العدد الثامن عشر - كانون الثاني 2007

حزب الله ... الأكثر شعبية

ترجمة: الدكتورة ماري شهرستان
الجمعة 19 كانون الثاني (يناير) 2007.
 

بعد الحرب التي شنتها اسرائيل على لبنان والتي دامت 33 يوماً أصبح حزب الله اكثر الأحزاب السياسية شعبية في الشرق الاوسط ، علماً بانه تأسس منذ 24 عاماً فقط. 

 

وفي 22 ايلول، اجتمع اكثر من مليون لبناني في ساحة كبيرة في ضاحية بيروت الجنوبية للاحتفال بالنصر ضد اسرائيل. وقد جاذف السيد حسن نصر الله بالظهور للعلن بعدما أقسم القادة الاسرائيليون بقتله، وخطب في مؤيديه الذين يعبدونه في لبنان وفي جميع انحاء العالم.

عطلت الكثير من مدارس الاطفال في ذلك اليوم ، ونقلت الباصات المؤيدين من كل انحاء لبنان ليحتفلوا بيوم النصر. لقد كابد لبنان 33 يوماً من الحرب، ولم يكن الدمار من نصيب" شيعة حزب الله" فقط بل كان ايضاً من نصيب الجيش الاسرائيلي حيث اخذ نصيبه من القتلى والجرحى والخسائر على جميع الأصعدة، وحدث ذلك لأول مرة في الحروب الاسرائيلية - العربية. فحسن نصر الله عُرِفَ بصدقه ونزاهته وبحفاظه على دفاع الحزب لحماية لبنان مهما كان الثمن، الأمر الذي جعل منه القائد الشعبي المتميّز والأكثر شعبية في العالم العربي. 

 

وقد رفعت النساء والاطفال اعلام لبنان وحزب الله من النوافذ وهللوا ابتهاجاً بينما هم على الطرقات. كما رفعت في التظاهرة اعلام فلسطين والاحزاب الفلسطينية، والاحزاب المسيحية اللبنانية والحزب الشيوعي والاحزاب السنية والدرزية والاحزاب القومية العلمانية. وكان بين المحتفلين رجال ذوو لحى ونساء محجبات، وشبان وشابات سافرات بلباس عصري من الجينز.

 

ضمن هذا الحشد الكبير فضلت انا وزوجتي الحامل بشهرها السابع (وهي امريكية الجنسية) ان نشاهد الاحتفال من على شرفة شقة. وعندما بدا نصرالله بخطابه اضطرب جميع من في هذا البيت من شدة الفرح وهرعوا إلى التلفاز ليستمعوا إليه.

 

لم يتحدث نصرالله  إلى طائفته فقط أي الشيعة اللبنانية، بل توجه إلى سكان فلسطين وسوريا وايران والكويت والبحرين. وقال لهم انه بصدد توجيه رسالة سياسية واخلاقية إلى العالم كي يعلم ان المقاومة اللبنانية هي اليوم اقوى مما كانت عليه في أي وقت مضى. وان انتصارها هو انتصار لكل شخص حر في هذا العالم وهي ملهمة لكل من تعرَّض للذل والخضوع من قبل الولايات المتحدة. ولام القادة العرب لأنهم لم يستخدموا نفطهم كسلاح استراتيجي، ولأنهم منعوا المظاهرات، ولم يساعدوا الفلسطينيين في محاورة الامريكان. فهو وشعبه يتعاطف مع الفلسطينيين الذين تُقصَف بيوتهم ويُقتلون بينما يلزم العالم اجمع والعالم العربي الصمت.

 

عندما كنت اراقب هذه الحشود الصاخبة من رجال ونساء وشبان واطفال, يجاهرون بهويتهم وثباتهم واتحادهم فيما بينهم مع الموسيقى والاناشيد، علمتُ عندها انهم ليسوا حزباً دينياً اصولياً او ارهابياً. لقد صُعِقتُ كيف ان حقيقة حزب الله تختلف تماماً عن الصورة المشوَّهة التي عرفناها في الغرب. صحيح ان حزب الله هو ذو اصول شيعية، لكنه في الواقع حركة مدنية يطرح مواضيع زمنية حقيقية ويتحدث قادته في خطب قومية متجنبين الطائفية والمجازات الدينية. فهم يشاركون في السياسة، ويفاوضون، ولا يحاولون فرض القانون الاسلامي او غيره، والدليل على ذلك وجود الكثير من اتباعهم من العلمانيين يدعمون الحزب لأنه يمثل لهم مصالحهم السياسية ويدافع عنها.

