العدد الثامن عشر - كانون الثاني 2007

ملاحظات حول تقرير برامرتز الأخير

الجمعة 19 كانون الثاني (يناير) 2007.
 

أصدرت لجنة التحقيق الدولية المستقلة بجريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري برئاسة القاضي البلجيكي سيرج براميرتز تقريرها الرابع وهو تقرير اللجنة السادس. تضمن التقرير معلومات حول التقدم الذي أحرزه في مختلف النواحي لكنه قدم أشياء جديدة ينبغي التوقف عندها كونها تثير تساؤلات متعددة الإتجاهات حول هذه الجريمة الكبرى:

1 - حيثيات الجريمة:

اعتبر برامرتز أن السيناريو الأكثر ترجيحاً هو تشغيل متفجرة من داخل شاحنة صغيرة نوع ميتسوبيتشي واستبعد احتمال التفجير عن بعد ، موضحاً أنه يرجح أن جهازين من أصل ثلاثة أجهزة الكترونية لحماية الموكب كانا يعملان لحظة التفجير. هذه الأجهزة تعمل على تعطيل أية إشارة يطلقها جهاز تحكم عن بعد لتفجير شحنات المتفجرات. كما تبين من الفحوصات الطبية الدقيقة أن الشخص المنفذ لم يقض طفولته في لبنان لكنه كان فيه خلال الشهرين أو الثلاثة الأخيرة التي سبقت وفاته. ويشير التقرير إلى نوع المنطقة التي عاش فيها الشخص في السنوات العشر الأخيرة من حياته مع صعوبة تحديدها بالضبط. وتلقت اللجنة معلومات أخرى عن الجذور الجغرافية لم تكشف عنها في الوقت الحاضر.

فاجأ برمرتز المراقبين أنه حل مسألة اختفاء شريط فيديو من فندق فينيسيا وكشف النقاب عنها لأول مرة وأكد أنه عثر عليه ويجري تحليله مع طرح سؤال حول سبب وصول شخص في اللحظة الأخيرة في شاحنة مستأجرة إلى مكان قريب من ساحة الجريمة قبل لحظات قليلة من الإنفجار.

أما بالنسبة للشاحنة فأعلن برامرتز أن اللجنة حصلت على معلومات تحدد تفاصيل تجهيز الشاحنة وطرق سيرها.

يكون برامرتز قد أكد نظرية الإنتحاري وتفجير الشاحنة بعد إنكار شديد من قبل المهتمين بالتحقيق من فريق 14 آذار ومحاولة تركيب رواية التفجير تحت الأرض والبحث عن أشغال أو مشاريع أشغال في مدينة بيروت لتوجيه السهام نحو بعض المسؤولين التابعين سياسياً إلى فريق مستهدف. وحيث أن برامرتز أكد التفجير الإنتحاري ينبغي ولأجل سلامة التحقيق السؤال حول السبب الذي دفع أصحاب نظرية التفجير تحت الأرض لإطلاقها في الإعلام لا سيما أن لا علاقة تربطهم بالتحقيق ولا خبرة لديهم في هذا المجال، فما هو الهدف من إطلاق هذه النظريات، ولماذا لم يترك هذا الموضوع التقني إلى أصحاب الإختصاص؟ سؤال يؤدي الجواب عليه إلى توضيح أمور كثيرة في التحقيق.

2 - أغفل التقرير أي كلام عن شهود كان يرتكز المحقق الدولي ديتليف ميلس على شهاداتهم في تقريره وأدت هذه الشهادات إلى توقيف عدد من الأشخاص بينهم رؤساء الأجهزة الأمنية. وهنا ومع استبعاد مصداقية هؤلاء الشهود لا بد للتحقيق الدولي أن يطرح تساؤلات لماذا أدلى هؤلاء الشهود بإفاداتهم ومن دفعهم لذلك؟ وهل للأمر علاقة بتضليل التحقيق أو محاولة أخذه إلى اتجاهات أخرى؟ وما هي صلاحية من دفع الشهود ودوره وإلى أي هدف يرمي؟ ثم عن الشاهد الملك القابع في باريس والذي حيّر الرأي العام اللبناني، هل هو شاهد صادق أم كاذب؟ ولماذا لا يمثل أمام القضاء اللبناني (علماً أن قاضياً لبنانياً توجه إلى فرنسا للإستماع إلى أقواله وجرى منعه من قبل السلطات الفرنسية). ولماذا أطبق الصمت حول الشاهدين الآخرين هسام هسام الموجود في سورية وإبراهيم جرجورة المعتقل في لبنان بعدما عقد الأول مؤتمراً صحافياً في دمشق أوضح فيه ظروف إدلائه بالشهادة، فيما سجل الثاني شريط فيديو لتوضيح الظروف.

