العدد الثامن عشر - كانون الثاني 2007

تغيير السلوك الأميركي وحقائق الصراع في المنطقة

الجمعة 19 كانون الثاني (يناير) 2007.
 

السياسة الأميركية ليست قدراً، بل مسار تقوده ادارة سياسية في اطار رؤية معينة تضع نصب أعينها أهدافاً قريبة، أو متوسطة أو بعيدة المدى، وتعمل على تحقيقها وفق سلوكيات معينة.

بيد أن  السياسة الأميركية هي من صنع البشر، وصناعة القرار في الادارة الأميركية يتولاها أناس حقيقيون من لحم ودم - خارج مفهوم "السوبرمانية الحديثة" أو "الهوليودية الخيالية" التي تطبع النظرة -للوهلة الأولى - الى كل ما هو أميركي أو يمت الى "الأمركة "بصلة قريبة أو بعيدة - وأولئك البشر حالهم حال كل الناس، يصيبون ويخطئون، ينجحون ويفشلون، يحققون انجازات ويصابون باخفاقات.

 

ولكن، الفارق الوحيد أن أولئك يعملون من ضمن منظومة مؤسسات لها قوانينها، ولها أنظمتها، ولها آلياتها الواضحة التي تشارك في صياغة القرارات الكبرى، وفي اعادة تمحيصها، أومراجعتها، أوالتأكد من فعاليتها، ودرس مدى صدقيتها ومستوى ملاءمتها لحركة الواقع الذي تتحرك فيه هذه القرارات والتي تترك -بطبيعة الحال- انعكاسات سلبية أو ايجابية على الأهداف المرسومة مسبقاً.

 

الولايات المتحدة الأمريكية دولة عظمى تملك امكانات هائلة، وقدرات ضخمة، ولديها ثقل استراتيجي كبير - ليس فقط في الشرق الأوسط- وانما على مدى العالم بأسره، وهي تملك ترسانة حربية ضخمة فيها من السلاح ما هو تقليدي و ما هو غير تقليدي، وليس هنالك عاقل الا ويدرك حجم القدرة التدميرية لهذه الترسانة التي تشهد الكرة الأرضية بدولها وشعوبها وأراضيها ومساحاتها لمدى فعاليتها في الفتك والقتل والتدمير والتخريب والتشويه والتلويث من جزر الفيليبين الى اليابان في ناغازاكي وهيروشيما، الى أنغولا، الى ليبيريا، الى كوريا الى فيتنام الى أنغولا الى نيكاراغوا الى كوبا الى افغانستان، مروراً بيوغوسلافيا، البوسنة والهرسك، وصولاً الى السودان مروراً بالصومال وانتهاءً بدول المشرق العربي في العراق ولبنان وفلسطين.

 

ثمة اقرار عالمي بغلبة "أميركية" لميزان دولي اختل جوهرياً بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، وأدى الى أحادية ما تزال تصول وتجول على مدى الكون، تنبيهاً لبقاً هنا، وتحذيراً شديد اللهجة هناك، تقليم أظافر في ذلك الاقليم، وتهديداً "عنيفاًً " أو " خفيفاً " في اقليم أخر، ارشاداً رسالياً فيه دمغة المحبة والرعاية والحماية والعطف في دولة وغزواً عسكرياً بربرياً ماحقاً في دولة أخرى.

 

ولعل "الطحشة" الأميركية في منطقتنا واضحة للعيان، وهي طحشة كسرت فيها الادارة الأميركية كل حدود المعقول والمهذب والمقبول، وخرقت بغيّها وجبروتها وعهرها كل الأعراف والقوانين والمواثيق الدولية، ووضعت على الرف كل ميثاق منظمة الأمم المتحدة حول مفاهيم السيادة لدى الدول، وحقوق تقرير المصير للشعوب والأمم والجماعات، وداست شرعة حقوق الانسان في العراق ولبنان وفلسطين، وكل هذه الموبقات ترتكبها تحت عناوين نقيضة على طول الخط لمضامينها ومعانيها وقيمها السامية التي ناضلت الشعوب لتحقيقها واقرارها سنوات وعقود ان لم يكن قروناً طويلة لترسيخها في ذاكرة الأجيال التي ولدت أو التي هي قيد الولادة أو حتى تلك التي لم تولد بعد.

 