 

نجد في لبنان نساء منقبات جنباً إلى جنب مع نساء سافرات في ثياب حديثة نصف عارية. قد يكون لحزب الله رأي آخر في الازياء والملبس النسائي لكنه مختلف في طرحه عن قادة طالبان او السعودية، فهو لا يفرض اللباس فرضاً.

 

ما هي مطالب حزب الله غير المعقولة؟

تصِّر الحركة على تحرير المساجين اللبنانيين من السجون الاسرائيلية، وان تنسحب اسرائيل من كل الأراضي اللبنانية. اما بالنسبة إلى الجيش اللبناني الذي لم يدافع سابقاً عن لبنان،عليه ان  يتوصل لوضع مخطط دفاعي قومي فيما يخص الجنوب. منذ 60 عاماً تمارس اسرائيل العنف في جنوب لبنان امام اهمال الحكومة اللبنانية له، الأمر الذي اعطى حزب الله سبباً لوجوده.

 

لكن السيد حسن نصرالله مختلف عمن في العراق فهو يدفع الامور نحو وحدة لبنان. ففي الخطاب الذي القاه في 22 ايلول استخدم الخطاب القومي مديناً الطائفية. وفي خطبه السابقة كان السيد قد اعلن انه يحارب من اجل الأمة ومن اجل العالم الاسلامي الذي هو بمعظمه من السُنة. لقد سحر اللبنانيين في مقابلة تلفزيونية عندما نظر إلى المذيعة بعينيها وسمح لها بمقاطعته وابتسم لها. يمكن ان نجد صوره الكبيرة معلقة في العراق وفلسطين ومصر، وُيلفظ اسمه بفخر واعتزاز في السعودية. وفي الصومال وفي عاصمته موقاديشو، شاهدتُ مؤخراً محلات قد تم تسميتها على شرفه، وسمعتُ خطاباً محلياً لرجل دين يقارن ويشبِّه صراع المحاكم الاسلامية التي تواجه اثيوبيا ومن ورائها امريكا، بصراع حزب الله ضد اسرائيل المدعومة من امريكا.

 

ان تفصيل هذا الصراع مفيد جداً لأنه جعلني ارى من جديد الخطأ المأساوي المرتكب باستمرار من قبل ادارة بوش تجاه كامل العالم الاسلامي والنظر إليه من منظار الحرب على الارهاب بدلاً من معالجة كل صراع وتقييمه بمفرده.

 ففي الصومال مثلاً، لقد تم الاعتقاد ان امريكا تدعم زعماء حرب مجرمين وغير محبوبين من الشعب ضد ميليشيا اسلامية يؤيدها الشعب (وهذا امر لم تؤكده ولم تنفيه امريكا).

هذا الدعم الامريكي المشبوه يحصل رغم اعتقاد اغلب المحللين بان الميليشيا لا تأوي لديها أي من الارهابيين المهمين كما انها لا تبدو ميالة لاقامة نظام شبيه بنظام طالبان في البلاد. في محصلة الامر، تحالفت اميركا في الصومال مع امراء الحرب الذين يُرهِبون الشعب في محاولة لقمع أي نهوض اسلامي شعبي.

 

انها وجهة النظر المشوهة نفسها للحرب على الارهاب هي التي ادت بإدارة بوش في العراق كي تعتبر ثوار العراق انهم ارهابيون اكثر مما هم ضد القمع المتزايد وعاملتهم على هذا الاساس.

عندما كنت ُ في زيارة للفلوجة في ربيع عام 2004 كان واضحاً لي ان غالبية المدافعين عن هذه البلدة كانوا من سكانها المحليين الذين يعتقدون انهم يحاربون في حالة شرعية الدفاع عن النفس ضد عدو يحاول تدمير بلدتهم وقمعهم. لقد كانوا وطنيين يحاربون الاحتلال الاجنبي. لقد دُمِّرَت هذه البلدة حيث كان عدد سكانها 300.000 نسمة واصبحت اسطورة في العالم الاسلامي لمقاومتها الاحتلال واستشهاد اهاليها - كما اهل قرى جنوب لبنان مثل عيتا الشعب، الذين يفتخرون بعزيمتهم على الموت من اجل مثالياتهم وصمودهم وثباتهم.

 

وبارك السيد حسن نصرالله في خطابه يوم 22 ايلول هذا الصمود كما تحدث عن الوحدة الوطنية منوهاً إلى ان المقاومة قد منعت عودة الحرب الاهلية إلى لبنان. وطالب باقامة دولة قوية في لبنان قادرة بان تتحرر من الفساد وبان تكون عادلة. إذ عندما تصبح الدولة قادرة على حماية لبنان، عندها تسلم المقاومة سلاحها، وحزب الله ليس حركة شمولية ولا تريد لنفسها الحكم.

