العدد السابع عشر - كانون الأول 2006

شاكر الأنباري:أكثر من هوية.. والمكان الأول ذاكرة

حاورته هيام عبدو الجندي
الثلاثاء 19 كانون الأول (ديسمبر) 2006.
 

أكثر من منفى،.. أكثر من فضاء، والحياة واحدة، لكن شاكر الأنباري ترك روحه في العراق طار بعكس إشارات الحنين.. إلى واحة من الحرية تقيم أوده.. وترضي لديه فضيلة الإبداع يقول أن المبدع العربي خارج بيتئه يعاني من ازدواجية في هويته فهو لم يعد شرقياً وليس غربياً.. وهو يعرب عن حب خالص لدمشق التي كتب عنها روايته الراقصة حول تجربته الروائية وأحوال الرواية العربية المعاصرة كان هذا الحوار معه: 

 

* الإبداع من حيث هو عمل يحتاج إلى الحرية، فكيف تجد العلاقة بين الإبداع الأدبي والسلطة، التي هي من أهم مشكلات الأدب العربي، لا في وقتنا الحاضر فحسب بل ضاربة الجذور بعيداً في تاريخنا؟

** هنالك تناقض دائم بين الإبداع والسلطة والعلاقة بينهما تبدو لي إشكالية أزلية فالإبداع يفترض أن يكون المرء حراً، وهذا ما لا يتواءم مع منطق السلطة بشكل عام والعربية منها بشكل خاص الإبداع دائماً عموماً مرتبط إلى حد بعيد بإشكالية الإنسان أينما كان، وهو من أبسط تعبيرات الحالة الوجودية للفرد. بينما معظم السلطات العربية تقوم بتحويل المجتمع إلى قطيع من السهل قيادته وتضليله وهنالك محرمات تضعها السلطات العربية في مواجهة المثقفين والمبدعين نظراً للتداخل الثقافي والسياسي فالسلطات غالباً ما تمنع المثقف من التعرض للسلطة ونقدها، إنها تعتبر النقد تجاوزاً على السلطة. وعدا نقد السلطة هنالك أيضاً الجانب الاجتماعي الذي يتمحور حول قضية الفكر الديني، وقضية العلاقة بين الرجل والمرأة، وما يتفرع عنها من إضاءات على التركيبة الاجتماعية المتخلفة في واقعنا العربي. سأتحدث عن العراق كنموذج،.. فقد عانت الثقافة العراقية خلال عقود طويلة من هيمنة السلطة وقمعها للثقافة وللإبداع المعارض لسياساتها، وعملت على تسخير الثقافة لتكون ملحقاً بالسياسة عدا عن تحويلها إلى شعارات وكليشهات، وأغلقت المنافذ الحياتية أمام وجود المبدعين الحقيقيين في داخل العراق وهذا يفسر وجود عدد كبير من المثقفين العراقيين في الشتات حيث هربوا خلال العقود الثلاثة الأخيرة طلباً للحرية والأمان.

* معظم أعمالك كتبتها في المنافى، ولكن العراق ظل حاضراً في نصوصك فما أهمية المكان بالنسبة لك كروائي؟

** من البديهيات المعروفة أن الكاتب يتبلور ككاتب ضمن واقع مكاني وزماني محدد، وأقصد بالمكان هنا البيئة التي عاش و تربى فيها الكاتب،.. المدن،.. الشوارع،.. الأشجار،.. رائحة المكان،.. نمط الإضاءة في بقعة معينة، كل هذه التفاصيل تخلق مقومات الكتابة باعتبار أن أي حدث، سواء في قصة أو رواية، لا بد أن تكون له جذور حية في الفضاء المكاني والبيئة والاجتماعية. لذلك، عادة ما تشكل هجرة الكاتب إلى مكان آخر ضربة كبيرة تخلخل الإنسجام الذي كان موجوداً في وجدانه، الهجرة بذاتها تحول المكان الأول إلى ذاكرة،.. بمعنى أن المكان يرتد إلى الكاتب كلما واجهته إشكالات جديدة أو دخل في علاقات صراعية في بلد الهجرة الجديد. هذه الظاهرة يمكن لمسها عند أغلب الكتاب المهاجرين وهي واضحة بشكل كبير لدى الكتّاب والمبدعين العراقيين ليس فقط في القصة والرواية، وإنما في الشعر والفن التشكيلي والمسرح والغناء والموسيقى، وقد تجلت.

