العدد السابع عشر - كانون الأول 2006

قبلة الاسخريوطي في سيناريو غنوصي

الدكتورة ماري شهرستان
الثلاثاء 19 كانون الأول (ديسمبر) 2006.
 

في أحدى كهوف الصحراء، قرب بني مزار في محافظة المينا (200 كم جنوب القاهرة) كان فلاح مصري قد عثر على مخطوطة باللغة القبطية القديمة مكتوبة على 13 ورقة،وباعها لأحد تجار الآثار المصريين الذي قام بتهريبها، ووضعها في إحدى خزائن مصرف أميركي إلى أن تمكن من بيعها عام 2000 لتاجرة آثار من زوريخ تدعى "فريدا تشاكوس نوسبيرغر"واستقرت المخطوطة أخيرا لدى مؤسسة Maecenas المختصة بالثار والفنون القديمة وذلك بغية إنقاذها, حيث كانت قد تعفنت وبدا ورق البردى في الصور شبيهاً بأوراق الخريف البنية الناشفة, وقالوا أنها تفتت إلى اكثر من ألف قطعة! واتفق  المصريون مع مؤسسة "ناشونال جيوغرافيك" ومعهد "ويت" للاكتشافات الأثرية على أن يبتاعا هذه النسخة بمليوني دولار تدفع مناصفة بين المؤسستين ليقوما بعدها بترميمها وترجمتها وإعادتها إلى وطنها الأصلي مصر.

 

في هذه المخطوطة الوثيقة المهترئة ظهرت قراءة الغنوصيين القاينيين لدور يهوذا في تسليم المسيح, مكتوبة باللهجة القبطية الصعيدية القديمة وقام بترميم هذه المخطوطة، ثم ترجمتها البروفسور السويسري رودولف كاسير[1],  وجاء نصها بمثابة تمييز قضائي للحكم الأولي على خائن، حيث برأه هذا النص من جريمة الخيانة وردّ له اعتباره ورفعه بإجرامه إلى مصاف المرسلين! فلو كان يهوذا اسماً أو صفة, أو أسطورة, أو نموذجاً أصليا للخيانة, فهو في عدة أطوار من التاريخ كان شعباً, لأن اسمه يهوذا نسبة لليهود الذين رسخت صفاتهم العدوانية في وجدان وتراث البشرية, ولم تزل تثبتُ بجدارة خصائصها البربرية في محطات متلاحقة كان آخرها مجازر تموز العنقودية ومجزرة بيت حانون مؤخراً, ولكن، لماذا يتغاضى عن هذا التوحش وجدان عالم بأكمله, وأمامه كل هذه الأدلة الحية الدامغة والمتجددة؟

 لكأن ترجمة هذه القراءة تمت بالتنسيق مع الحملة الغربية الناشطة مراعاة لدواعي التخفيف من العداء للسامية اليهودية, أو من ضمن الجهود الغربية الحثيثة الرامية إلى الحفاظ على أمن إسرائيل!؟ فكانت صرخة قوية في عالم الدعاية والإعلام... حيث بدا إخراج الترجمة مدروساً للغاية، بحيث أصبحت مادة مثيرة بامتياز لجدالات دينية جديدة...

كل هذه المصادفات كانت مختبئة في كهف مصري لمدة 1700  فألهبت عند ظهورها عقول بعض الناس الذين ظنوا أنها تتعارض مع الإيمان المسيحي, وكأن ظهور نص ٍ مختلف يؤدي إلى بطلان كل النصوص الأخرى!

النص الذي تتضمنه المخطوطة لم يكتبه يهوذا بنفسه، إنما كتبه أتباع المذهب القاييني[2] الذين ظهروا حوالي عام 159 بعد الميلاد حيث كانوا يقدسون قايين والصودوميين ويهوذا.

و كان من بين المسيحيين الأوائل فرقة تسمى "فرقة يهوذا أو"الاسخريوطيين", معتبرة أن يهوذا قد تصرَّف بحسن نيّة, وانه قديس توجَّه إليه الصلوات والدعوات والأماني, فهو في اعتبارهم أفضل أبناء قايين ، وأنه سلم المسيح لأعدائه في اليهودية بناء على إيعاز منه لكن عكس ذلك هو الشائع عن يهوذا, فهو من مجمل الروايات, رمز للخيانة والجشع المادي وفي الأدبيات القديمة والمعاصرة " وسميَّ بـ "الاسخريوطي العجوز". وتُستخدم الاستعارة "قبلة يهوذا" للدلالة على الخيانة, أو "سفر يهوذا"!  وغالباً ما تتم معاملة وتسمية الأصدقاء الكاذبين على أساس أنهم "يهوذا". وتستمر الطقوس الكنسية في العالم باسم "حرق يهوذا": ففي سبت النور يلجأ بعض المسيحيين إلى حرق "دمية قماشية" بثياب ٍ حمراء ذات شكل رثٍّ غريب ٍ, تحمل كيساً للنقود وحبلاً في العنق! وقد ازدادت ممارسة هذه الطقوس في أوروبا الحديثة كلها, وحتى في غواتيمالا, يذهب السياح لحضور شعائر "شنق يهوذا". 

