العدد السابع عشر - كانون الأول 2006

رجل في ذروة.. أم ذروة في رجل !

سهيل رستم
الاربعاء 20 كانون الأول (ديسمبر) 2006.
 

بدوي الجبل  

محمّد سليمان الأحمد

1903 ـ 1981

 

الخالدان ـ ولا أعد الشمس ـ شعري والزمانُ

هذا ما قاله البدوي ولعلّه أصدقَ ما قيل في شعره الذي سيبقى خالداً على مرِّ الأيام وتتالي الأزمان.

 يقول أكرم زعيتر في مقدمته لديوانه: عن عبقرية البدوي: إن العبقرية الشاعرة، من صنع الله، ونفحة العلي الأعلى وإنّ منجمها هو البيت الذي فيه نبتت، وحقلها الذي فيه ترعرعت فوالده الشيخ العلامة سليمان الأحمد، وشقيقه أحمد، وشقيقته فاطمة، كلهم شعراء مجيدون.

فلْنرَ كيف وُلدت هذه العبقرية الفذة، وكيف نشأت، وتنامت قريحةً ثرَّةً، وذهنيّةً وقادة سخية تنساب شعراً أنيقاً يمور غزلاً عفيفاً، وينهدُ بالمشاعر والأحاسيس الوطنية والقومية إلى وقفات عزٍّ سامية هي شرط الفوز والانتصار.

مولده ونشأته:

ولد بدوي الجبل في قرية ديفة إحدى قرى محافظة اللاذقية، وترعرع في قرية السلاطة، وثمة خلاف بين الباحثين حول تاريخ ولادته، لكنّ المرجّح أنه ولد عام 1903 بينما يرى آخرون أنه وُلد عام 1908.

والده العلامة الشيخ سليمان الأحمد، من الأعلام لغةً، وفقهاً، وأدباً. كان ينظم الشعر الصوفي الرقيق، المشرق ديباجة والثريّ مضموناً.

كان الشيخ سليمان الأحمد عضواً في مجمع اللغة العربية في دمشق، كما كان فقيهاً معروفاً وأديباً كبيراً، وشاعراً متمكناً. وهكذا،.. فقد نشأ البدوي في بيئة دينية وبيت علمي عريق، أركانه الأخلاق والعلم والفضيلة. وكان لوالده في هذا البيت ديوانٌ خاص يستقبل فيه الأدباء، والشعراء، والفقهاء، وطالبي العلم والمعرفة من مختلف الطبقات الاجتماعية، فكان أصدقاؤه وزوّاره لا يُخفون إعجابهم الشديد بنجابة الابن وذكائه، وذهنه الوقاد.

تعلّم الشاعر القراءة، والكتابة، والقرآن الكريم، في كتّاب القرية كأبناء جيله، ثم درس على أبيه، وحفظ القرآن الكريم وهو لا يزال صغير السن، كان ـ في ديوان والده ـ يلتقط كل ما يسمع من نظم ونثر، ويختزنه في حيِّز اللاوعي ليزهرَ فيما بعد ويُثري فكره الوهّاج وقريحته الوقّادة. لقد قرأ واستوعب كثيراً من كتب التراث. كنهج البلاغة، والأغاني، ومؤلفات الجاحظ، وأبي حيّان التوحيدي، وحفظ كثيراً من القصائد لكبار الشعراء أمثال: امرؤ القيس، وأبو تمام، والبحتري، والمتنبي،... والأمير حسن بن المكزون السنجاري الذي تأثر بالجانب الصوفي من شعره.

 

يفاعته وشبابه

انتقل إلى مدينة اللاذقية لدراسة المرحلة الابتدائية، لكنّه ظلّ لصيقاً بقريته ملازماً ديوان والده، متصلاً بأسرته وأصدقائه. وفي سنِّ مبكرة غادر إلى دمشق، وفيها أحسّ أن هذه المدينة تموج بالروح الوطنية الوثّابة، والمشاعر القومية المتأججة، وكان الوطن يرزح تحت عبء الانتداب الفرنسي البغيض، ويُدير الحكم فيه الملك فيصل بن الحسين الذي كان وحكومته السورية يتعاطفون مع مشاعر الشعب الوطنية، وتطلعاته نحو التحرر والاستقلال.

أحبَّ " البدوي " دمشق حبّاً لم يفارقه طيلة حياته، وكان حينذاك وهو في سن اليفاعة والشباب ـ يؤمن بأن الحرية، والاستقلال، والانبعاث القومي لن تتفجر إلا في دمشق، فأخذ يُنشد بواكير شعره في أنديتها، وينشر أوائل قصائده في صحفها.

أصل تسميته البدوي

كان ـ وهو لا يزال شاباً ـ يبعث بقصائده إلى جريدة ألف باء الدمشقية، ولم يكن حتى ذلك الوقت قد حاز من الشهرة ما يتناسب مع قيمة شعره. وفي تلك الفترة برز اسم المناضل الإيرلندي ماك سويتي الذي ثار على الاستعمار الإنكليزي لوطنه، وعبّر عن ذلك بالصوم حتى الموت احتجاجاً، وفعلاً قضى صائماً بعد أن نظم قصيدة رائعة، أخذ يردّدها مواطنوه غناء وترتيلاً، وقام البدوي بنظم هذه القصيدة بالعربية، وأرسلها إلى جريدة ألف باء مرفقة بتحية شعرية إلى روح المناضل إيّاه. في اليوم التالي رأى قصيدته منشورة ومزيَّلة باسم بدوي الجبل. فسارع إلى يوسف العيسى صاحب الجريدة، وسأله عن السبب فأجابه: إنّ الناس يقرأون للشعراء المعروفين، ولست منهم، وهذا التوقيع المستعار يحملهم أن يقرأوا الشعر للشعر، ويتساءلوا: من هو هذا الشاعر المجيد؟ وأنت في ديباجتك بداوة، وأنت ابن جبل!!... وتوالت قصائده تنشر في صحف بيروت ودمشق، والناس يتساءلون: من يكون هذا الشاعر؟!