 بطبيعة الحال في رواياتي وقصصي.

 أغلب الأعمال التي كتبتها في المراحل الأولى من الإغتراب تنتمي إلى بيئة عراقية خالصة، بمعنى أن الأحداث كانت تدور في داخل العراق (الكلمات الساحرات ، ألواح).. إضافة إلى معظم القصص التي كتبتها آنذاك. بحيث إنها كانت تهتم بتفاصيل هذا المكان الأول، وهذه الخاصية جاءت تعويضاً عن فقدان المكان الأول، وهي، بمعنىً ما، نوع من العلاج الروحي الذي يلجأ إليه الكاتب المغترب كي يخلق توازنه الداخلي مع المحيط الجديد. لكن، عندما يمتد الزمن أمام المغترب ويعيش تفاصيل حياة جديدة فيدخل في علاقات متناغمة مع مدن أخرى وبيئات مختلفة ينعطف شيئاً فشيئاً إلى هذا الواقع الجديد، وتأخذ المتغيرات الجديدة بالإلحاح كي تتمظهر في الإبداع، وهذا ما حصل بالنسبة لي في رواية موطن الأسرار، حيث يعود البطل من أوروبا ليستقر في دمشق. إن وجود بطل الرواية في مدينة مثل دمشق خلق حالة هجينة.. هي الرجوع إلى بيئة عربية، لكن بعد أن اكتسب ثقافات أخرى ولغات أخرى، وأصبحت عيناه تنظران إلى المكان الأول بحساسية مختلفة، أي أنه أخذ يكتسب هوية جديدة، أقصد الهوية التي يندمج فيها العنصر الغربي والعنصر الشرقي، وهنا تأتي المعاناة من هذه الازدواجية،.. إذ لم يعد شرقياً (عراقياً) ولا غربياً، هذه الإشكالية موجودة لدى أغلب المجموعات التي تهاجر من بلدانها الأصلية. إن مشكلة الهوية أصبحت مشكلة عالمية. لقد عشت في دمشق وأحسست أنني اندمجت في هذه المدينة كما لو كنت واحداً من أبنائها وهذا ما دفعني إلى كتابة رواية اسمها الراقصة، هي مكرسة كلياً لمدينة دمشق، وقد اعتبرتها تحية حب لمدينة عشت فيها أكثر من سبع سنوات متواصلة وأحببتها.

* لا أعتقد أن اسم روايتك الأخيرة (الراقصة) أتى عبثاً بل تماشياً مع تيار جديد في الرواية العربية يعتمد على البوح بالتفاصيل والهموم الفردية، مبتعداً عن القضايا الكبرى كالوحدة، والتحرير الاشتراكية،. فهل سنقول وداعاً للرواية التي تهاتم بمثل هذه القضايا؟!

