها المشين , وبما أنها وفق قوانين الكارما ـ التي تبناها "اوريغينيس" في كتابيه "المبادئ" و "ضد سيلزيوس contra celsium" ـ سوف تكفّر عن أعمالها المشينة في حياتها اللاحقة فقد عملت ببساطة لدى القيصر على إبطال أي علوم عن العودة إلى الحياة , ولابد أنها كانت مقتنعة تمام الاقتناع بفعالية هذا الابطال لو تم من خلال "قرار الهي" .

ماهي الدوافع المريبة التي تقف خلف حقيقة لعن تعاليم "اوريغينيس" في سينودس الكنائس الشرقية في القسطنطينية عام 543 ؟ ....لأن التحريمات مهرتها ـ بتأثير ضغط لم يفتر من القيصر ـ تواقيع مجموع البطاركة الحاضرين، وفي النهاية توقيع البابا نفسه الذي استقدموه إلى القسنطينية عام 544 بالاكراه من أجل هذه الغاية .

وبهذه التواقيع استطاعت الكنيسة، لأسباب محض دنيوية، أن تجعل من "اوريغينيس" أهم وأبرز علماء اللاهوت في المسيحية القديمة على نسق واحد مع الهراطقة والمضللين , وبالتأكيد لابد أن نقبل أن النتائج ذلك كانت تنقية وثائق الكنيسة ـ سواء بالأستعباد أو الأستبدال ـ من كل مايتعارض مع المبادئ العقيدية الكنسية , وعلى البحث التاريخي المعاصــر أن يعيد النظر في تلك الأدبيات التي جرى إغفالها او إسقاطها علناً.

 

مؤتمر القسنطينية 553 م : غلطة تاريخية

بعد عشر سنوات أي 553 م ادينت من جديد تعاليم "اوريغينيس" عن التقمص واسبقية الروح في المؤتمر المسكوني الخامس في القسنطينية , وخرجت في نهاية المؤتمر تحريمات جديدة تماثل في محتواها الحرماناتالتحريمات القديمة . وبذلك أعلن بشكل رسمي ان علم التقمص علم وثني مضلل ,و جرى استبعاده شرعياً , ومنذ ذلك التاريخ حظر أشد الحظر على كل مسيحي مؤمن مخلص للكنيسة ان يعتقد بالتقمص، وهذا بطبيعة الحال مايؤمن به عملياً، إلى يومنا هذا، جميع مؤرخي الكنيسة والقسم الأعظم من المسيحية العالمية .

لقد سقطت أدبيات علم التقمص في المسيحية القديمة عام 553 م ضحية غلطة وخيمة العاقبة، لأن اللعن الرسمي الوهمي لعلم التقمص يعود فقط ـ كما ذكرنا آنفاً ـ الى تظاهرة سلطوية فردية موجهة شخصياً من الامبراطور البيزنطي .

ثمة أجزاء مهمة من وثائق المؤتمر المتعلقة بقضية "اوريغينيس" قد ضاعت،.. إمّا مصادفة،.. أو زوّرت لاحقاً لأسباب شتى , او انه لم يجر تداولها مطلقاً ـ وهو مانرجحه ـ في جلسات المؤتمر الرسمية الثمانية المخصصة لموضوعة "اريغينيس" ولعنه , لأن الجلسات اهتمت فقط ـ كما يذكر بروتوكول المؤتمرـ بقصة (جمعية الرهبان الثلاثة) أوالعلماء الثلاثة الذين وصفهم "جوستينيان" بالملحدين، وأصدر قبل ذلك بأربع سنوات مرسوماً ضدهم , وعلى الرغم من أنه لم يتم التطرق علناً لسيرة "اوريغينيس" إلا أننا نقع على "اللعن" التالي في البند الحادي عشر من المؤتمر :

ملعون كل من لايلعن جميع كتابات وتآليف اوريغينيس الملحدة وجميع الهراطقة الآخرين المغضوب عليهم من الكنيسة الرسولية والكاثوليكية المقدسة .

من المعتقد أن يكون هذا اللعن الغريب قد قدمه جوستينيان قبل افتتاح مؤتمر البطاركة الذين احتيج الى وجودهم لتسطير تواقيعهم فقط .

ومن المهم ايضا التذكير بأن البابا "فيجيليوس" لم يشارك في أي جلسة من الجلسات، رغم أنه كان متواجداً في القسطنطينية بناء على أمر القيصر في وقت مثير للجدل (بين 5 أيار حتى 2 حزيران من عام 553) .

لهذا السبب لم يتصدر البابا المؤتمر كما هو مألوف، بل تصدره بطريرك القسطنطينية "اويتيشيوس" الخادم المخلص للقيصر جوستينيان .