إلى أن دعا صاحب جريدة ألف باء يوسف العيسى إلى حفل قدّم فيه الشاعر قائلاً: هذا هو بدوي الجبل، إنه محمد سليمان الأحمد. وغلب اللقب على الاسم في المجتمع والبيت، وهنالك طرائف كثيرة حصلت للشاعر بسبب اختلاط اللقب والاسم. ونورد منها ما حدث معه في القاهرة عندما عُقد المؤتمر البرلماني العربي لنصرة فلسطين عام 1938، فقد كان يتلقى لكل اجتماع أو حفلة دعوتين، الأولى معنونة: سعادة بدوي بك الجبل، والثانية سعادة النائب محمد سليمان الأحمد.

وللشاعر لقب ثان هو: شاعر العربية وهو لقب معترف له به، ومكرَّس من قبل كبار أدباء وشعراء ذلك العصر، تماماً كلقب أمير الشعراء لشوقي أو شاعر النيل لحافظ، أو شاعر القطرين لمطران. وكان أوّل من أطلقه عليه الأديب أكرم زعيتر وأجازه له العالم اللغوي والأديب الكبير إسعاف النشاشيبي وأقرّه وكرّسه كبار أدباء وشعراء العربية في ذلك الوقت أمثال: خليل مردم، والأخطل الصغير، ومحمد البزم، والعلامة الشيخ عبد القادر المغربي.

كفاحه ونشاطه السياسي

شارك البدوي ـ وهو لا يزال يافعاً ـ في ثورة الشيخ صالح العلي، وعندما بدأ الحكم الفيصلي في سوريا يساند الثوار ضد الانتداب الفرنسي وبدأت تبرز روح المقاومة والنضال، والتيقظ القومي، كان البدوي يُحسُّ أن دمشق هي بؤرة الثورة المفعمة بالروح الوطنية والقومية، وأن إشراقة المجد تهلّ عليها لتبعث الأمجاد القومية من مرقدها، وتنفض عنها غبار الاستكانة والخضوع، فبادر إليها ينشد فيها بواكير شعره، ولقد أحبّها حُبّاً جماً وبقي على حبها حتى آخر لحظة من حياته.

اختير البدوي ـ اختاره يوسف العظمة ـ ضمن وفد يرأسه الشهيد يوسف العظمة وزير الدفاع للذهاب إلى اللاذقية بغية التنسيق والتعاون مع الشيخ صالح العلي، ولما عاد الوفد موفقاً قدّمه يوسف العظمة إلى الملك فيصل لنجابته، ومكانة أبيه، ونوّه بصدقه ووعيه وعزيمته، فشكره الملك وظلّ على اتصال معه، وهذا ما أغضب الفرنسيين أشدّ الغضب.

أما الفاجعة الوطنية فكانت عندما اقتحم الفرنسيون دمشق غزاة بعد معركة ميسلون واستشهاد يوسف العظمة، فرثاه الشاعر ممجّداً بطولته ومُكْبراً تفانيه واستشهاده، كما أهدى ديوانه البواكير إلى روح الشهيد البطل قائلاً في إهدائه: "إلى تلك الروح الكبيرة التي تمرّدت على العبودية،.. وعلى الحياة".

لاحقه الفرنسيون،.. فلاذ بالبطريرك الوطني غريغوريوس حداد واختفى عنده، ثم يمّم مدينة حماة مشياً على قدميه علَّه يصل فيها إلى معقل الثوار في الجبال، لكنّ الفرنسيين اعتقلوه وعذّبوه أيَّما تعذيب، فأدموا قدميه ضرباً، ومعصميه تكبيلاً، وكفّيه تشغيلاً، ثم ساقوه من سجنه في دمشق إلى حمص.. فبيروت، حيث مكث شهوراً في سجونها، وبعدها سيق إلى اللاذقية وزُجّ في قلعتها.

بعد خروجه من السجن انتمى إلى حزب الكتلة الوطنية، وتابع نضاله السياسي، فانتُخب نائباً عن محافظة اللاذقية، وفي عام 1936 نكث الفرنسيون بالعهود التي قطعوها للحكومة والشعب، وقوَّضوا الحكم الوطني، واسقطوا الحصانة عن النواب، وقسَّموا سوريا إلى دويلات، وتوجَّس الشاعر الغدر في نفوسهم، وتبيَّن ما يضمرونه له، ففرَّ إلى العراق. لكن،.. بعد أن قُمِعتْ ثورة رشيد عالي الكيلاني ضد الإنكليز عاد إلى سوريا، فاعتقله الفرنسيون عام 1941 وسجنوه في قلعة كسب، وقد توفّي والده وهو رهن الاعتقال.

بعد الاستقلال وجلاء الاستعمار انتُخب نائباً، وعُيّن وزيراً غير مرّة، وكان لا يني يغنّي الوطن وأبطاله في شعره عند كل مناسبة، وفي أوائل الخمسينات وقعت في سوريا أحداث داخلية ماهرة ، ففرَّ إلى لبنان بسيارة صديقه محافظ اللاذقية سعيد السيد ثم عاد إلى دمشق، وسمّي وزيراً، لكنَّ أحداثاً أخرى وقعت عام 1956 فغادر دمشق متنقلاً بين بيروت، والاستانة، وروما، وفيينا، وجنيف لمدة ست سنوات. وكان الألم يعتصر قلبه والحنين يذيب كبده خلال تلك الغربة القسرية القاسية التي كانت تمور ألماً، وحزناً، وفقراً، وهي في نظره ـ أساس الإلهام والإبداع.

أنا أرثي للمترفين، فما يُبْدعُ

 

 

إلا الشقاءُ والأحزانُ

 

وقد الهبت معاناة الغربة روح بدوي الجبل فرفد الشعر العربي بخوالد من روائعه، لا أرقَّ ولا أبدع، كقصيدة البلبل الغريب التي قالها في حفيده محمد. وأهداها إليه، فلم يرقَ إلى مستواها العاطفي والفني شاعر قطُّ. هذه القصيدة أثارت شاعرية صديقه ورفيقه شاعر الشام شفيق جبري فأرسل إليه رائعته بلابلُ دوح ومطلعها:

سلِ الشام من غنّى حماها فأطربا

 

 

ومن راح يسقيها الشراب المطيَّبا

 

فردَّ عليه البدوي من جنيف بقصيدة حنين الغريب وفيها يقول:

وفاءٌ كمُزنِ الغوطتين كريمُ

 

 

وحبٌّ كنعماءِ الشآم قديمُ

 

فكانت مساجلة ولا أروع ولا أمتع. كما أبدع في جنيف أيضاً قصيدته "ابتهالات" التي تجاوز المئة بيت، وهي من أعذب وأرق وأجمل ما هتف به شاعر فارق أهله، واغترب عن وطنه.

