العدد السابع عشر - كانون الأول 2006

في البدء كانت الروح..

فايز فارس
الثلاثاء 19 كانون الأول (ديسمبر) 2006.
 

في البدء كانت الروح وصارت جسداً. لم ولن نعرف يوماً من أين جاءت الروح لكننا نعرف إلى حد ما من أين جاء الجسد، هذه المادة المركّبة المعقّدة جداً، المعرّضة إلى الفناء لحظة مغادرة الروح لها. لا نعرف حدوداً للروح لكننا نعرف بشكل من الأشكال إين تنتهي حدود الجسد. هي التي تحي وهي التي تميت. نعمل على تنمية الروح حتى يسهل علينا تطوير الجسد. لأنّ الروح هي التي تبيّن للجسد قدر المستطاع أبعاده وتحدد قدراته إستناداً إلى متطلباته وحاجاته من أجل البقاء حيّاً معطاءً. هي التي تجعلنا نرى الصحراء جميلة كما الغابات والوديان والبحار. هي التي تفعل الفعل الأولي في توصيف وتحديد الأشكال والألوان. هي التي تطلق الرغبات وتحركّها وتعطى للذّة مداها ولو بأحجام وأشكال مختلفة. هي التي تنظّم العلاقة بين الرغبة اللامحدودة واللذّة المحدودة مهما فعل وجهد الجسد في سبيل تحريرها وإطالة أمدها. بإمكاننا أن نعالج الجسد درساً وفهماً وتنمية لقدراته حتى يتمكّن من تلبية الرغبة الكامنة فينا. هنا نحتاج إلى الحكماء والعلماء والفقهاء الباحثين عن الأفضل. هم الفلاسفة والأطباء والأدباء والشعراء والفنانون المبدعون الذين أمضوا العمر يبحثون عن الخير والحق والجمال أينما وجد.

ضحك صديقي العتيق عندما سمعني أقول ذات مرة أن الأنسان ليس سوى حيوان عاقل..! هو العقل بيت المعرفة. هو عشيق الروح تنتعش بانتعاشه وتتوه إذا ما ضعف،.. وتضيع إذا ما ضاع. العقل هو المسؤول عن تنمية وإطلاق الرغبات فينا سلباً أم إيجاباً. هو المسؤول عن تحديد حاجاتنا الأساسية والثانوية وقدرتنا على تلبيتها وتحقيقها. وحاجات الانسان (كما الحيوان) في صراعه من أجل البقاء، ثلاث: حاجته إلى الغذاء وحاجته إلى الراحة وحاجته إلى العاطفة الجنسية. عند الحيوان، وبسبب تكوينه الأفقي، تتساوى هذه الحاجات فتحد بالتالي نمو وتطور الادراك عنده. بينما لدى الانسان، وبسبب تكوينه العامودي، العقل نما وتطور فتمكّن من التحكّم بعملية تلبية حاجاته والسيطرة على رغباته الدفينة.