** الرواية العربية حديثة العهد في الحضارة العربية، وذلك بسبب حداثة تكون المدينة العربية وحداثة الانفتاح على الحضارة الغربية، وبكل تأكيد أقول أن الرواية كفن نضجت في الغرب، وكل الروايات المؤسسة كانت محاولات لتأصيل هذا الفن في الثقافة، والمحاولات الأولى غالباً ما تنطوى على جوانب هشه وفيها الكثير من الخلل،.. سواء من حيث الرؤية الروائية أو من حيث بنية الرواية . الرواية تخضع لمعايير دقيقة منهها حرية الكاتب وحرية النشر وحرية المجتمع ومدى تقبلهُ للنص الإبداعي والمؤسف أننا في الثقافة العربية لا نملك أغلب هذه المقومات، خصوصاً في بداية دخول الرواية إلى الذائقة العربية. من هنا ظلت أغلب الروايات العربية في مجال المسموح به، نظراً للقمع والمصادرة وقيود الرقابة على الأفراد، ومن هنا بقيت الرواية العربية تدور في فلك العموميات أي ما يصطلح عليه القضايا الكبرى والشعارات والإيديولوجيات المتعلقة بتلك القضايا، فلم يمتلك الروائي العربي الحرية في الكتابة عن إخفاقات تلك الأنظمة وإخفاقات شعاراتها أو حتى الدخول في روح الإنسان العربي المهزوم. لا يمكن إنكار أن الفرد العربي مهزوم حضارياً، نتيجة ظروف موضوعية بما فيها موضوعة،.. التخلف الحضاري الشامل الذي نعيشه. إن وجود ظاهرة القطيعية في المجتمع العربي جعل الرواية أيضاً تقليدية نمطية. ولكن، هنالك حتماً استثناءات،. إذ أن بعض الروائين استطاع أن يزاوج بين الهم العام والهم الفردي، وهنا يمكن ذكر (نجيب محفوظ، عبد الرحمن منيف، فؤاد التكرلي، غائب طعمة فرمان،.. وسواهم).

أما عن ميل الرواية العالمية إلى تناول الهموم الفردية والإشكالات الروحية لدى الإنسان فجاءت بالتأكيد نتيجة لعوامل عدة،.. منها استقرار المجتمعات، والحرية الفردية ومفهوم حقوق الإنسان،.. وانتفاء الرقابة على المبدعين، وبالتأكيد كل هذه المقومات موجودة في بلداننا العربية؟....!

لذلك لا ينتظر من الكاتب. وضمن هذه الظروف، أن يخلق بنية روائية متماسكة تهتم بالإنسان الفرد.. وتستبعد الشعارات الكبيرة والهموم العامة.. مع ملاحظة أن هنالك موجة روائية شابة في الكثير من البلدان العربية التفتت إلى هذه النقطة، وبدأت تقشر الهموم الكبيرة و(الكليشات) الفكرية عن إبداعها، في تقدم إضاءة لروح الفرد العربي على ما فيها من هزائم.

* هل لديك مشروع روائي خاص بالعراق في هذه المرحلة؟

** لطالما كنت أفكر في الكتابة روائياً عن تجربتي الخاصة في العراق. خلال السنوات الأربع الأخيرة التي عشتها في العراق كنت على احتكاك مباشر مع الأوضاع، لكنني رجعت إلى العراق بعد قطيعة عشرين سنة تقريباً، وحدة الصراع الموجود إضافة إلى المتغيرات التي شهدتها جعلتني أخطط لمشروع روائي، لكنه يحتاج إلى التأمل والعزلة والهدوء وهي أمور مفتقدة حالياً لذلك اتجهت إلى كتابة المقالات التي تكون أحياناً أشبه بسرد روائي، أكتب عن تحولات المدن. وعن المآسي الاجتماعية وعن تحولات الإنسان العراقي والهجرات الجديدة. وانطباعات عن الحياة اليومية في العراق، وكان الهدف من ذلك تعميق الأواصر بيني وبين المكان العراقي الذي افتقدته سابقاً. وهذا النشاط الكتابي جعلني أحوّل ما عشته وما جرى ويجري إلى حالة معرفية هي الأساس الصلب لكتابة نص روائي جديد عن العراق. طبعاً،.. لا أريد أن أكتب عن واقع سابق أصبح وهماً الآن، فالذي يعيش الآن في العراق يشعر بالهزة الضخمة التي أصابت كل البنى الاجتماعية والثقافية والسياسية، وهذا يحتاج إلى عدة روائية مبتكرة،.. وإلى تقنيات تتواءم مع تلك التحولات.