 

يتجاوز حزب الله الفروق بين الديني والمدني فيما بين الشيعة وكذلك الفروق الاقتصادية، وهو احدى الحركات القلائل في لبنان الذي يطرح مخارج حقيقية وواقعية لرفع قيمة الهوية المدنية- مثل مسألة الفساد، والعدالة الاجتماعية ورفض مشروع امريكا في الشرق الاوسط الجديد، ومقاومة الاحتلال الاسرائيلي، ودعم الفلسطينيين المقموعين.

 

اصبح لحزب الله الآن حلفاء اقوياء بين غالبية المسيحيين اللبنانيين (الذين يشكلون حوالي 40 % من السكان)، كما يتمتع بدعم اكثر من 400000 فلسطيني من اللاجئين الذين يعيشون في المخيمات اللبنانية. في واقع الامر، لقد زادت الحرب من مؤيدي حزب الله. وتحدثتُ  أنا شخصياً مع الشيخ ماهر حمّود، وهو احد القادة السنة الاقوياء في صيدا، حيث قال لي انه رغم معارضته لكثير من مواقف حزب الله قبل الحرب لكنه أيده خلال الحرب ولم يبقَ معه أي خلاف ٍ الآن، فانتصار حزب الله كان انتصاراً للبنان والعرب والمسلمين واعاد لنا كرامتنا.

كما انني تحدثتُ مع "جوزيف مكرزل" وهو صاحب صحيفة "الدبور" وهو احد اقطاب حركة 14 آذار، الحركة المناهضة لحزب الله، فقال لي: "كنتُ قبل الحرب مع سحب سلاح حزب الله وبقيت على هذا الرأي" "لكن اثناء الحرب كان امامي خياران، إما ان اكون مع حزب الله او ان اكون مع اسرائيل. لقد اخترتُ حزب الله. فحزب الله كان داوود واسرائيل كانت غوليات".

 

اما اتباع الطوائف الاخرى - من روم ارثودوكس، وموارنة، وسنة، ودروز - فهم يتبعون قادتهم في اغلب الاحيان بسبب مواقعهم وليس بسبب افكارهم.

إن حزب الله هو حركة شعبية, بزغت عام 1982 كمجموعة حديثة جامعة تمثل المهمشين والمقموعين وزرعت ثقافة المقاومة ضد القمع والظلم.

 

الحرب السادسة مع اسرائيل حصلت في لبنان. إذا كانت الحرب بمعنى آخر هي سياسة، فقد فشلت اسرائيل في تحقيق اهدافها السياسية في نزع سلاح حزب الله ودفعه إلى شمال نهر الليطاني، كما فشلت في هدفها الرامي إلى تفريغ الجنوب من الشيعة جميعهم ومن اذلال المقاومة اللبنانية والفلسطينية - هزيمتان بدأ جنرالات اسرائيل انفسهم يعترفون بها. من جهة اخرى، نجد حزب الله بقي بعد الحرب سالماً معافى، مع بعض الخسائر النسبية، لكنه قد الحق خسائر جسيمة في الجيش الاسرائيلي، واكتسب شعبية كبيرة غير مسبوقة حتى الآن - لقد ربح قلوب المسلمين في العالم اجمع، والكثير من غير المسلمين في لبنان.

 

في 17 ايلول حضرتُ ذكرى الجنود الشهداء في حزب الله في بلدة صغيرة اسمها عيتا الشعب، قريبة من الحدود. لقد عانت عيتا الشعب من عدة اعتداءات من اسرائيل منذ عام 1970، لكن في هذه الحرب الأخيرة تم تدمير 85 % من المدينة. مائة جندي من حزب الله فقط كانوا يحاربون في عيتا الشعب و 60 منهم كانوا من سكان البلدة نفسها. والغالبية العظمى منهم لم يكونوا جنوداً محترفين. والشهداء التسع الذين استشهدوا في الحرب كانوا جنود حزب الله النموذجيين. كانوا اساتذة تاريخ وباعة حلويات، اثنان منهم قد بدأوا دراسة الهندسة في العطلة الصيفية. كان منهم من يعمل في المطاعم والمزارع وتصليح السيارات، وفي الافران. فهم قد اتموا تمرينهم في مخيم حزب الله وعادوا إلى حياتهم الطبيعية، لكنهم يذهبون احياناً للتدريب كما في احتياطي جيشنا او كما في حرسنا القومي.