هذا الأديمُ أبي وأمي والبداية والمآبُ

 

هذا الأديم شمائلُ عزٍّ وأحلامٌ عذابُ

 

وأمومةٌ وطفولةٌ ورؤىً كما عبر الشهابُ

 

يا شام يا لِدّةَ الخلود وضمَّ مجد كما انتسابُ

 

من لي بنزر من ثراكِ وقد ألحَّ بي اغترابُ

 

فاشمُّه وكأنه لقسُ النواهد والملابُ

 

وأضمُّهُ فترى الجواهر كيف يُكتنزُ التراب

 

عاد بدوي الجبل إلى وطنه عام 1967، واستفزَّته نكسة حزيران فأطلق قصيدة عاصفة سمّاها: من وحي الهزيمة وبلغت 163 بيتا. وذات صباح مطلول، والجوُّ نديٌّ مشرق خرج الشاعر من منزله ـ كعادته ـ ليمارس رياضة المشي، ففوجئ بضربات غادرة تهوي على رأسه فتفقده الوعي، ويُنقل محطّماً إلى جهة مجهولة، ولم تُجدِ كل المحاولات المستمرة والجهود الموصولة للعثور عليه، غير أن إنذاراً صارماً وجّههُ الرئيس المرحوم حافظ الأسد، وكان يومها وزيراً للدفاع، يقضي بإعادته فوراً، اضطرّ الجناة إلى إلقائه في أحد المستشفيات وهو في حالة الاحتضار ـ وقد تمّ التعرُّف عليه من ساعة يده التي نسي المجرمون أن يسلبوه إيّاها ـ وتضافرت جهود نخبة من أطباء سوريا ولبنان لإنقاذه، فأفاق من غيبوبته بعد أربعين يوماً، وتماثل للشفاء رويداً وببطء شديد،.. قيل إنّ مدبِّر اغتياله قد انتحر فيما بعد.

وفاته وآثاره

ظهيرة يوم 18/8/1981 رحل الشاعر الكبير بجسده عن هذه الدنيا، ولكنه ترك شعراً سيبقى خالداً على مدى الزمان. لقد خلَّف قصائد خالداتٍ فيها من الغزل، والحكمة، والفخر، والحنين ما قل نظيرها في تاريخ الشعر:

صدر له ديوانان الأول: بواكير أهداه إلى روح البطل الشهيد يوسف العظمة، وطُبع في مطبعة العرفان بصيدا. وقدَّم له ثلاثة من كبار الأدباء هم محمد كرد علي ـ خليل مردم بك ـ عبد القادر المغربي. ثم صدر ديوانه الثاني بعنوان: ديوان بدوي الجبل عن دار العودة في بيروت تصدّرته مقدّمة طويلة كتبها صديقه الأديب أكرم زعيتر. أن الشاعر

سيذكرني بعد الفراق أحبّتي

 

 

ويبقى من المرء الأحاديث والذّكرُ

 

ورودُ الرّبى بعد الربيع بعيدةٌ

 

 

ويُدنيك منها ـ في قواريره ـ العطرُ

 

نظرة في شعره

كان بدوي الجبل يمتلك الشعر الراقي: الخيال المجنّح، والعاطفة الرقيقة الحانية واللغة المشرقة، والموسيقى المناسبة لموضوع القصيدة، وقد كان في أسلوبه البديع يؤلف بين هذه الأدوات بتناسق وتناغم وانسجام، لقد كان يبتكر الأخيلة ببراعة وحِدّة، أما ألفاظه فمترفة أنيقة مصطفاة، فصيحة تلائم المعاني، وواضحةٌ تنفذ إلى القلب، وتماثلُ الفكرة شفافيةً ورقة، جزالة وقوة. أما أوزان شعره فقد كانت موسيقى تناسب بإيقاعاتها الموضوع والمناسبة.

لم يتصنَّع الشعر أو يتكلّفه، بل يأتيه إلهاماً وعفوَ الخاطر، كان شعره جذوةَ عاطفة تتَّقد في القلب والوجدان وقد كان يقول: الإرادة بنت العقل، والشعر ترجمان القلب ويقول: إذا لم يأتني الشعر عفواً، تعذَّر عليَّ استحضارُه اقتساراً.

قال عنه الأخطل الصغير والبدوي لا يزال في أول الطريق:

إنّ شعر البدوي أرفعُ من عمره.

وقال عنه العلامة الشيخ عبد القادر المغربي:

إنّه الشاعر الذي تمرّد على ناموس التدرُّج.

أما هو فيقول في شعره:

إني أُكرِّمُ شعري في متارفه

 

 

كما تُكرَّمُ عند المؤمنِ السُّوَرُ

 

هذا ولم يأتِ بعد المتنبي شاعر يقاربه، في قوة شعره وعظمته وكبريائه، واعتزازه بشعره أكثر من البدوي ثم،..من بعده، سعيد عقل. يقول ممجِّداً شعره:

أيطمع الشعر بالإحسان يغمره

 

 

والشعر يغمر دنيا الله إحسانا

 

لو شاء عطّرَ هذا الليلَ غالية

 

 

ونضَّر الرملَ صهباءً وريحانا

 

لو شاء نمنم هذا النجم قافيةً

 

 

ونغَّم الفجر أحلاماً وأوزانا

 

يروي صديقُه أكرم زعيتر الواقعة التالية التي تشير إلى أنفته وإبائه: لما عدنا من بغداد (وكان الشاعر قد ألقى قصيدة في حفل تتويج الملك فيصل الثاني)، جاءه من رئيس الوزارة العراقية أنّ الحكومة أنعمت عليه بوسام من الدرجة الثانية، فردّ الوسام مع رسالة تقريع، ولما حُلتُ دون نشر الرسالة في الصحف (ولكنها كانت قد تسرَّبت) مؤثراً تدارك الأمر بهدوء، أبرق إلي: أرجو ألا يخامرك شك في عزمي وتصميمي، فوالله ما تغيّر إبائي، ولا حالت كبريائي، ثم اعتذر الرئيس، بل جاء الوسام الأرفع يعتذر في استحياء، وما أكثر ما قال البدوي وكتب إليّ: لا بارك الله في الساعة التي جرَّني فيها الضعف الإنساني إلى النيابات والوزارات، وردّد:

إني أكرّم شعري في متارفه

 

 

كما تُكرّم عند المؤمن السُّوَرُ

 

(انتهى كلام زعيتر).