حتى يخيل للباحث أن جزءاً من تاريخ أو حقبة قد تم اختزالها وتدميرها والقفز فوق حقائقها كأن شيئاً لم يكن، أو كأن نضال أعوام وعقود وقرون قد تم حذفه من الذاكرة وحتى من الخيال، لتبدأ الأمة من نقطة الصفر رحلة البناء الذاتي لمكونات الهوية والذات والروح المبعثرة في غياهب الصراعات المجانية العبثية ( أشورية، كلدانية، سنية، شيعية، كردية، شركسية، درزية، مسيحية)، هذه الصراعات التي ساهمت "الديمقراطية الأميركية" الخلاقة والمبدعة في رسم فسيفسائها الجديدة في انتماءات لا تعد ولا تحصى لها، وتعمل " العبقرية الأميركية" على احيائها من جديد لشغفٍ ربما بالتاريخ أو لنزقٍ متأصلٍ في كرهه كي لا تطفو على سطحه حقائق مرة تفضح عورات "الارث" الذي يحمله "أبناء العم سام" متأثرين ب "التجربة الأميركية" مع "الهنود الحمر" والتي شكلت المخاض لولادة "العالم الأميركي الجديد" تماماً مثل تجربة "اسرائيل" مع أبناء لبنان بفئاته العمرية المختلفة من أطفال مروحين وقانا وصور الى عجائز القرى الجنوبية المتشبثين بأرض الآباء والأجداد الى جبابرة مارون الراس وعيترون وبنت جبيل في جنوب لبنان في حرب تموز 2006، والتي قالت الدكتورة كونداليزا رايس أنها "المخاض الصعب لولادة الشرق الأوسط الجديد".

 

الملفت هنا، (بين هلالين) أن "الولادة" وفق الرؤية الأميركية مقدَرٌ لها أن تقترن دوماً ب" الموت" الصعب، ولكن الحتمي لنجاح "الحلم الأميركي" (بين هلالين) الصهيوني المتجدد لو لا قدَر الله ، فولادة "أفغانستان الجديدة" ترافقت مع تدمير نصف القرى والدساكر والمدائن وموت الآلاف من الأطفال والنساء والشيوخ والنساء والرجال، وولادة "العراق الجديد" والتي بدأ مخاضها الصعب فعلياً في ربيع العام 2003 اذا أسقطنا - طبعاً- من الحساب سنوات الحصار المفروض على شعبه منذ 1990 وفق معادلة " النفط مقابل الغذاء" نرى أن هذه الولادة أدت حتى الآن وحسب تقارير خبراء أميركيين (من فمك أدينك) الى موت ما يناهز 600000 انسان، "بئس الولادة" على يد القابلة الأميركية، انها قابلة الموت والفناء والعدم. 

  

السياسات الأمبراطورية تحتاج دوماً الى مبررات أخلاقية، أو ذرائع عقائدية تتكئ عليها لتعطيها "مصداقية أو مقبولية" لدى صنف الشعوب والأمم غير المدجَنة أو تلك التي تملك ذخائر أخلاقية وقيمية ومناقبية من شأنها أن تفضح المقاصد الحقيقية للمشاريع والمخططات والأحلام الأمبراطورية.

 

أثناء الحرب الباردة، تلطت السياسة الأميركية في العالم وراء شعار "مكافحة المد الشيوعي" باعتبار "الشيوعية" أحد مكونات "محور الشر" في تلك الحقبة، وكان شعار "حقوق الانسان" و طبعاً شعار "نشر الحرية".

 

ومع انتهاء الحرب الباردة، فقدت السياسة الأميركية "الأمبراطورية" احدى أهم مرتكزاتها أو منصات اطلاق مشاريعها باتجاه شعوب الأرض، فكان ضرورياً توفير شعارات اضافية أو بديلة تشكل عنوان الاختراق الجديد.

 

11 ايلول 2001- بهذا المعنى- ودون الدخول في اشكاليات حل ألغازه المختلفة، شكّل المفصل أو الذريعة لاندفاعة جديدة غير مسبوقة في دينامياتها للسياسة الأميركية أو ل "الحلم الأميركي" الجديد، فكان شعار "مكافحة الارهاب" أحد أقوى ديناميات السياسة الأميركية الجديدة في العالم كله، بعد اعادة ترتيب جديدة -طبعاً- للدول أو الشعوب التي تندرج في اطار محور الشر الجديد.

 

في منطقة الشرق الأوسط، ثمة تزاوج خطير بين مكونين: أحدهما مكون "السياسة الأميركية ذات المنشأ الأمبراطوري الصرف" وثانيهما مكون" السياسة الأميركية ذات المنشأ العقائدي الصرف" والتي تعمل على تثبيت مفاهيم أيديولوجية في العقل الأميركي - حتى الشعبي منه- تمثل تغلغلاً تاريخياً خطيراً للفكر الصهيوني الذي شكّل فعله على الدوام أحد المؤثرات الحاسمة في صناعة القرار الأميركي الخاص بشعوب وأهل المنطقة العربية، وأدى الى توظيف للقدرة الأميركية في خدمة هذا المشروع وان بأشكال مختلفة في مقابل - بطبيعة الحال- عجز عربي فاضح وتفكك مهين وعدم استغلال للقدرة العربية المفترضة في مواجهة المشروع النقيض .

 

بعد اجتياح العراق عام 2003، وبعد نجاح الغزو الأميركي في احكام سيطرته على ثروات ونفط وأرض العراق، بدأت الادارة الأميركية تتطلع الى دول الجوار، فالشرق الأوسط الجديد لا يقف عند حدود دجلة والفرات بل هو شرقٌ تترامى أطرافه ما بين النيل والفرات.

 

في تلك الآونة، بدأت سياسة الردع والتحفيز تقود المرحلة باتجاه فرض الهيمنة الأميركية على كامل المنطقة، أو على الأقل تحقيق الانتظام السياسي والاجتماعي لمكوناتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية وفق رغبة الساسة في البيت البيض الأميركي وعلى قاعدة خدمة المشروع العقائدي لجماعة المحافظين الجدد بامتداداته العالمية. 

