العدد السابع عشر - كانون الأول 2006

صديق .. وقت الضيق

محمود نصر
الثلاثاء 19 كانون الأول (ديسمبر) 2006.
 

لم أكن أعلم أنّ من يقدّر له يوماً شراء منزل سيكون عليه زيارة معظم دوائر الدولة،.. من البلدية، إلى العقارية، مروراً بدوائر الشرطة والمياه والكهرباء، و..........

المشكلة أنني غرّ في تعاملاتي مع هذه المؤسسات،ولم أعدّ نفسي بتأهيل جيد لخوض مثل هذه المعاناة على الرغم مما تناهى إلى سمعي عن مشاكل وتعقيدات الدوائر الحكومية. وفنون الرشاوى التي تدور رحاها في كل هذه المراكز من دون استثناء .

دخلت الدائرة الأولى. و منها بدأت رحلتي مع العذاب متنقلاً من غرفة إلى أخرى من دون أي جدوى،..فهذا يقذفني إلى ذاك وذاك يرميني إلى تلك ،.. وتعال غداً والأفضل بعد غد، والموظف غير موجود!! هكذا أمضيت نهاري تائهاً بين الطوابق والمكاتب وإشارات النفي و السلب والتأجيل، بقيت على هذه الحال عدة أيام، حصلت فيها على توقيعين. وحين ثبت لي أنهما حقاً غير ضروريين أحسست بالقرف وعدم الجدوى.. فتهالكت على الكرسي الوحيد،.. والمكسور الموجود في ردهة المؤسسة، بانتظار أن ينتهي الموظف من إفطاره لكن يبدو أن الوقت أخذني، ومنها نسيت نفسي لعشر دقائق كان موظفي الحبيب قد غادر خلالها الدائرة في مهمة لن يعود منها قبل الغد !!

خرجت أتعثر ببعض الكلام البذيء الذي أطلقته في حق كثيرين مذنبين وغير مذنبين،.. ورحت انزل الدرج بوهن كما لو أنني كبرت عشر من السنين دفعة واحدة، ولم أفق من هلوستي إلا على صوت رجل يسعفني بإرشاد أو يصرفني إلى خيبة جديدة. يبدو أنني اصطدمت به من دون أن انتبه إلى نفسي، واستعادني صوته من هذياني : "إيه الكبرة لـ "الله"

همت بكلام الأسف والاعتذار،..يا للصدفة إنه صديق دراسة قديم. صافحني بحرارة وبعد انتهاء نوبة الكلام الحميمي أخذنا ركنا ميتا بدأنا فيه بالاستفسارات، أين أصبحنا، وكيف نعيش، وماذا نعمل.. إلى ما هنالك من أسئلة تدور بين شخصين يعرفان بعضهما البعض.. و لم يلتقيا منذ زمن طويل .وجواباً على سؤاله ما الذي أدخلني هذه المتاهة، أبرزت له معاملتي التي تصفحها من دون كبير اكتراث وقال: بسيطة.

 قلت: بسيطة!! من هي تلك البسيطة!!

 قال: معاملتك بسيطة، عشرون دقيقة وتكون جاهزة

من فمك إلى أقلام الموظفين، قلتها وانأ أقدم الأوراق له طالبا المساعدة. ردها لي قائلا: أنا هنا موظف، ولذلك قد أضرك أكثر مما أنفعك، لكن سأدلك على الطريق. تبسمت وقلت: با لله عليك أسرع. قال: لا تخف فالعملية كما قلت لك بسيطة، وكل ما عليك فعله أن تدخل وتدفع من دون خجل أو وجل، فعلى ما يبدو أنت جديد في هذه المصلحة !!

قلت: وكيف أدفع؟! أجاب: تدفع وكأنك تشتري بطاطا أو بندورة لكن،.. اعتبر نفسك اليوم تشتري لحماً. قلت بالله عليك ساعدني فأنا لا أجيد الدفع بهذه الطريقة، قال: تعال معي، وسحبني من كمّ قميصي باتجاه أحد المكاتب، ادخل وادفع لمن يجلس في الصدر.. لاتخف،قالها بصوت آمر مشبع بالتشفي.

قلت: ولكنه ليس الرجل المطلوب،.. قالوا لي أن معاملتي عند موظف لن يأتي قبل الغد!!

رد مشجعاً وهو يضغط على يدي: ادخل ولا تخف، ألم تسمع بالنافذة الواحدة؟!

أحسست أنني أخذت على حين غرّة: لكن،.. ما هي هذه النافذة الواحدة؟! رد بجلافة: أي انك تستطيع أن تعطي الرشوة لأي شخص موجود.. و بعدها ييسر أمرك فيرشدك و يعينك على متابعة الطريق...

دخلت، كما يقال " رجل إلى الأمام وأخرى إلى الوراء ". ووقفت استمع صامتاً إلى ذلك الرجل الذي يجلس في صدر المكتب، وهو يتحدث برتابة مع زميله من دون أن يعيرني أي التفاتة، لكنّ صديقي تضايق، على ما يبدو، من أدائي الضعيف،.. فدخل ورائي، وهمس في أذن الرجل شيئا ما،.. التفت بعدها الموظف إليّ قائلاً: أهلا وسهلا كيف لي أن أخدمك. دفعت إليه معاملتي بيد ودسست الأخرى في جيب سترتي

تصبب العرق من جبيني، أحسست أن رائحتي أصبحت كريهة للغاية، كل شيء لزج في هذه الغرفة،.. سحبت يدي من جيبي بارتباك فاضح،.. فتساقطت بعض القطع النقدية وأحدثت رنينا مزعجا يشبه دويّ الفضيحة!!

زاد من توتري وارتباكي أن صديقي حدجني بنظرة مؤنبة، حاولت تجفيف عرقي. لكن الرجل الموظف إعطاني جرعة من الشجاعة بقوله : تحرك لاتخف، فدفعت له ماقبضت عليه أصابعي المرتعشة من دون أن اعرف المبلغ. تناول "المعلوم" وقال لي: الغرفة الموجودة في آخر الممر. خرجت من المكتب بسرعة خيالية،.. ثم وقفت في الممر ألتقط أنفاسي. لكن صديقي دفعني أمامه هازئاً.. أسرع ما لك كالفتيات ؟! اذهب واقتل ضعفك . لم أفكر كثيراً، بل.. دخلت المكتب التالي بعد أن جهزت مبلغاً معدوداً .

وضعت " المعاملة " على المنضدة الطافحة بالأوراق المهملة،. وبقليل من الارتباك وضعت المبلغ تحت " المعاملة " . نظر إلي الموظف هازاً رأسه،.. كتب توقيعه، ووضع الختم فوقه باسماً وعيناه تكتبان شيئاً على وجهي. قال لي : عد من حيث أتيت. وهكذا،.. من غرفة إلى أخرى، ويدي تارة في جيب سترتي وأخرى في جيب سروالي

ما هي إلا دقائق قليلة حتى أصبحت الأوراق كاملة الأختام والتواقيع !!

شكرا لك يا صديقي لولاك لبقيت هنا أياما فانا لم أكن أعلم أن الناس أصبحت على هذا القدر من اللطف والمسؤولية، قلت ذلك لصديقي وأنا اشد على يده مودعاً . حين هممت بسحب يدي ضغط علبها بقوة، رافقني إلى خارج المبنى قائلا بعتب كبير :

 

ونحن،.. ألسنا من أولئك الناس ؟!