 والنص القبطي الصعيدي هو من القرن الثالث أو بداية الرابع, وهو ترجمة لنص يوناني ضائع تمَّ تأليفه بين أعوام 130 - 180بعد الميلاد فالقديس إيرينه, أسقف مدينة ليون اعتبر هذا النص هرطقة في مؤلفه "ضد الهرطقة" عام 180 م وندد بالطابع الهرطوقي لهذا النص المكتوب بوحي غنوصي وباللغة اليونانية. وحسب تعليق البروفسور كاسير,مترجم النص, ليس في هذه الوثيقة أي معلومة تاريخية جديدة عن يهوذا سوى تأويل غنوصي لاحق للأحداث،..لا يؤثر لا من قريب ولا من بعيد على الأناجيل الأربعة.

 

الغنوصية كلمة يونانية تعني المعرفة Gnose وهي تيار فكري معقد ذات فلسفة باطنية، تقول بأن الخلاص هو في تعلّم الأسرار الخفية ومعرفة أصل الروح ومصدرها الحقيقي . وهي ذات معتقد ثنوي يجعل الروح السيرة الجسد الشرير، و هي في حالة تعارض دائم مع المادة الفاسدة. والأرواح وحدها تمتلك المعرفة، وهي قد خلصت بالطبيعة، وهذا يستتبع كرها للدنيا المادية ودعوة دائمة إلى التقشف.

وفي العقيدة الغنوصية, الإله الحقيقي هو إله يخفى عن عيون البشر ويتجلى بإله سفلي هو خالق العالم, وهي ترفض إله العهد القديم الذي تعتبره فاطراً شيطانياً, شريراً وغيوراً ومسؤولاً عن كل مثالب العالم. وتعتبر المسيح معلماً روحياً مكلفاً بقيادة البشرية نحو معرفة الله الحقيقي الخفي. والمسيح حسب الغنوصية ليس ابن إله العهد القديم، بل هو من شيث, الابن الثالث لآدم الذي ينتمي إلى الإلهة الأنثوية باربيلو Barbélo. والغنوصية هي حركة دينية خاصة، لكنها ليست محددة بسياق موحد بل هي مجموعة من الفرق أو المدارس التي كان لها في عصور المسيحية الأولى عقائد مشتركة عن "المعرفة" ولكن الكنيسة الارثودوكسية رفضت هذه الحركة بمعارفها وممارساتها.

ليس في نص المخطوطة المصرية أي معلومة عن ولادة المسيح ولا عن موته ولا عن قيامته. بل نصّ يريد القول بأن علاقة يهوذا بالمسيح كانت علاقة حميمية، وانه الوحيد الذي فهم رسالة المسيح حيث قال له: اعرف من أنتَ ومن أين أتيت ومن أرسلك, لقد أتيت من مملكة باربيلو الأزلية؛ لكن متى سينبلج النور للأجيال وتأتي الساعة؟ فأجابه المسيح: "أنت سوف تتفوّق على الجميع لأنك سوف تضحي بالإنسان الذي يجسدني, لكن نجمكَ قد ضلَّ وتاه".

 هذا معناه أن يهوذا مكلف بمساعدة المسيح على تحريره من اسر الجسد!...

هل يُعقَل أن يطلب المسيح من يهوذا تسليمه؟ فإذا كان تواقاً للتحرر غنوصياً من الجسد, لماذا لا يقوم بذلك وحده؟ يبدو أن كاتب السيناريو لم يكن بارعاً إلى حد ٍ كافٍ.

 لقد ظهرت الغنوصية عام 70 ميلادية وتطورت في القرن الرابع، وصار لها عدة مذاهب, منها مذهب القاينيين, الذي هو جزء من حركة عبدة الأفاعي الذين يعتبرون الأفعى رسول الحكمة المنقذة للبشر, وكانوا يؤمنون أن "يهوه" كان ناقصاً وعقله مليء بالجهل والغطرسة, لذلك اعتبروا أن اكتمال الطبيعة الإلهية يقتضي البحث عن حقائق مناقضة لتعاليم يهوه،فوجدوا في قايين نموذجاً يعبرّ عن رؤيتهم ومن وجهة نظرهم أن قايين، عندما قتل أخاه هابيل, برهن انه يفوق يهوه الذي يرعى هابيل! ثم أضافوا إلى قايين عيسو وسكان صودوم, وأخيراً، يهوذا الاسخريوطي.

