العدد السابع عشر - كانون الأول 2006

بول شاؤول في شهره الطويل من العشق

بول شاوول
الاربعاء 20 كانون الأول (ديسمبر) 2006.
 
New Page 1

يتوغل بول شاؤول في مجموعته الشعرية كشَهْر طويلٍ من العِشق بتعريض خط مساره المختلف داخل الحداثة المكتوبة باللغة العربية، ويبدو في هذا المسار كم هو منسجم مع ذاته في تجربته الإبداعية. وكعادته يذهب في كل إصدار جديد له إلى ما هو مغاير عن سواها صاعداً بالتجربة إلى فضاءات غامضة وخصبة محدداً علاقته بالوجود من خلال جوهر معرفي وجمالي ـ فكري. وهو يستبطن في الكتابة مخزوناً يكتظ بالمعرفة الشعرية الوجودية، ويغوي بتخليق كائن شعري، بجسارة وتوظيفه في التجديد والتجريب، وهو العارف كيف يسيطر على مفاصل قصيدته، وتجنيبها السقوط في نمطية التكرار، وإعطائها إعتباراً فوق الكثير من المقامات.

بول شاؤول قادر على تحقيق معادلة صعبة ومتفردة في مشروع الحداثة الشعرية المكتوبة بالعربية، ويحق له ذلك، لأنه قادم من تجارب مختلفة، حيث له في الشعر ـ أيها الطاعن في الموت،  1974، بوصلة الدم، 1977، الهواء الشاغر، 1985، موت نرسيس، 1990، أوراق الغائب، 1992.

وفي المسرح له ـ المتمردة، 1975، فياض يا قناص، 1985، الساعة خمسي، 1985، ميتة تذكارية، 1990، الزائر، 1995. وفي الترجمة له ـ كتاب الشعر الفرنسي الحديث، 1990، مختارات من الشعر العالمي، 1990، في انتظار غودو، 1990، نهاية اللعبة ، 1992.

يضاف إلى كل ذلك مئات المقالات عن الحداثة الشعرية والفن عموماً، وعن موقف المثقف من السياسة والسلطة بكافة أشكالها.

بين ليالٍ من شَتِيْتِ ما انقضى، ووردٍ مَلَولٍ، يَشهقنَ،

مومساتُ الأمس، وكثيراً ما يَسْتَرْسِلْنَ في نشيجٍ

صعبٍ خلف أسمال أجسادِهن، وخلف نوافذ أسِيفةِ

الصبحِ، رَخيةِ بين جفافِ الجلد وصفاء المرآة ص41 هكذا يكتب الشاعر بول شاؤول قصيدته التي تضم رؤيته ومعرفته وطريقته في الحياة منطلقاً من زوايا حسية، فالجسد متجدد داخل مشروعه الشعري، ويشعل في نصوصه حالات العشق المكتظ بالوجود، وبها يستنهض "شاوول" لغة حساسة لاستقراء وجه العالم الماشي، من خلال هذا الإنشاد يحاكي الأعماق ويحرك الرغبة الأزلية في البحث عن إمتلاء وتثبيت الرغبات المتجددة في انتظار ارتواء ظمأ متخفّ داخل الإنسان، ومن هذا المخلوق الشعري يؤكد رغبته في التخلص من قسوة الكون.مفسحاً المسارب للامساك بالمبهم. والوصول إلى اعترافات تستبطنها أعماق الكائن البشري، لكأنه مشدود في كل ذلك إلى الكشف عن الإنسان بدءاً من رفع الغطاء عن الرغبات القابعة في الدهاليزالداخلية لهذا الكائن اللغوي.