3 - حول دوافع قتل الحريري، أورد برامرتز أن هذه الدوافع هي:

- جماعة متطرفة اغتالته لعلاقته بدول أخرى في المنطقة وفي الغرب.

- موقع الحريري فيما خص القرار رقم 1559.

- إمكان أن يكون التمديد لرئيس الجمهورية عاملاً.

- ضرورة قتل الحريري قبل نجاحه المحتمل في انتخابات أيار 2005.

- علاقة الحريري بجريدة النهار.

- إمكان أن يكون الحريري بصدد الكشف عن معلومات متعلقة بفضيحة بنك المدينة.

- فرضية أخرى أشار إليها برامرتز هي استخدام دوافع تبدو واضحة من قبل الضالعين في الإغتيال كغطاء مناسب مع وجود قصد دفع أفراد آخرين إلى واجهة الإتهام. أي بمعنى آخر: هدد زيد عمرو فقام أحدهم وقتل عمرو فلبس زيد تهمة القتل.

- ذكر برامرتز أن لائحة الدوافع ليست شاملة وهي تبين تعقيدات الأدلة، ما يلفت النظر بهذه الدوافع هو أولاً علاقة الحريري بجريدة النهار، ولماذا تكون هذه العلاقة سبباً يدفع لقتله لا سيما وأن برامرتز حدد جبران تويني وسمير قصير ومروان حمادة بالإضافة إلى الحريري ممن لهم علاقة بالنهار واستهدفتهم عمليات الإغتيال.

- بهذا الطرح يحيل التحقيق الدولي الجمهور اللبناني إلى تساؤلات متعددة حول العلاقة بالنهار وهو الأمر الذي لا يتوقع أحد أن يكون مدعاة لأذية فكيف الإغتيال.

- ويلفت النظر أيضاً احتمال أن يكون الحريري قد أصبح بصدد الكشف عن معلومات متعلقة بفضيحة بنك المدينة وهذا الإحتمال يجرنا إلى تحقيق بنك المدينة الذي بدأ عام 2002 مصرفياً ثم تحول إلى النيابة العامة عام 2003 حيث جرى توقيف رنا قليلات وإبراهيم بو عياش وغيرهم، واللافت للنظر هنا هو أنه بعد تغيير السلطة في لبنان توقف التحقيق في موضوع بنك المدينة أي أن الأكثرية المنبثقة عن الإنتخابات النيابية أوقفت بطريقة أو بأخرى التحقيق، ولما طالب الرئيس لحود وطالب معه بعض السياسيين باستكمال التحقيق قرر رئيس الوزراء إحالة موضوع بنك المدينة إلى التدقيق الحسابي الذي يستمر أكثر من سنة قبل استئناف التحقيق القضائي. في هذا الوقت غادر إبراهيم بو عياش لبنان "عن طريق خط المطار العسكري" كما أوردت الصحف، فيما لم يحضر حتى الآن رئيس مجلس الإدارة عدنان أبو عياش. السؤال المطروح لماذا يحتمل أن يكون الدافع هو كشف فضيحة بنك المدينة فيما أقفلت الأكثرية التحقيق في هذه الفضيحة.