أما تقسيم شعره تقسيماً كلاسيكياً إلى موضوعات وأغراض مدح ـ هجاء ـ غزل ـ رثاء... ومن ثم دراسة كل غرض أو موضوع على حدة، فهذا تعسُّفٌ فيه الكثير من التجني لأن شعره نسيجُ وحده،.. فنحن نرى أكثر من موضوع في القصيدة الواحدة، فقصيدته معلقة عصرية، بمعنى أنها تشمل النسيب الصادق، والفخر الحقيقي المكابر، والوصف المبتكر،.. والخيال المبتدّع والحكمة الخالدة البليغة،... كل هذا قد نجده في قصيدة واحدة

المراجع:

ـ ديوان بدوي الجبل دار العودة بيروت 1979.

ـ كتاب بدوي الجبل عدنان الخطيب.

ـ صحيفة الثورة العدد 6572 18/8/84

ـ صحيفة الثورة العدد 9202 26/8/93

ـ صحيفة البعث العدد 6452 17/4/84

 

 

 

 

 

 

 

 

الحبُّ والله

تأنَّقَ الدوحُ يُرضي بلبلاً غرِداً

 

 

من جنة الله، قلبانا جناحاهُ

 

يطير ما انسجما حتى إذا اختلفا

 

 

هوى ولم تُغنِ عن يسراهُ يُمناه

 

الخافقان معاً، فالنجم أيكُهُما

 

 

وسدرةُ المنتهى، والحب أشباه

 

أسمى العبادة ربٌّ لي يعذبني

 

 

بلا رجاء وأرضاه وأهواه

 

ما فارق الريُّ قلباً أنت جذوته

 

 

ولا النعيم محبّاً أنت بلواهُ

 

غمرتِ قلبي بأسرار معطّرةٍ

 

 

والحب أملكُهُ للروح أخفاه

 

الخافقان ـ وفوق العقل سرهما

 

 

كلاهما للغيوب: الحبُّ واللهُ

 

كلاهما انسكبت فيه سرائرنا

 

 

وما شهدناه، لكنّا عبدناه

 

طيفٌ لشقراء كاسٍ من متارفه

 

 

لو لم أضنه، طغى وجدي فعراه

 

حمنا مع العطر ورّاداً على شفةٍ

 

 

فلم نغرْ منه لكنّا أغرناه

 

في مقلتيك سماوات يهدهدها

 

 

من أشقر النور أصفاه وأحلاه

 

يضيعُ عني وسيمٌ من كواكبها

 

 

فحين أرنو إلى عينيك ألقاه

 

قلبي وللشقرة المغناجِ لهفته

 

 

ليت الحنين الذي أضناه أفناه

 

مُدلّهٌ، فيكِ ما فجر ونجمتهُ

 

 

مولَّهٌ فيك، ما قيسٌ وليلاه

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

إلى خالقة

من نعمياتك لي ألفُ منوّعة

 

 

وكل واحدة دنيا من النور

 

رفعتني بجناحَيْ قُدرة وهوى

 

 

لعالم من رؤى عينيك مسحور

 

 

 

 

أخادع النوم إشفاقاً على حُلُمٍ

 

 

حانٍ على الشفة اللمياء مخمور

 

كأنّ همسك في ريّاهُ وشوشةٌ

 

 

دار النسيم بها بين الأزاهير

 

تندى البراءة فيه، فهو منسكبٌ

 

 

من لغو طفلٍ، ومن تغريد عصفور

 

رشفت صوتك في قلبي معتّقةً

 

 

لم تُعتصر وضياءً غير منظور

 

لو كنتِ في جنة الفردوس واحدةً

 

 

من حورها لتجلّى الله للحور

 

خلقتني من صباباتٍ مدلّهةٍ

 

 

ظمأى الحنين إلى دلٍّ وتغرير

 

فكيف أغفلت قلبي من تجلّده

 

 

لما تولّيت إبداعي وتصويري

 

وهل تريدين روحي هدأةً وونى

 

 

فكيف أنشأتِ روحي من أعاصير

 

ألفتُ نفسي على ما صغتِ جوهرها

 

 

يا غربتي عند تحويري وتغييري

 

يا طفلة الروح: حباتُ القلوب فدى

 

 

ذنب لحسنَك عند الله مغفور

 

آثامُك الخفراتُ البيض لو حُليت

 

 

لطورِ موسى لندّتْ ذُروة الطور

 

يا نجمة تختفي حيناً وتُشرق لي

 

 

حيناً، أفانينَ تعريف وتنكير

 

من موطن النور هذا الحسنُ أعرفه

 

 

حلوُ الشمائل قدسيُّ الأسارير

 

ففي السماء على مطلول زرقتها

 

 

أرى مساحب ذيلٍ منك مجرور

 

لا تجزعي من مقاديرٍ مخبّأةٍ

 

 

إنّايدلِّلنا ظُلمُ المقادير

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

عندي كنوز حنانٍ لا نفاذَ لها

 

 

أنهبتها كل مظلومٍ ومقهورِ

 

أعطي بذلّةِ محرومٍ فو الهفي

 

 

لسائلٍ يُغدقُ النعماء منهور

 

جواهري في العبير السكب مُغفيةٌ

 

 

من الونى بعد تقليسٍ وتهجيرِ

 

تاهت على العنق الهاني فأرشدها

 

 

إلى سناهُ حنين النورِ للنورِ

 

 

حنا السراب على قلبي يُخادعُه

 

 

بالوهم من نشوةِ السّقيا ويغريهِ

 

فكيف رحتُ ـ ولي علم بباطله ـ

 

 

أهوى السرابَ، وأرجوهُ وأُغليهِ

 

بدوي الجبل  

محمّد سليمان الأحمد

1903 ـ 1981

 

الخالدان ـ ولا أعد الشمس ـ شعري والزمانُ

هذا ما قاله البدوي ولعلّه أصدقَ ما قيل في شعره الذي سيبقى خالداً على مرِّ الأيام وتتالي الأزمان.