 إن العشق والجسد اللذين يسيطران على مناخات هذا الكتاب هما مدخل التأسيس عن تأملات واستعارات متعددة في طرح الغياب والفقدان والكتابة من ضمن نسيج اللغة الشعرية المتكاملة، وهذه اللغة يمارس عليها بول شاوول، بحرية مطلقة، نزعة تحويل أصل الأشياء إلى سبيكة شعرية، والذهاب بها إلى أقصى حالات الكشف عن حقائق ورغبات داخل الحواس، وهو يطل في هذه المجموعة على وديان ومنازل العشق والرغبة بأنامل حاذقة، تعمل على إعادة غرس الورد في مساحات شعرية لا تحمل إلا اسم بول شاؤول نفسه وكارزميته الشخصية.

هكذا تقبلين عليَّ كشهر طويل من العشق، مُضَمَّخةً بَعَرقكِ القاطرِ

عليَّ، وبأنفاسك حَرَّى من ضيق الأسِرَّة، ومن هبّات الوردِ الشبقة

على جسمك، وفَتيته المتناثر على عُري صبور، صبور كمرآة،

وفاسق كبياض من الياسمين، ومنتفض بأنينه كتبتُّل قديسات في

الدغل وفوق القصب والينابيع.

كشهر طويل من العشاق والمأسورين والخطأة أرفعك من شهواتك

كشَتْلة من ترابها ومائها وورقها، وأهترك، بأجسامك السابقة،

والمقبلة، والحية، والخفرة، والمقتولة والقاتلة. وأراك عبرها، كمن

يحضن زغباً حاراً في يديه، أو كمن يفتح النافذة على سنوات

طويلة من الأرق الُمشمس واليقظة المحرورة، وترينني بحواس من

دغلٍ كثيف، ومن أقمار حُمرٍ عمياء، ومن ارتطام أنّات أنّات من قعرِ      

الحُفَر، ومن حرائق، ومن اجتمار الأصابع، والعنق، ونثار ما يَمَّلِسُ

على التمدد، والخروج بلا مقابل ص7  

والواضح أن الشاعر يكتب قصيدة مركبة، ويشتغل على علاقة المفردات ببعضها البعض، وهو بذلك يشيد قصيدة بلغة باذخة، ولكن يعمل على إخضاعها واستنطاقها إلى أقصى مدى ممكن في التعبير، وتوظيفها كإحدى العناصر الأساسية للقصيدة المركبة، التي تعتمد على فن الحذف في شكلها النهائي، و تتميز بقسوة التعامل مع اللغة المكتوبة، حيث يصل به الأمر أحياناً إلى تعريضها للقمع والعنف المسبوك في قطع الأجزاء الهشة من جسد القصيدة وهذا أشبه بتعامل النحات مع مادة الحجر، لكننا في جميع الحالات يمكن أن نتلمس إصراره على التفريق بين القصيدة والشعر، وهو مخلص في نصوصه لفن كتابة القصيدة، ويؤكد ذلك في  تذييل العنوان على الغلاف الأول بكلمة قصائد. فالقصيدة هي أرفع أنواع المكتوب، وهذا النوع يعمل على التوغل في الذات، والموضوع الذي يشكل أبرز السمات الأساسية للحداثة الشعرية العربية الطامحة إلى التجاوز والابتعاد عن الشفوي والتطريب والغناء والمباشرة واليومي والبلاغي. ونلاحظ أن شاوول يبتعد عن الكتابة المنبرية التي تجلب التصفيق والإعجاب الضروريين للاستعراض الاستهلاكي. وهنا نفهم قلة مشاركته في المهرجانات والاحتفالات الشعرية التي أصبحت تكرس لبعض الأسماء ممّن يكتبون قصائدهم وفق تقاليد تلك المهرجانات وأذواق إدارتها التي غالباً ما نجدها هي أبعد ما تكون عن الذائقة والمعرفة الشعرية.