واللافت ايضاً انه لم يسمح سوى لبعض أساقفة البلدان الغربية بالحضور من أصل 165 أسقفاً حضروا المؤتمر، بينما رفض الأساقفة الآخرون ان يشاركوا في ظل هذه الظروف , وكان هذا يعني أن مؤتمر القسطنطينية كان عملياً إجتماعاً شخصياً خاصاً بالقيصر "جوستينيان" قام فيه مع الموالين له ـ وقد تحدّوا في ذلك احتجاج البابا وأساقفة الكنيسة الرومانية ـ عشوائياً بلعن وإقصاء علم "الوجود المسبق للروح" , وبذلك سحبت من العلم المسيحي القديم بعض قواعده التي نشأ عليها .

وبسبب حقيقة رفض البابا "فيجيليوس" المشاركة في المؤتمر فان بعض العلماء الكاثوليك، المنفتحين بدؤوا من جديد يشكون فيما إذا كان المؤتمر نفسه وقراراته لها أصلاً صلاحية التطبيق على الكاثوليك او بكلمات أخرى فيما لوكانت تعاليم التقمص لاتزال ـ كما كانت سابقاً ـ جزءاً من مادة التفكير المسيحي .

اختتم المؤتمر الذي استغرق ((4 أسابيع أعماله في 2 حزيران عام  553م ولكن البابا "فيجيليوس" لم يضع توقيعه الا في 8 كانون الأول بعد ضغوط متواصلة من القيصر , ولخشيته من القتل او الاغتيال أو من تعيين أحد معارضيه في منصبه , وذلك من دون أن تكون لديه معلومات مسبقة عما دبر ضد "اوريغينيس" .

كتب "رودلف باسيان" في كتابه "الولادة من جديد - حياة أم حيوات" في الصفحة 223 منه : "مجمل القول أن القضية كانت مشبوهة إلى أبعد الدرجات،.. ولااثر للمشروعية فيها" .

وننصح من يريد أن يعرف باختصار عن الطريقة التي كانت تحسم فيها الخلافات العقائدية في المؤتمرات المسكونية الخمسة الأولى بالرجوع الى مقال "روبرت كيل" بعنوان "روح قدس خاص" .

طلب "كيل" من الكنائس ـ لو أرادت ان تستعيد مصداقيتها من جديد ـ أن تنأى بنفسها عن هذه المؤتمرات المسكونية، وعن قراراتها التي اتخذت تحت غلالة الرعب والدسائس .

 

الاعتقاد بالتقمص ليس غير مسيحي

لم تراجع الكنيسة هذا الحرمان المشبوه من القيصر بعد 300 عاماً على وفاة "اوريغينيس" ولم تعد النظر فيه،. بل على العكس فقد ترسخ تدريجياً الاقتناع في فكر الكنيسة بأن اللعن جزء من مقررات المؤتمر الملزمة لها رغم كل الاقوال المتناقضة خلال هذه القرون المنصرمة من الزمان .

وتتبقى حقيقة ان هذا التحريم لعلوم التقمص ـ لو فحصنا الامربدقة اكثر ـ ليس اكثر من غلطة تاريخيــة لاتملك أي صلاحية مسكونية , او يمكن ان نقول ـ لو عبرنا عن الفكرة بشكل مغاير ـ : ليس امام المسيحيين أي مانع رسمي يحظر عليهم الاعتقاد بالتقمص.

أن التقمص ليس غريباً عن المسيحية،.. فكيف به عن الكنيسة , لأن علوم التقمص ادينت مجدداً باقصى درجة من الحدة والتشنج في مؤتمر ليون 1274م , وفي مؤتمر فلورنسا 1439م , كما لوحق اتباع هذه العلوم بلا كلل و من دون رحمة،.. وغالباً ماتم إعدامهم , وليس أدل على ذلك من مأساة العلامة الايطالي والراهب الدومينيكاني "جوردانو برونو" (1548-1600م) الذي قدم إلى محكمة الإعدام الكنسية عام 1592م بسبب معتقداته الفلسفية الخاصة حول تنقل الأرواح، فحكم عليه في النهاية بالموت حرقا بعد فترة طويلة قضّاها في الاعتقال , وأحرق علناً في 17 شباط من عام 1600م فوق كومة ضخمة من الحطب في معسـكر Campo dei Fiori في روما .

وعن أسباب هذه الممارسات قالوا : إن فكرة التقمص تتناقض مع مختلف العقائد المسيحية عن الحياة الاخروية كقيامة الجسد مثلاً , أوتتناقص مع المبادئ المسيحية لأن الفصل بين شقاء الانسان وسعادته يكون في هذه الحياة الأرضية الوحيدة التي نعيشها، والتي تنتقل الروح بعدها مباشرة إلى السماء الأبدية،.. أو الى الجحيم الأبدي , وهي إلى جانب ذلك تتضمن الآراء التي أدانتها الكنيسة مثل "استقلال الروح عن الجسد anima separata" أو اسبقية وجود الروح على الجسد.