 يقول أكرم زعيتر في مقدمته لديوانه: عن عبقرية البدوي: إن العبقرية الشاعرة، من صنع الله، ونفحة العلي الأعلى وإنّ منجمها هو البيت الذي فيه نبتت، وحقلها الذي فيه ترعرعت فوالده الشيخ العلامة سليمان الأحمد، وشقيقه أحمد، وشقيقته فاطمة، كلهم شعراء مجيدون.

فلْنرَ كيف وُلدت هذه العبقرية الفذة، وكيف نشأت، وتنامت قريحةً ثرَّةً، وذهنيّةً وقادة سخية تنساب شعراً أنيقاً يمور غزلاً عفيفاً، وينهدُ بالمشاعر والأحاسيس الوطنية والقومية إلى وقفات عزٍّ سامية هي شرط الفوز والانتصار.

مولده ونشأته:

ولد بدوي الجبل في قرية ديفة إحدى قرى محافظة اللاذقية، وترعرع في قرية السلاطة، وثمة خلاف بين الباحثين حول تاريخ ولادته، لكنّ المرجّح أنه ولد عام 1903 بينما يرى آخرون أنه وُلد عام 1908.

والده العلامة الشيخ سليمان الأحمد، من الأعلام لغةً، وفقهاً، وأدباً. كان ينظم الشعر الصوفي الرقيق، المشرق ديباجة والثريّ مضموناً.

كان الشيخ سليمان الأحمد عضواً في مجمع اللغة العربية في دمشق، كما كان فقيهاً معروفاً وأديباً كبيراً، وشاعراً متمكناً. وهكذا،.. فقد نشأ البدوي في بيئة دينية وبيت علمي عريق، أركانه الأخلاق والعلم والفضيلة. وكان لوالده في هذا البيت ديوانٌ خاص يستقبل فيه الأدباء، والشعراء، والفقهاء، وطالبي العلم والمعرفة من مختلف الطبقات الاجتماعية، فكان أصدقاؤه وزوّاره لا يُخفون إعجابهم الشديد بنجابة الابن وذكائه، وذهنه الوقاد.

تعلّم الشاعر القراءة، والكتابة، والقرآن الكريم، في كتّاب القرية كأبناء جيله، ثم درس على أبيه، وحفظ القرآن الكريم وهو لا يزال صغير السن، كان ـ في ديوان والده ـ يلتقط كل ما يسمع من نظم ونثر، ويختزنه في حيِّز اللاوعي ليزهرَ فيما بعد ويُثري فكره الوهّاج وقريحته الوقّادة. لقد قرأ واستوعب كثيراً من كتب التراث. كنهج البلاغة، والأغاني، ومؤلفات الجاحظ، وأبي حيّان التوحيدي، وحفظ كثيراً من القصائد لكبار الشعراء أمثال: امرؤ القيس، وأبو تمام، والبحتري، والمتنبي،... والأمير حسن بن المكزون السنجاري الذي تأثر بالجانب الصوفي من شعره.

 

يفاعته وشبابه

انتقل إلى مدينة اللاذقية لدراسة المرحلة الابتدائية، لكنّه ظلّ لصيقاً بقريته ملازماً ديوان والده، متصلاً بأسرته وأصدقائه. وفي سنِّ مبكرة غادر إلى دمشق، وفيها أحسّ أن هذه المدينة تموج بالروح الوطنية الوثّابة، والمشاعر القومية المتأججة، وكان الوطن يرزح تحت عبء الانتداب الفرنسي البغيض، ويُدير الحكم فيه الملك فيصل بن الحسين الذي كان وحكومته السورية يتعاطفون مع مشاعر الشعب الوطنية، وتطلعاته نحو التحرر والاستقلال.

أحبَّ " البدوي " دمشق حبّاً لم يفارقه طيلة حياته، وكان حينذاك وهو في سن اليفاعة والشباب ـ يؤمن بأن الحرية، والاستقلال، والانبعاث القومي لن تتفجر إلا في دمشق، فأخذ يُنشد بواكير شعره في أنديتها، وينشر أوائل قصائده في صحفها.

أصل تسميته البدوي

كان ـ وهو لا يزال شاباً ـ يبعث بقصائده إلى جريدة ألف باء الدمشقية، ولم يكن حتى ذلك الوقت قد حاز من الشهرة ما يتناسب مع قيمة شعره. وفي تلك الفترة برز اسم المناضل الإيرلندي ماك سويتي الذي ثار على الاستعمار الإنكليزي لوطنه، وعبّر عن ذلك بالصوم حتى الموت احتجاجاً، وفعلاً قضى صائماً بعد أن نظم قصيدة رائعة، أخذ يردّدها مواطنوه غناء وترتيلاً، وقام البدوي بنظم هذه القصيدة بالعربية، وأرسلها إلى جريدة ألف باء مرفقة بتحية شعرية إلى روح المناضل إيّاه. في اليوم التالي رأى قصيدته منشورة ومزيَّلة باسم بدوي الجبل. فسارع إلى يوسف العيسى صاحب الجريدة، وسأله عن السبب فأجابه: إنّ الناس يقرأون للشعراء المعروفين، ولست منهم، وهذا التوقيع المستعار يحملهم أن يقرأوا الشعر للشعر، ويتساءلوا: من هو هذا الشاعر المجيد؟ وأنت في ديباجتك بداوة، وأنت ابن جبل!!... وتوالت قصائده تنشر في صحف بيروت ودمشق، والناس يتساءلون: من يكون هذا الشاعر؟!