 

لقد لام سكان عيتا الشعب امريكا بقدر لومهم اسرائيل لهذه الحرب التي شُنَّت ضدهم. لقد تحدث ممثل حزب الله "نواف موسوي" عن "حرب امريكية، بريطانية، واسرائيلية ضد لبنان. حتى الاطفال الصغار كانوا حذرين من تصريحات كوندوليزا رايس عن الشرق الاوسط الجديد.

 

كانت اعمار جنود حزب الله في هذه الحرب الأخيرة تتراوح بين 18 إلى 25 عاماً وهم لم يحاربوا قبل ذلك. لقد حمى هؤلاء المائة مقاتل عيتا الشعب ولم يستسلموا ابداً للجيش الاسرائيلي. وقد مكث العديد من الشيوخ في الصفوف الخلفية كي يعتنوا بجنود حزب الله. إذ ان المدينة كلها هي حزب الله. وقد اجتمع سكانها جميعهم يوم الاحد 17 ايلول لتأبين الموتى والاحتفال بالنصر.

 

بعد الاحتفال تم توزيع الرز والطعام لسكان عيتا الشعب الذين اكدوا مجدداً دعمهم لحزب الله وعزمهم على اعادة بناء مساكنهم. ويتردد على مسامعنا دوماً في لبنان ان الجنوب باكمله هو حزب الله، وكانت اسرائيل تعرف ذلك ومن هذا المنطلق كان حربها ضد شعب الجنوب. لكن الشعب كله لا يمكن ان يكون ارهابياً؟ اليس كذلك؟ لقد اعطت اسرائيل مهلة 48 ساعة للمدنيين ليغادروا الجنوب او يواجهوا الموت.

ففي ظل القانون الدولي لم يفقد المدنيّون ابداً حصانتهم، وبالاضافة إلى ذلك اصبح معلوماً ان اسرائيل لم تُنذِر او تحذر من هجماتها على احياء المدنيين (في البقاع على سبيل المثال).

 

بعد ان تسلقتُ فيما بين المدارس المدمَّرة ومحطات البنزين والمحلات التجارية والمنازل والطرقات والجسور في جنوب لبنان، وبعد ان تنقلتُ في سيارتي من قرية إلى قرية حيث رأيتها مدمرة ومسواة بالأرض من جراء العنف الذي هطل عليها. توضَّح لي ان المدنيين كانوا مستهدفين ضمن خطة مبيتة. لقد تم القاء اكثر من مليون قنبلة عنقودية، حيث 40 % منها لم تنفجر، بل هي تنتظر اطفال الجنوب كي يلعبوا بها او المزارعين كي يدوسوا فوقها، أي هدايا مستمرة العطاء!. الحقول الزراعية التي يقوم عليها اقتصاد الجنوب قد دمِّرَت بالكامل، فاسرائيل تعلم هي وامريكا ان حزب الله هو الشعب، ومن هذا المنطلق ارتأوا ان السبيل الوحيد لدفع حزب الله إلى شمال الليطاني هو تطهير الجنوب من الشيعة بجعله خطر الاقامة ومستحيل اقتصادياً بحيث لن يستطيعوا العودة إليه. لكن شيعة لبنان يفتخرون بصمودهم وثقافة مقاومتهم ضد الاحتلال والقمع، فتهجيرهم من بلداتهم ليس بتلك السهولة. فعندما توقف القتال عادوا واختبأوا ضمن الانقاض، واثقين ان حزب الله سيعوضهم ويكافئهم على نزاهتهم.

 

لقد نسيت وسائل الاعلام لبنان: فالامريكان مهتمون بما كتب "مارك فولي"، والعديد من المسلمين مهتمون فيما اذا كان البابا قد اساء للاسلام ام لا اكثر مما هم مهتمون بمن يقتل المسلمين حالياً...! عندما عاد المليون مهجر الذي نزح من جراء الارهاب الاسرائيلي، وصار ينخل كسارة احيائه صاروا يمرون فوق القنابل العنقودية، لكنهم يثقون بحزب الله بأنه سوف يأويهم ويسكنهم قبل حلول الشتاء.

عندما دفنا نحن الامريكان من فقدنا في هجمات 11 ايلول وفي الحرب على الارهاب الذي تلا ذلك (والذي كلف حياة الامريكيين اكثر بكثير مما فقِد فيها) يصبح من الجدير التساؤل: ما هو الارهاب تحديداً؟

فإذا كان الارهاب هو فرض العنف على المدنيين لأسباب سياسية، 

من هم الارهابيون إذاً؟