 

في هذه الفترة بالذات، ولم تكن سكرة الغزو قد انتهى مفعولها بعد، وتحت تأثير نشوة الانتصار ، سرى تعبير جديد في اللغة الديبلوماسية الأميركية الجديدة تمثل في مصطلح "تغيير السلوك"، تحت الضغط والتهديد والوعيد، وجاءت جولة كولن باول آنذاك على دول المشرق العربي لتدفع تلك الدول أو تلك الشعوب أو تلك الجماعات لتغيير سلوكها الجذري، وقبول النصائح الأميركية، واعلان الطاعة للسيد "الأبيض" طمعاً في السلامة والخلاص من مصير محتم.

 

فتوالت الطلبات من "تغيير السلوك السوري" المتمثل في وقف الدعم لحركات المقاومة والممانعة في لبنان والعراق وفلسطين،الى "تغيير سلوك حزب الله باتجاه التحول الى حزب سياسي اجتماعي مسالم بعد نزع سلاحه المقاوم"، الى "تغيير سلوك حركة المقاومة الاسلامية "حماس" في الداخل الفلسطيني والقبول بالتسوية ولو بالشروط الأميركية المجحفة".

 

كانت الولايات المتحدة في تلك الفترة في قمة زهوها بالانتصارات الميدانية بعد سقوط نظام الديكتاتور صدام حسين، غير أن تنامي المقاومة في العراق ضد قوات الاحتلال، وتصاعد العمليات العسكرية ضد الجيوش المحتلة، وانعدام القدرة على ضبط ايقاع نبض الشارع العراقي بحركاته الوطنية الحقيقية، وازدياد الدعوات لخروج المحتل الأميركي من أرض العراق، اضافة الى تطورات الوضع الفلسطيني بعد الانتخابات التشريعية التي فازت فيها حماس منذ سنتين، وانهيار التسوية الفلسطينية - الغربية، وصولاً الى حرب تموز 2006 في لبنان، والتي تكبدت فيها اسرائيل هزيمة سياسية وعسكرية كبيرة، انعكست تراجعاً للموقف الأميركي برمته، كل هذه التطورات جسدت عمق المأزق الأميركي ووصول مشروع ما يسمى "الشرق الأوسط الكبير" الى الحائط المسدود.

 

 كل هذه المسائل فرضت مراجعة أميركية عميقة، وان بالشكل، للأسباب الكامنة وراء تلك الاخفاقات، وكانت ذروة تلك المراجعة في صدور "تقرير مجموعة الدراسات حول العراق" التي يرأسها وزير الخارجية الأميركي الأسبق جيمس بيكر والسيناتور الأميركي السابق لي هاملتون ليلقي على الادارة الأميركية توصيات، بلغ عددها 79 ، تشخص المشكلة وتقدم حلولاً تقريبية لخروج واشنطن من المأزق العراقي، وتصوّب في مجملها نحو الصراع العربي - الاسرائيلي باعتباره الحقيقة الأكثر حضوراً في المنطقة، والتي يصعب بأي حال تجاوز حقائق هذا الصراع الدامغة.

 

قيمة هذا التقرير تتمثل في كونه أول وثيقة أميركية مكتوبة تصدر عن جهة رسمية مخولة وضع خلاصات، كلها تصب في خانة ضرورة اجراء تعديلات جوهرية وشكلية على الخطط الموضوعة، اذ يشير تقرير "مجموعة الدراسات " الصادر بعنوان "الطريق الى الأمام : مقاربة جديدة" أن "الانزلاق نحو الفوضى يمكن أن يؤدي الى انهيار الحكومة العراقية وحدوث كارثة انسانية ويمكن أن يؤدي الى تدخل الدول المجاورة"، وفي موضوع الصراع العربي - الاسرائيلي يرى معدو التقرير " أن حله بات واجباً من خلال مفاوضات تضم جميع الأطراف المتنازعة، وعلى ضرورة اجراء حوار مع سوريا وايران".

 

ويرى التقرير أنه " في ضوء قدرة ايران وسوريا على التأثير على الأحداث في العراق ومصلحتهما في تفادي الفوضى فيه، على الولايات المتحدة أن تحاول اشراكهما بشكل بنَاء". وأكد التقرير في مكان أخر أنه" لا يمكن للولايات المتحدة أن تحقق أهدافها في الشرق الأوسط ما لم تتعامل مباشرة مع الصراع العربي - الاسرائيلي وعدم الاستقرار الاقليمي".

 

أهمية  تقرير "مجموعة الدراسات"هو في اقراره بحقائق لا يمكن تجاوزها، ولا سيما ما يتعلق بحقيقة الصراع القائم في المنطقة، باعتباره المحور لكل التطورات الأخرى، واعترافه بالفشل الأميركي في المنطقة، وبدور قوى المقاومة والممانعة في تغيير سلوك الادارة الأميركية في مستنقع الأزمات الممتد من العراق الى فلسطين.