إلى أن دعا صاحب جريدة ألف باء يوسف العيسى إلى حفل قدّم فيه الشاعر قائلاً: هذا هو بدوي الجبل، إنه محمد سليمان الأحمد. وغلب اللقب على الاسم في المجتمع والبيت، وهنالك طرائف كثيرة حصلت للشاعر بسبب اختلاط اللقب والاسم. ونورد منها ما حدث معه في القاهرة عندما عُقد المؤتمر البرلماني العربي لنصرة فلسطين عام 1938، فقد كان يتلقى لكل اجتماع أو حفلة دعوتين، الأولى معنونة: سعادة بدوي بك الجبل، والثانية سعادة النائب محمد سليمان الأحمد.

وللشاعر لقب ثان هو: شاعر العربية وهو لقب معترف له به، ومكرَّس من قبل كبار أدباء وشعراء ذلك العصر، تماماً كلقب أمير الشعراء لشوقي أو شاعر النيل لحافظ، أو شاعر القطرين لمطران. وكان أوّل من أطلقه عليه الأديب أكرم زعيتر وأجازه له العالم اللغوي والأديب الكبير إسعاف النشاشيبي وأقرّه وكرّسه كبار أدباء وشعراء العربية في ذلك الوقت أمثال: خليل مردم، والأخطل الصغير، ومحمد البزم، والعلامة الشيخ عبد القادر المغربي.

كفاحه ونشاطه السياسي

شارك البدوي ـ وهو لا يزال يافعاً ـ في ثورة الشيخ صالح العلي، وعندما بدأ الحكم الفيصلي في سوريا يساند الثوار ضد الانتداب الفرنسي وبدأت تبرز روح المقاومة والنضال، والتيقظ القومي، كان البدوي يُحسُّ أن دمشق هي بؤرة الثورة المفعمة بالروح الوطنية والقومية، وأن إشراقة المجد تهلّ عليها لتبعث الأمجاد القومية من مرقدها، وتنفض عنها غبار الاستكانة والخضوع، فبادر إليها ينشد فيها بواكير شعره، ولقد أحبّها حُبّاً جماً وبقي على حبها حتى آخر لحظة من حياته.

اختير البدوي ـ اختاره يوسف العظمة ـ ضمن وفد يرأسه الشهيد يوسف العظمة وزير الدفاع للذهاب إلى اللاذقية بغية التنسيق والتعاون مع الشيخ صالح العلي، ولما عاد الوفد موفقاً قدّمه يوسف العظمة إلى الملك فيصل لنجابته، ومكانة أبيه، ونوّه بصدقه ووعيه وعزيمته، فشكره الملك وظلّ على اتصال معه، وهذا ما أغضب الفرنسيين أشدّ الغضب.

أما الفاجعة الوطنية فكانت عندما اقتحم الفرنسيون دمشق غزاة بعد معركة ميسلون واستشهاد يوسف العظمة، فرثاه الشاعر ممجّداً بطولته ومُكْبراً تفانيه واستشهاده، كما أهدى ديوانه البواكير إلى روح الشهيد البطل قائلاً في إهدائه: "إلى تلك الروح الكبيرة التي تمرّدت على العبودية،.. وعلى الحياة".

لاحقه الفرنسيون،.. فلاذ بالبطريرك الوطني غريغوريوس حداد واختفى عنده، ثم يمّم مدينة حماة مشياً على قدميه علَّه يصل فيها إلى معقل الثوار في الجبال، لكنّ الفرنسيين اعتقلوه وعذّبوه أيَّما تعذيب، فأدموا قدميه ضرباً، ومعصميه تكبيلاً، وكفّيه تشغيلاً، ثم ساقوه من سجنه في دمشق إلى حمص.. فبيروت، حيث مكث شهوراً في سجونها، وبعدها سيق إلى اللاذقية وزُجّ في قلعتها.

بعد خروجه من السجن انتمى إلى حزب الكتلة الوطنية، وتابع نضاله السياسي، فانتُخب نائباً عن محافظة اللاذقية، وفي عام 1936 نكث الفرنسيون بالعهود التي قطعوها للحكومة والشعب، وقوَّضوا الحكم الوطني، واسقطوا الحصانة عن النواب، وقسَّموا سوريا إلى دويلات، وتوجَّس الشاعر الغدر في نفوسهم، وتبيَّن ما يضمرونه له، ففرَّ إلى العراق. لكن،.. بعد أن قُمِعتْ ثورة رشيد عالي الكيلاني ضد الإنكليز عاد إلى سوريا، فاعتقله الفرنسيون عام 1941 وسجنوه في قلعة كسب، وقد توفّي والده وهو رهن الاعتقال.

بعد الاستقلال وجلاء الاستعمار انتُخب نائباً، وعُيّن وزيراً غير مرّة، وكان لا يني يغنّي الوطن وأبطاله في شعره عند كل مناسبة، وفي أوائل الخمسينات وقعت في سوريا أحداث داخلية ماهرة ، ففرَّ إلى لبنان بسيارة صديقه محافظ اللاذقية سعيد السيد ثم عاد إلى دمشق، وسمّي وزيراً، لكنَّ أحداثاً أخرى وقعت عام 1956 فغادر دمشق متنقلاً بين بيروت، والاستانة، وروما، وفيينا، وجنيف لمدة ست سنوات. وكان الألم يعتصر قلبه والحنين يذيب كبده خلال تلك الغربة القسرية القاسية التي كانت تمور ألماً، وحزناً، وفقراً، وهي في نظره ـ أساس الإلهام والإبداع.

أنا أرثي للمترفين، فما يُبْدعُ

 

 

إلا الشقاءُ والأحزانُ

 

وقد الهبت معاناة الغربة روح بدوي الجبل فرفد الشعر العربي بخوالد من روائعه، لا أرقَّ ولا أبدع، كقصيدة البلبل الغريب التي قالها في حفيده محمد. وأهداها إليه، فلم يرقَ إلى مستواها العاطفي والفني شاعر قطُّ. هذه القصيدة أثارت شاعرية صديقه ورفيقه شاعر الشام شفيق جبري فأرسل إليه رائعته بلابلُ دوح ومطلعها:

سلِ الشام من غنّى حماها فأطربا

 

 

ومن راح يسقيها الشراب المطيَّبا

 

فردَّ عليه البدوي من جنيف بقصيدة حنين الغريب وفيها يقول:

وفاءٌ كمُزنِ الغوطتين كريمُ

 

 

وحبٌّ كنعماءِ الشآم قديمُ

 

فكانت مساجلة ولا أروع ولا أمتع. كما أبدع في جنيف أيضاً قصيدته "ابتهالات" التي تجاوز المئة بيت، وهي من أعذب وأرق وأجمل ما هتف به شاعر فارق أهله، واغترب عن وطنه.