- وفي الإحتمال الأخير يطرح برامرتز استخدام دوافع تبدو واضحة من قبل الضالعين في الإغتيال كغطاء مناسب بقصد دفع أفراد آخرين إلى واجهة الإتهام، وهذا من أخطر الآراء التي أدلى بها المحقق برامرتز وهذا الرأي المنبثق عن تحقيقات ووقائع ودلائل لديه يقود إلى الإستدلال بأن من نفذ الجريمة هو من استفاد منها سياسياً وقد تقصد دفع آخرين لواجهة الإتهام بهدف المنفعة السياسية. السؤال الذي يطرح منذ لحظة وقوع الجريمة وبغياب الأدلة والقرائن هو من المستفيد من الجريمة؟ الوقائع والأحداث أثبتت بلا جدل من استفاد من مقتل الحريري في تغيير سياسات في لبنان والمنطقة.

4 - في التعاون مع التحقيق، يذكر برامرتز أن قرار مجلس الأمن رقم 1595 الذي أنشأ لجنة التحقيق قد صدر تحت الفصل السابع وطلب من جميع الدول الأعضاء التعاون مع اللجنة.

وأثنى على تعاون الحكومة اللبنانية مع اللجنة مشدداً على توفير الحماية والأمن لها. وبالإنتقال إلى سورية التي تعرضت ولا تزال للإتهام والشبهة بارتكاب الجريمة يذكر برامرتز أن اللجنة ترى أن تعاون سورية كان فعالاً وجاء ضمن المهلة المحددة التي وضعتها اللجنة. وتحدث عن الإستجوابات واللقاءات التي عقدت في سورية وأعرب عن رضى اللجنة عن احترام سورية للمهل التي حددتها، واعتبرت أن المساعدة التي وفرتها سورية مرضية عموماً.

وبالإنتقال إلى تعاون الدول الأخرى، ذكر أنه رغم أن أغلبية الدول تجاوبت مع طلبات اللجنة، فإن بعض الدول تجاوب بشكل غير كامل أو بتلكؤ أو لم تتجاوب أبداً. وأضاف إن غياب التجاوب من بعض هذه الدول له تأثير سلبي (وفي ترجمة أخرى عواقب خطيرة) على انتهاء عمل اللجنة وتقدم عملية التحقيق.

إذا كانت الحكومة اللبنانية قد تعاونت بشكل جيد والحكومة السورية بشكل مرض وتام فمن هي الدول التي تجاوبت بشكل غير كامل ومن هي الدول الأخرى التي تلكأت في التجاوب، ثم وهنا الأهم من هي التي لم تتجاوب إطلاقاً مع التحقيق، ومن هي التي أدى عدم تجاوبها إلى عواقب خطيرة على تقدم عملية التحقيق. حتماً إنها وفي السياق الأدبي واللغوي والمنطقي ليست سورية ولا لبنان، فمن تكون هذه الدول التي قيل إن برامرتز كشف عنها في جلسة مغلقة حضرها أعضاء مجلس الأمن والأمين العام وبرامرتز نفسه فقط. لماذا لم تتسرب هذه الدول وهل يصح بعد كل هذا التصريح في تقرير برامرتز الإستمرار في الإستغلال السياسي للتحقيق وللجريمة دون توضيح الدول التي لم تتعاون والسبب الذي يدفعها لعدم التعاون.

أسئلة برسم المهتمين باغتيال الشهيد رفيق الحريري وأهله وأصدقائه تطرح نفسها من خلال التحقيق الدولي وليس من خلال التأويلات الإعلامية أو الإتجاهات السياسية.

 أ - لماذا كانت الحملة ضد احتمال التفجير فوق الأرض وضد احتمال الإنتحاري ومن كان وراءها وما هدفها؟

ب - لماذا اقحام شهود تبين أنهم مزورون في التحقيق ومن أقحمهم ولأي هدف طالما أن من أقحمهم يتهم علناً سورية، فلماذا لم يترك للمحقق الدولي العثور على الدلائل بل سارع إلى تضييع الشهود؟

ج - من هي الدول التي لم تتعاون ولماذا لم تتعاون خصوصاً إن الجميع في العالم يتحدث عن ضرورة كشف هذه الجريمة. أسئلة مستقاة من التحقيق الدولي وموجهة إلى الفريق السياسي الحريري بالدرجة الأولى