العدد الثامن عشر - كانون الثاني 2007

رحلة العمر

منصور عازار
الجمعة 19 كانون الثاني (يناير) 2007.
 

ها هي ستون عاما قد مرت على تحركي في هذا العالم وانا احاول ان اتابع ما يجري من حولي وفي داخلي ، واذا بي بعد مرور الايام والاشهر والسنين اجد نفسي غارقا في الجهل والغباوة ، وتأكد لي ان المعرفة تحتاج الى بقاء اطول في هذا الكون ليكتشف الانسان نفسه والكون الماثل امامه ويتأكد من امر خطير هو ان الافراد يتقدمون بخطوات ناقصة الى الوراء .

 

الفرد المتحرك والمتفاعل مع الحياة هو كحبة رمل على شاطىء فسيح ، وانتاج المعرفة هو من صنع المجتمعات الانسانية على تعاقب اجيالها وما يحتويه العقل الجماعي ما هو الا هذا التراكم الهائل من العلوم والمعارف والاكتشافات والعادات والتقاليد تتوارث عبر السنين ليجد الانسان نفسه مهما طال زمنه ومهما كافح واجتهد امام حقيقة واضحة هي :

 

 " معرفته انه لا يعرف شيئا "

 

لا شك ان العالم قد تطور بما لا يقاس خلال هذه السنين التي مرت عليّ وانا اكافح واجتهد فلقد قصرت المسافات واصبح " بساط الريح " ينقلني بساعات عبر المدن والقارات فاستفيق صباحا في باريس لاصل ظهرا الى غرب افريقيا وابيت ليلتي في البرازيل ولو متأخرا ...

وكنت في طفولتي وايام الاعياد ، مثل هذه الايام تأخذني والدتي معها من قريتي الصغيرة آنذاك الى العاصمة بيروت على عربة الخيل فأقطع الى جانبها المسافات من الصباح الى المساء قبل الوصول الى الهدف بيروت ، الذي كان بعيدا وبعيدا جدا في خيال ذاك الطفل المقبل على الحياة ولا يعرف الا ساحة القرية ! ..

 

فماذا حصل في هذا الكون ؟ وما هو تأثير هذا التطور العلمي الهائل في حياة الافراد والشعوب ؟

 

هل امن لها السعادة ؟

هل نقلها من حالة نفسية اجتماعية الى حالة افضل ؟

 هل جلب لها الراحة والطمأنينة ؟

 هذا هو السؤال ؟ ...

اطرحه على نفسي وعلى الناس ، وانا في الاقامة الجبرية في منزلي لا يحق لي حسب رأي الاطباء الا ان انتقل فقط من غرفة الى غرفة حاملا معي " كيس " الدواء لعل القلب يحتاج شيئا منها قبل ان يتعرض مما لا تحمد عقباه ! ...

 

 " تعددت الاسباب والموت واحد "

أم ان المجتمعات قد تدرك يوما ان الاستمرار هو لها ليس للأفراد العابرين مهما علا شأنهم .

 

انها بعض تأملات انسان خبر هذا الكون وسبر اغواره ولا يجد في ايامه هذه الا الايمان العظيم في ان هذا الشعب ، شعبنا قد يدرك حقيقته الاجتماعية فينتزع حقه ويصارع في سبيل بقائه في زمن لم يعد فيه الا المواجهة موقفا يمكن ان يقيه حياة الذل والهوان ؟؟

وما نشهده اليوم ونحن نودع عاما لنستقبل عاما جديدا ما هو الا مأساة خطيرة ومنظر رهيب لا يمكننا تغييره والانتصار عليه ما لم ندرك حقيقتنا ونعرف حقنا وموقعنا في هذا العالم ؟ ونصارع من اجله ؟ ...

 

انها ظروف ظالمة جدا تمر علينا في هذه الايام ولا ينقذنا منها الا وحدتنا الداخلية فلا ننحر هذا الارث العظيم الذي هو الارض ـ الوطن !

 

وطننا هو سماؤنا فلنحافظ عليه لاننا امام : ازمنة صعبة ، " ازمنة لم يسبق لها مثيل تنتظر كل ذي نفس كبيرة فينا اذ انه على الواحد منا ان لا يسير وحيدا وحسب بل ان يسير بلا عزاء ولا امل ، ذلك ان حياتنا الاجتماعية فاسـدة " .

 

فهل سنتمكن من ان نتغلب على ما نحن عليه من تفرقة واقتتال داخلي فنخضع بذلك الى مخططات العدو الزاحف بكل امكاناته وحقده لابادتنا وتحويلنا من مجتمع حي فاعل له دوره في هذا العالم الى اشلاء من البشر لا شكل لها ولا لون ؟

 

انها ازمنة صعبة جدا تمر علينا في هذه الايام الظالمة ولا خلاص لنا منها الا بوحدتنا الداخلية وعودتنا الى وعي حقنا في هذا الوجود واكتشاف حقيقتنا وتغليب لغة المنطق والعقل على لغة الغباء والغرائز المتمكنة منا والتي تعيق خلاصنا وتقدمنا في هذا الوجود ؟؟ .

 

بيت الشعار في 27/12/2006

منصور عازار