* تبدو علاقة البطل بالمرأة والجنس في روايتيك (موطن الأسرار،.. والراقصة) متوترة ومأزومة، وهذا يعكس موقفاً ما في وعيك، أو ربما لا وعيك حيالهما، فما حقيقة موقفك من المرأة؟

** رؤيتي الخاصة للمرأة، كرجل، متشكلة من خلال ثقافتي وتربيتي الأسرية، ومن خلال الفضاء الحضاري الذي أنتمي إليه. عدم التعريف بين الرجل والمرأة أمر لا جدال فيه أنا لا أفرق بين المرأة والرجل من الناحية الإنسانية، فهي إنسان قبل أن تكون أنثى وأيضاً وعلاقتي مع المرأة تخضع لهذه الازدواجية أقصد العلاقة بين الرجل والمرأة وهناك العلاقة بين إنسان وإنسان عادة الإشكاليات التي تحصل في العلاقة مع المرأة هي إشكاليات بين إنسان وإنسان بمعنى مقدار ما يحكم هذه العلاقة من الصدق والحميمية وتلاقي الأفكار والسلوك، حين اقترب من المرأة اقترب منها بداية كأنثى. وطبعاً هنالك مواصفات نسبية تتحكم بتفضيل هذه الأنثى عن غيرها. لكن الإشكاليات تحصل بعد عبور حاجزي الأنثى والرجل، الإشكاليات التي تظهر حين يتقاطع إنسانان في لحظة من اللحظات، المرأة في رواياتي تنتمي عادة إلى فضاء الثقافة العربية، ونحن نعرف أن هنالك إقصاءاً كبيراً للمرأة، وغالباً ما تكون العلاقة بالمرأة مأزومة. ومن هنا،.. فإن الرجل عادة ما يخضع علاقته بالمرأة إلى الشكوك والغيرة وسوء الفهم. بطل رواية (موطن الأسرار) لم يستطع التواصل الطبيعي مع المرأة التي أحبها دائماً. كان هناك نوع من سوء الفهم واختلال في النظرة إلى طبيعة المرأة كإنسان. كما أن المرأة أيضاً لها إشكالياتها الخاصة بعلاقتها مع الرجل، التقاطع المأساوي الذي حصل في تلك العلاقة له ناجم عن أن تلك المرأة كانت تحمل موروثاً ثقيلاً من التقاليد والعزلات والريبة تجاه الرجل بينما كان ذلك الرجل نتيجة لتجاربة المنفتحة في أوروبا، يحاول أن يصل إلى روح تلك المرأة. لكن النهاية كانت مأساوية بسبب كل تلك الإشكالات التي تحدثنا عنها المجتمعات العربية بحاجة إلى مراجعة عميقة لقضية المرأة، إذ أن أبرز من أسباب شلل ثقافتنا العربية مرتبط عضوياً بتهميش المرأة وتجهيلها، وتسليط سيف المحرمات الدينية على كل خطوة من خطواتها في الحياة اليومية.

* كيف يكتب الكاتب؟ هذا الجانب بقي من المحرمات فنادراً ما يتم تناول هذا السؤال فهل لنا أن نعرف شيئاً عن طقوس الكتابة لديك (خطة العمل أو عادات الكتابة)؟

** في كل مشروع كتابي أحس وكأنني ابدأ للمرة الأولى، ولكن لا أضع نماذج مسبقة في ذهني، أقصد بالنماذج أساليب روائية معينة، أو تجارب لكتاب عالميين. في البداية أختار الجو الروائي وهو البيت، المدينة، البلد، الزمن، وأحاول أن أبتكر شخصيات وأمكنة في هذا  الجو أركز كثيراً على التفاصيل الصغيرة، وأعتقد أن كل عمل روائي يجب أن يكون مقنعاً ويبتكر إمكانية وجوده، والتفاصيل الصغيرة هي التي تعطى هوية وخصوصية للعمل. وطبعاً،.. أضع الخطوط العامة للحدث، وحركة الشخصيات، وأحاول أن أجد التوازن بين التفاصيل وتلك الخطوط. الحياة مصنوعة من قصص وحكايات، والرواية لا يمكن أن نطلق عليها صفة رواية إلا إذا كان فيها جانبا حكائي، فالحكاية تشد القارئ. وتمنحه القدرة على التوغل في الصفحات، لذلك أحاول عادة أن أرسم خيطاً حكائياً مشوقاً، يجعل القارئ يعيش في الجو التخيلي.