هذا الأديمُ أبي وأمي والبداية والمآبُ

 

هذا الأديم شمائلُ عزٍّ وأحلامٌ عذابُ

 

وأمومةٌ وطفولةٌ ورؤىً كما عبر الشهابُ

 

يا شام يا لِدّةَ الخلود وضمَّ مجد كما انتسابُ

 

من لي بنزر من ثراكِ وقد ألحَّ بي اغترابُ

 

فاشمُّه وكأنه لقسُ النواهد والملابُ

 

وأضمُّهُ فترى الجواهر كيف يُكتنزُ التراب

 

عاد بدوي الجبل إلى وطنه عام 1967، واستفزَّته نكسة حزيران فأطلق قصيدة عاصفة سمّاها: من وحي الهزيمة وبلغت 163 بيتا. وذات صباح مطلول، والجوُّ نديٌّ مشرق خرج الشاعر من منزله ـ كعادته ـ ليمارس رياضة المشي، ففوجئ بضربات غادرة تهوي على رأسه فتفقده الوعي، ويُنقل محطّماً إلى جهة مجهولة، ولم تُجدِ كل المحاولات المستمرة والجهود الموصولة للعثور عليه، غير أن إنذاراً صارماً وجّههُ الرئيس المرحوم حافظ الأسد، وكان يومها وزيراً للدفاع، يقضي بإعادته فوراً، اضطرّ الجناة إلى إلقائه في أحد المستشفيات وهو في حالة الاحتضار ـ وقد تمّ التعرُّف عليه من ساعة يده التي نسي المجرمون أن يسلبوه إيّاها ـ وتضافرت جهود نخبة من أطباء سوريا ولبنان لإنقاذه، فأفاق من غيبوبته بعد أربعين يوماً، وتماثل للشفاء رويداً وببطء شديد،.. قيل إنّ مدبِّر اغتياله قد انتحر فيما بعد.

وفاته وآثاره

ظهيرة يوم 18/8/1981 رحل الشاعر الكبير بجسده عن هذه الدنيا، ولكنه ترك شعراً سيبقى خالداً على مدى الزمان. لقد خلَّف قصائد خالداتٍ فيها من الغزل، والحكمة، والفخر، والحنين ما قل نظيرها في تاريخ الشعر:

صدر له ديوانان الأول: بواكير أهداه إلى روح البطل الشهيد يوسف العظمة، وطُبع في مطبعة العرفان بصيدا. وقدَّم له ثلاثة من كبار الأدباء هم محمد كرد علي ـ خليل مردم بك ـ عبد القادر المغربي. ثم صدر ديوانه الثاني بعنوان: ديوان بدوي الجبل عن دار العودة في بيروت تصدّرته مقدّمة طويلة كتبها صديقه الأديب أكرم زعيتر. أن الشاعر

سيذكرني بعد الفراق أحبّتي

 

 

ويبقى من المرء الأحاديث والذّكرُ

 

ورودُ الرّبى بعد الربيع بعيدةٌ

 

 

ويُدنيك منها ـ في قواريره ـ العطرُ

 

نظرة في شعره

كان بدوي الجبل يمتلك الشعر الراقي: الخيال المجنّح، والعاطفة الرقيقة الحانية واللغة المشرقة، والموسيقى المناسبة لموضوع القصيدة، وقد كان في أسلوبه البديع يؤلف بين هذه الأدوات بتناسق وتناغم وانسجام، لقد كان يبتكر الأخيلة ببراعة وحِدّة، أما ألفاظه فمترفة أنيقة مصطفاة، فصيحة تلائم المعاني، وواضحةٌ تنفذ إلى القلب، وتماثلُ الفكرة شفافيةً ورقة، جزالة وقوة. أما أوزان شعره فقد كانت موسيقى تناسب بإيقاعاتها الموضوع والمناسبة.

لم يتصنَّع الشعر أو يتكلّفه، بل يأتيه إلهاماً وعفوَ الخاطر، كان شعره جذوةَ عاطفة تتَّقد في القلب والوجدان وقد كان يقول: الإرادة بنت العقل، والشعر ترجمان القلب ويقول: إذا لم يأتني الشعر عفواً، تعذَّر عليَّ استحضارُه اقتساراً.

قال عنه الأخطل الصغير والبدوي لا يزال في أول الطريق:

إنّ شعر البدوي أرفعُ من عمره.

وقال عنه العلامة الشيخ عبد القادر المغربي:

إنّه الشاعر الذي تمرّد على ناموس التدرُّج.

أما هو فيقول في شعره:

إني أُكرِّمُ شعري في متارفه

 

 

كما تُكرَّمُ عند المؤمنِ السُّوَرُ

 

هذا ولم يأتِ بعد المتنبي شاعر يقاربه، في قوة شعره وعظمته وكبريائه، واعتزازه بشعره أكثر من البدوي ثم،..من بعده، سعيد عقل. يقول ممجِّداً شعره:

أيطمع الشعر بالإحسان يغمره

 

 

والشعر يغمر دنيا الله إحسانا

 

لو شاء عطّرَ هذا الليلَ غالية

 

 

ونضَّر الرملَ صهباءً وريحانا

 

لو شاء نمنم هذا النجم قافيةً

 

 

ونغَّم الفجر أحلاماً وأوزانا

 

يروي صديقُه أكرم زعيتر الواقعة التالية التي تشير إلى أنفته وإبائه: لما عدنا من بغداد (وكان الشاعر قد ألقى قصيدة في حفل تتويج الملك فيصل الثاني)، جاءه من رئيس الوزارة العراقية أنّ الحكومة أنعمت عليه بوسام من الدرجة الثانية، فردّ الوسام مع رسالة تقريع، ولما حُلتُ دون نشر الرسالة في الصحف (ولكنها كانت قد تسرَّبت) مؤثراً تدارك الأمر بهدوء، أبرق إلي: أرجو ألا يخامرك شك في عزمي وتصميمي، فوالله ما تغيّر إبائي، ولا حالت كبريائي، ثم اعتذر الرئيس، بل جاء الوسام الأرفع يعتذر في استحياء، وما أكثر ما قال البدوي وكتب إليّ: لا بارك الله في الساعة التي جرَّني فيها الضعف الإنساني إلى النيابات والوزارات، وردّد:

إني أكرّم شعري في متارفه

 

 

كما تُكرّم عند المؤمن السُّوَرُ

 

(انتهى كلام زعيتر).

