العدد الثامن عشر - كانون الثاني 2007

موت السياسة

سركيس أبو زيد
الجمعة 19 كانون الثاني (يناير) 2007.
 
New Page 1

نعيش اليوم حالة من الفوضى على مختلف المستويات والصعد:

 

1- فوضى عالمية نشهد فيها سقوط أنظمة الأمم المتحدة وتراجع دورها والدعوات الميؤوس منها لاصلاحها، وبالتالي انهيار القانون الدولي وتراجع الاهتمام الدولي بالمسائل الاجتماعية والانسانية لصالح ازدواجية المعايير والانحياز السافر لمصلحة جبروت القوة والاستكبار.

 

2- فوضى عربية: البيت العربي يتصدع والجامعة العربية قد غدت مجرد صورة تجميلية والمحاور تنمو وتتسع والحروب الأهلية تخيم على أجواء الدول وداخل الأقطار خاصة في المشرق العربي الذي يواجه صراعا" وجوديا" بين جبهة الاستيطان الاسرائيلي والاحتلال الأميركي والهيمنة الغربية على النفط والأمن الذاتي من جهة، وبين جبهة المقاومة والممانعة والاستقلال الحقيقي. وهذا الصراع يشوبه كذلك خطر التداخل مع المحاولات الخارجية الساعية الى اذكاء نار الفتنة وبخاصة المذهبية منها. لذا كان هناك سباق بين مشروع "الهلال الشيعي" وهو عنوان للتحريض المذهبي والطائفي والانقسام، وبين مشروع "هلال المقاومة" وهو خطة معاكسة تنطلق من خصوصية الواقع الوطني وتتضامن فيما بينها لمواجهة عدو مشترك.

 

3- فوضى لبنانية: ان الفوضى العالمية والعربية تنعكس وبقوة على الساحة اللبنانية فوضى في الحكم والنظام والكيان ما يهدد لبنان في وجوده ودوره ورسالته. هذه الفوضى غير مقتصرة فقط على المؤسسات والبنى الدستورية والمؤسسات السياسية بل تطال ايضا" المواطن في وعيه وسلوكه وأخلاقه.

وأمام هذه الفوضى العالمية والاقليمية واللبنانية وفوضى المفاهيم، يقف المواطن اللبناني في حالة ضياع وقلق وحيرة تتجلى في سؤال يرافقه دائما" : من أين نبدأ؟

من الانسان أولا"، من الأخلاق أساسا" ومن الحرية دائما". تلك هي البداية الصحيحة والوحيدة. الرد على الفوضى يكون بالحوار الحقيقي والبناء من أجل نهضة جديدة تنطلق من المواطن ومصالحه وتطلعاته واعادة الاعتبار للقيم والأخلاق والمبادئ والمناقب كي يتحرر الانسان من التبعية للاقطاع السياسي والمالي والطائفي.

السياسة في لبنان تحولت الى "تشاطر" أهل السياسة بتبديل المواقف كما يبدلون أحذيتهم وتنكرهم لأبسط المبادئ والقيم وتغييبهم الحد الأدنى من البرنامج السياسي الاقتصادي الاجتماعي المطلبي. لم يعد باستطاعة المواطن العادي ان يميز بين خطاب وآخر بسبب تداخل الكلام وعدم وضوح المضمون والبلبلة في الالتزامات حتى غدت السياسة في لبنان - ومع مرتبة الشرف -  أقرب الى الانتهازية والوصولية والسمسرة، وأسيرة النفوذ المالي والغرائز الطائفية والموروث الاقطاعي وتسلط رجال الدين. هذا الذي نشهده في لبنان هو موت للسياسة.

السياسة أصلا" هي مبادئ ورؤية وأخلاق وتطابق السلوك مع الخطاب، كذلك هي خطة لتغيير العالم وادارة شؤون الناس بغية ايصالهم الى السعادة والأمان والحرية والكرامة. ذلك هو تعريف السياسة في المجتمعات المتقدمة.

لا وجود لسياسة من غير مواطنين يمارسونها، وهذا البعد يتجاوز فكرة الانتخابات التمثيلية الى ديموقراطية أكثر انسانية ومشاركة تعبر عن تطلعات الانسان ومصالحه، فكلما ازداد وعي الانسان ورسخت استقلاليته  مال نحو التحرر من التبعية ومن ثم التفكير بادارة الشأن العام اي السياسة. ان المواطن هو العامل الفاعل في انتاج سياسة حكيمة وراشدة كما ان المجتمع يقاس بمدى حرصه على الضعفاء فيه.

للخروج من الفوضى السياسية وسياسة الفوضى وفوضى المفاهيم، لا بد من اعادة تحديد المعنى الحقيقي للسياسة واهدافها والالتزام بالمبادئ والقيم والعمل بموجبها والا تموت السياسة، وينعى معها الوطن.