 ويعتقد الاسخريوطيون أن يهوذا كان شريك المسيح في تحقيق خلاص البشرية. وأنه تصرَّف بنبل مع علمه المسبق أن الرسل وجميع المسيحيين سوف يلعنونه عبر العصور. وهم يرون أن التلامذة قد حسدوه لأن يسوع قد أدلى له وحده بالحقائق الغنوصية, إذ خلال العشاء الأخير طلب المسيح بنفسه من يهوذا أن ينفصل عن البقية ليبوح له بأسرار الملكوت، طالباً منه أن يقوم من دون تأخير بما ينبغي عليه القيام به, كل ذلك مساهمة في المخطط الإلهي, الذي يقضي بأن يموت المسيح من أجل فدائه خطايا العالم, لكنه لم يتجسد إذ لا يوجد في النص أي ذكر لولادته ولا لكيفية موته, ولا للصليب، حيث يعتقدون أن من صُلِبَ حقيقة هو سمعان السيريني، حيث اتخذ هيأته ليغش الحكام, كما أنه لا يوجد ذكر لقيامته من بين الأموات في اليوم الثالث! ولا لصعوده إلى السماء بما ينطوي على إنكار فكرة تحرر المسيح من جسده؟ فالمسيح في الغنوصية هو روح اتخذ مظهراً إنسانياً كي يأتينا بتعاليمه.

ولعل العلامات الفارقة في هذا النص هي:

1 - أن المسيح كان يظهر لتلامذته بهيئة طفل, لكننا لا نعرف ما إذا كان ذلك ترميزاً للبراءة واللطافة أو أن ظهوره العياني هو المقصود بالفعل.

2 - كلام يهوذا منفرداً مع المسيح

3 - يسوع يضع ثقته بيهوذا، ويعلمه المعارف الغنوصية العليا!

4 - حديث المسيح عن ملاك مضيء إلهي اسمه آداماس كان قد خرج من غيمة مضيئة، وخلق عدداً لا يحصى من الملائكة, ومن هذه الغيمة خرج ملاك اسمه نيبرو, أي "الثائر" وآخر يدعى ساكلاس،وهو الذي " خلق " آدم وحواء...

هنالك أسئلة تطرحها الغنوصية:

- من كنا؟ وماذا أصبحنا؟

- أين كنا؟

- إلى أي هدف نحن متسارعون؟ ومن أين خلصنا؟

- ما هو الجيل؟ وما هو الإحياء والتجدد والانبعاث؟

 

أما التقرير الصادر عن الكنيسة فيتضمن:

"يهوذا ينظر إلى  " يسوع " وفق تصنيفات السلطة والنجاح،.. فالسلطة والنجاح هي،بالنسبة له، الحقائق الواقعية. الحب ـ حسب سلوكه ـ ليس له حساب بينما المال. أهم من الإتحاد مع يسوع وأهم من الله ومحبته. فأصبح كاذباً متلاعباً وخان الحقيقة. فمن يعش في الخداع ويفقد الحقيقة العليا إنسان متحجِّر، وغير قادر على أن يهتدي على طريقة عودة الابن الضال, لذلك انتحر وفقد حياته المدمَّرة. يذكرنا يهوذا بسر الرفض الغامض للحب - حب الرب ليس له حدود، لكن الإنسان بإمكانه أن يضع حدوداً للحب.

 

 بكى يسوع موت يهوذا

لأنه كان يعلم أن الملعون الأعظم قد رمى بنقود الدم التي قبضها.

وانتحر شنقاً

هذا المرذول الأعظم

في مكان ٍ ما

تحت التينة في هذا البلد

وصُرِفَ المال

من أجل شراء حقل الدم

 

تحاليل توراتية مختلفة عن يهوذا

 

في إنجيل يوحنا ( 30ـ  13، 21) وصف دقيق لمائدة الفصح طبقاً لطقس المدراش الذي يروي عن الأبناء الأربعة في "الهاغاده"3بما يخص عيد الفصح.

في هذه الأمسية, ينبغي على الأبناء الأربعة أن يطرحوا أربعة أسئلة: العاقل, والسيء, والبريء, و"الذي لا يعرف كيف يطرح سؤالاً بعد بشكل ٍ صحيح".

كل واحد منهم يريد أن يعرف ما هو معنى العيد.