أما تقسيم شعره تقسيماً كلاسيكياً إلى موضوعات وأغراض مدح ـ هجاء ـ غزل ـ رثاء... ومن ثم دراسة كل غرض أو موضوع على حدة، فهذا تعسُّفٌ فيه الكثير من التجني لأن شعره نسيجُ وحده،.. فنحن نرى أكثر من موضوع في القصيدة الواحدة، فقصيدته معلقة عصرية، بمعنى أنها تشمل النسيب الصادق، والفخر الحقيقي المكابر، والوصف المبتكر،.. والخيال المبتدّع والحكمة الخالدة البليغة،... كل هذا قد نجده في قصيدة واحدة

المراجع:

ـ ديوان بدوي الجبل دار العودة بيروت 1979.

ـ كتاب بدوي الجبل عدنان الخطيب.

ـ صحيفة الثورة العدد 6572 18/8/84

ـ صحيفة الثورة العدد 9202 26/8/93

ـ صحيفة البعث العدد 6452 17/4/84

 

 

 

 

 

 

 

 

الحبُّ والله

تأنَّقَ الدوحُ يُرضي بلبلاً غرِداً

 

 

من جنة الله، قلبانا جناحاهُ

 

يطير ما انسجما حتى إذا اختلفا

 

 

هوى ولم تُغنِ عن يسراهُ يُمناه

 

الخافقان معاً، فالنجم أيكُهُما

 

 

وسدرةُ المنتهى، والحب أشباه

 

أسمى العبادة ربٌّ لي يعذبني

 

 

بلا رجاء وأرضاه وأهواه

 

ما فارق الريُّ قلباً أنت جذوته

 

 

ولا النعيم محبّاً أنت بلواهُ

 

غمرتِ قلبي بأسرار معطّرةٍ

 

 

والحب أملكُهُ للروح أخفاه

 

الخافقان ـ وفوق العقل سرهما

 

 

كلاهما للغيوب: الحبُّ واللهُ

 

كلاهما انسكبت فيه سرائرنا

 

 

وما شهدناه، لكنّا عبدناه

 

طيفٌ لشقراء كاسٍ من متارفه

 

 

لو لم أضنه، طغى وجدي فعراه

 

حمنا مع العطر ورّاداً على شفةٍ

 

 

فلم نغرْ منه لكنّا أغرناه

 

في مقلتيك سماوات يهدهدها

 

 

من أشقر النور أصفاه وأحلاه

 

يضيعُ عني وسيمٌ من كواكبها

 

 

فحين أرنو إلى عينيك ألقاه

 

قلبي وللشقرة المغناجِ لهفته

 

 

ليت الحنين الذي أضناه أفناه

 

مُدلّهٌ، فيكِ ما فجر ونجمتهُ

 

 

مولَّهٌ فيك، ما قيسٌ وليلاه

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

إلى خالقة

من نعمياتك لي ألفُ منوّعة

 

 

وكل واحدة دنيا من النور

 

رفعتني بجناحَيْ قُدرة وهوى

 

 

لعالم من رؤى عينيك مسحور

 

 

 

 

أخادع النوم إشفاقاً على حُلُمٍ

 

 

حانٍ على الشفة اللمياء مخمور

 

كأنّ همسك في ريّاهُ وشوشةٌ

 

 

دار النسيم بها بين الأزاهير

 

تندى البراءة فيه، فهو منسكبٌ

 

 

من لغو طفلٍ، ومن تغريد عصفور

 

رشفت صوتك في قلبي معتّقةً

 

 

لم تُعتصر وضياءً غير منظور

 

لو كنتِ في جنة الفردوس واحدةً

 

 

من حورها لتجلّى الله للحور

 

خلقتني من صباباتٍ مدلّهةٍ

 

 

ظمأى الحنين إلى دلٍّ وتغرير

 

فكيف أغفلت قلبي من تجلّده

 

 

لما تولّيت إبداعي وتصويري

 

وهل تريدين روحي هدأةً وونى

 

 

فكيف أنشأتِ روحي من أعاصير

 

ألفتُ نفسي على ما صغتِ جوهرها

 

 

يا غربتي عند تحويري وتغييري

 

يا طفلة الروح: حباتُ القلوب فدى

 

 

ذنب لحسنَك عند الله مغفور

 

آثامُك الخفراتُ البيض لو حُليت

 

 

لطورِ موسى لندّتْ ذُروة الطور

 

يا نجمة تختفي حيناً وتُشرق لي

 

 

حيناً، أفانينَ تعريف وتنكير

 

من موطن النور هذا الحسنُ أعرفه

 

 

حلوُ الشمائل قدسيُّ الأسارير

 

ففي السماء على مطلول زرقتها

 

 

أرى مساحب ذيلٍ منك مجرور

 

لا تجزعي من مقاديرٍ مخبّأةٍ

 

 

إنّايدلِّلنا ظُلمُ المقادير

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

عندي كنوز حنانٍ لا نفاذَ لها

 

 

أنهبتها كل مظلومٍ ومقهورِ

 

أعطي بذلّةِ محرومٍ فو الهفي

 

 

لسائلٍ يُغدقُ النعماء منهور

 

جواهري في العبير السكب مُغفيةٌ

 

 

من الونى بعد تقليسٍ وتهجيرِ

 

تاهت على العنق الهاني فأرشدها

 

 

إلى سناهُ حنين النورِ للنورِ

 

 

حنا السراب على قلبي يُخادعُه

 

 

بالوهم من نشوةِ السّقيا ويغريهِ

 

فكيف رحتُ ـ ولي علم بباطله ـ

 

 

أهوى السرابَ، وأرجوهُ وأُغليهِ