كل رواية جديدة هل ولادة جديدة لي،.. والكتابة الروائية هي نوع من المراجعة الشاملة لدواخلي، يمنحني التوغل في المجاهيل المظلمة يمنحني نوعاً من التطهر وقوة داخلية،.. لأنني أعتبر نفسي قد صنعت مخلوقاً جديداً، وأهديته إلى هذا الوجود.

 الكتابة الروائية تحتاج إلى شروط الاستقرار النفسي وتوفر الظروف الموضوعية التي يستطيع من خلالها الكاتب أن يقفز على كافة، التابوات، سواء الذاتية منها أم المجتمعية. وحين أكتب أكتب بحرية داخلية لا أفكر بقارئ معين، وإنما أخضع ما ينتج بعد عملية الكتابة إلى خبرتي الثقافية والحياتية والعقلانية، فالكتابة ليست عملية سهلة على الإطلاق، خصوصاً إذا ما كان الكاتب يكتب بصدق.

* من يعرفك ويقرأ لك يحس كأنه يقرأ عنك، فحضور الذات واضح في كتاباتك، فهل هذا الإحساس الذي تمنُحهُ للقارئ حقيقي أم حيله أدبية؟

** عادة ما أقوم بفرز ما بين شخصيتي كإنسان وبين الكاتب الذي هوأنا. شخصيتي كإنسان خاضت الكثير من التجارب الحياتية، ومرت بمفارقات، ولها رؤية حول الحياة بكل تفاصيلها، هذه الشخصية سمعت كثيراً من القصص،.. عاشت في تحولات، وخالطت بيئات اجتماعية وثقافية متباينة من هنا، أعتقد ككاتب أنه يمكن الأستفادة من خبرات هذه الشخصية بحيث تترجم الكثير من مواقفها وتجاربها إلى نماذج روائية خاصة. أما أنا ككاتب فلي الإطلاع الأعمق على خبايا وأسرار هذا الإنسان، فأنا من هنا أستطيع الاستفادة روائياً من نموذج حياتي. وهذا طبعاً مشروع ومتداول لدى الكثير من الكتّاب. لكن القارئ الذي لا يعرفني يصعب عليه القول أن ثمة سيرة ذاتية موجودة في العمل الروائي. إضافة إلى كل ذلك، فإن الإيحاء للقارئ بأنه يقرأ سيرة ذاتية يمنحه فضولاً هائلاً للمعرفة. كما يوحي له أنك بصدق ما يقرأه من أحداث لكلام آخر، إنها خدعة روائية توظف لصالح العمل أخيراً.

* أين مكان ودور المثقف في عالمنا العربي،؟

** لدينا صنفان من المثقفين العرب الصنف الأول هو المندمج بالمؤسسة الرسمية، يكرس نفسه لي يصبح مسّوغاً لما تقوم به السلطة. وهذا الصنف هو الفاعل راهناً لأن مثقفاً مثل هذا تنفتح له أبواب الفضائيات والصحافة الرسمية والمؤتمرات ويحصل على الشهرة المجانية ويعيش في يسر. وهنالك الصنف الآخر الذي أعتبره المثقف الحقيقي، أقصد المثقف المتمرد على التقاليد والنظريات الجاهزة والمؤسسات المدنية والدينية،.. هذا المثقف مهمش اليوم وتغلق أمامه الأبواب. وكل ذلك كي لا يسبب مشكلة للسلطات السياسية والدينية والاجتماعية. ويمكن القول أن الصنف الثاني أي المثقف الحقيقي على المدى الطويل هو الذي يمتلك الفاعلية. وهو الذي سيخلخل البنى العتيقة رغم ما يدفعهُ من أثمان. وبسبب الإشكاليات الحضارية التي نمر بها. الآن،.. من المؤسف أن يكون المثقف المروض والخاضع لشتى المؤسسات هو الذي يتولى تقديم الغذاء الروحي للإنسان العربي. ومن هنا يمكننا أن نفهم مدى، وأسباب، الخراب الروحي الذي نعيشه.