ففي رواية يوحنا, يسوع هو العاقل: فهو يطرح السؤال ويعطي الجواب في الوقت نفسه؛ وفي هذه الحالة, يبدو بطرس هو البريء الذي يسأل:"إلى أين أنت ذاهب؟"

أما يوحنا "الحبيب" الأصغر سناً فهو الذي " لا يعرف كيف يطرح سؤالاً " ,بحيث حرَّضه بطرس:" اسأل عمّن يتحدث." بقي "السيّء", وهو يهوذا الذي تظاهر بأنه لم يفهم " وأقصى نفسه بنفسه ". فيهوذا, الذي يسكنه الشيطان, هو جزء من الذخيرة المعرفية المدراشية الذي تعيده إلى زكريا (3, 1-2). فحادثة الثلاثين قطعة فضة تعود أيضا إلى زكريا

(12,11) : "إن يبدو لكم ذلك أمر جيد, أعطوني راتبي, وإلا, لا تفعلوا ذلك. دفعوا لي راتبي, ثلاثين قطعة نقدية. وقال لي: ارمه في المسبك,.. الثمن الذي يقدّرونني به. أخذتُ الثلاثين قطعة ورميتها في مسبك بيته" فالتشابه مع فعل يهوذا يبدو هنا بشكل ٍ كامل, حيث أن يهوذا "أنبَّه ضميره وانتابه الندم", رمى بالمبلغ أمام المعبد, كونه جُمِع مع كنز قدس الأقداس3

أما "متى" (27, 9-10) فيرجع بوضوح تام إلى ارميا(27, 9), لكن بمفهوم معاكس حيث النبي يتحدث عن مجال وعد وليس عن خيانة.

جاء في إنجيل متى : "وبعد أن رماه يهوذا لجهة الهيكل, أخذ المال كبار الكهنة وقالوا: "ليس مسموحاً أن نضيفه إلى الكنز طالما انه ثمن الدم".

 وبعد أن عقدوا جلسة استشارية, اشتروا بهذا المبلغ حقل الفخار من أجل دفن الأغراب. ولذلك يسمى هذا الحقل حتى يومنا هذا بحقل الدم. وبذلك يكون قد تمَّ ما قاله النبي آرميا: "واخذوا الثلاثين قطعة فضة: إنه ثمن الذي قدَّروه به, ثمن الذي قدروه أبناء إسرائيل. وأعطوه من اجل حقل الفخار, كما أمر به السيّد".

هنالك أيضاً، في مخطوطات قمران "أبناء الظلمات" الذين يتصدون لأبناء النور, وتجدر الملاحظة انه يمكن التقاط الإشارات الرمزية الهامة في ما قاله يوحنا 23, 30: "عندما تناول يهوذا اللقمة, خرج على الفور، وكان الوقت ليلاً: إذ تذكرنا اللقمة بالـ"آلام التي تمت معاناتها في مصر" وترمز إلى مرارة الموت وتعيّن الخائن. أما الليل فيرمز إلى الجلجلة... فالنهاية تُثبِت البداية والبداية تُثبِت النهاية. وكذلك الأمر بالنسبة إلى الصديق الذي يخون كما في المزمور 8,41:  "حتى الصديق الذي كنتُ اعتمد عليه والذي كان يشاركني خبزي, وجَّه رمحه ضدي."

يهوذا يمثل الغدر والخيانة أو انتقام الله والنهاية التعيسة لأحدهم. فموت يهوذا قد تمت الشهادة له والتنبؤ به وتهيئته وهو مؤيد وموثق في العهد القديم (صموئيل 2, 16, 14-17, حيث آشيتوفيل خان الملك داوود ثم انتحر)...

وفي القرن الرابع عشر جاء في كتاب 

"حياة يهوذا" من مجموعة "شافهاوزن", إشارة إلى أن الثلاثين من فضة رمز توراتي يتكرر في الأدبيات الدينية اليهودية . فالثلاثون قطعة فضة التي قبضها يهوذا هي نفسها المبلغ الذي بيع به يوسف من قبل إخوته, أبناء يعقوب في أرض مصر، والتي حُفِظت على مدى آلاف السنوات في تراث اليهود حيث اشتروا بها المسيح من يهوذا. وبذلك يخلق المبلغ رابطاً جديداً بين يهوذا ويسوع, ويظهر الاستخدام الإيجابي والسلبي للعملة, وفي القرن الخامس ميلادي ظهر طقس القربان المقدس الذي جاء على شكل قطعة نقدية مسكوكة. فالحركة القربانية تعكس ما يسميه علماء الاقتصاد بقانون "غريشام" الذي يحدد القيمة التي هي المعيار: فعلى عكس ما يحصل في الاقتصاد الإنساني, فإن العملة الجيدة أي عملة المسيح هي التي تطرد العملة السيئة, عملة قيافا ويهوذا. فالقربان يأخذ شكل قطعة نقدية , لأن المسيح, خبز الحياة قد تمت خيانته ببضع قطع من النقد.5

 


[1]  رودولف كاسير أستاذ خبير في كلية الآداب في جامعة جنيف, وهو احد كبار الأخصائيين العالميين في اللغة القبطية القديمة.

[2]  نسبة إلى قايين (وكفى بالاسم دليلاً) وهو مذهب غنوصي