شيء آخر جدير بالذكر في تجربة بول شاوول،فعدد كتبه لا يتناسب مع تجربته الطويلة، إذ لا يهم عدد الكتب بقدر ما يهم في كل إصدار طرح تجربة جديدة من حيث اللغة والموضوع،ثاني وكأنها في قطيعة مع سابقاتها، وهو من الكتّاب الذين لا يحبون النمطية والتكرار والنسج على منوال واحد، من جنسها في حال هاجس وقلق دائم، فلا يستقر على نمط معين، بل يشتغل على كل تجربة بأدوات لذلك يبدو وكأنه من حيث اللغة والشكل ونراه يستخدم أساليب لا حصر لها منذ مجموعته أيها الطاعن في الموت وانتهاءاً بـكشهر طويل من العشق التي هي احتفال بالجسد،.. وبلغة الجسد في مختلف أحواله: جسد المرأة، جسد العاشقة جسد المترهلة، الجسد المتعب، الحي، الشبق، الجسد الايرويسي. نلاحظ أنه يستخدم بعض المفردات التراثية بتشكيليتها الإنشادية ـ المزمورية، بل هي تتكرر في أكثر من موقع في المجموعة، وهي تأخذ القصيدة إلى أقصى العمق في التعبير التشكيلي،ولا تبدو مصنعّة رغم أنها، حقيقته الاصطناع لأن الموضوع يتطلب ذلك، فهو يقارب لغة القصيدة وكما النحات ولا يتركها إلا بعد إعطائها بعداً مسكوباً متناسقاً مع تفاصيلها.

وكيف لي، وأنا على عتبة هامدة، أن أصغي إلى الغرائز والصبابات

إلى ما يمليه بلا الجسدُ بلا ندامة ولا جدوى، وأنت مثلي كتلة من

كتلٍ موزعة حولي بلا طائل، ومن رميم الوقت

ومن كدس القيلولة

ترمين سهاماً طائشة في فضاء أعمى،

كأنها المسافات المبتكرة

أو ما يقتل الموتى في عزّ ميتاتهم

أو ما يثقل الحاضر بأجسام رثة وكآبات معتمة

ومهارات تجري عبثاً بين آلاتها الفائتة.

جسدك العاري وحيدٌ في عريه

فاتر في تدفق أغساقه وظهيراته

بلا طائل

بين كتلٍ موزعةٍ حوله بلا طائل

عريٌ لا تخشاه العتمة

لا يلمحه الضوء

عري أحزن من يدٍ بلهاء ترتفع فجأة

لتضم الهواء

الهواء الأعمى

الهواء الذي يختلط بالأشياء

بلا وقع ولا ذاكرة ولا عبق

 شموسٌ عديدة ترخي ظلالها الباردة عليك

جدرانٌ كثيفة

تذوب في شفتيك

تُفتُّ على جلدِك

والغرفة بيضاء بيضاء باهتة في ذلك البياض القاسي الجارح الثقيل ص 79

و في هذا الديوان يستخدم "شاوول" مفردات تراثية معتقة ذات تعبيرات أصلية عن العشق والجسد في الموروث المكتوبي العربي، وهذه المفردات تعطي القصائد مناخاً يشبه تجاوز الزمان، ويعتمد بول شاؤول على البلاغة فيوظفها ضمن نسيج القصيدة بشكل إحيائي تشم فيها العشق والجسد ومن خلالها يصل إلى معادلة توسيع اللغة إلى أمداء قصيّة يضمن فيها للقصيدة أن تعيش عبر الأزمنة المفتوحة على زوايا متعددة المجاهيل ـ الأشياء. وهي لا تركن إلى ما هو متفق عليه. بل تحيا من خلال قراءتها في كل مرة، وتهيمن على القارئ بلهب النشوة وسحر العشق عبر أبواب تفضي إلى سهول الجسد و مناخات وأقاليم فيها غرابة ومفاجأة فهي متبدلة متنوعة كفصول الزمان لقد بقي بول شاؤول خارج القوالب والتصنيفات والمدارس والأساليب المحددة، لكأنه يرفض في قرارة ذاته تكريساً من المؤسسات والجهات الرسمية و"أظنّ" حتى من الجهور. وبالتالي هو أحد الفرسان الكارزميين في مشروع الحداثة الشعرية المكتوبة باللغة العربية بل أكثرهم إخلاصاً وأقلهم توظيفاً نفعياً.