العدد الثامن عشر - كانون الثاني 2007

على خطى إبراهيم الخليل في الطريق الى مكة

رباب كزبري الخطيب
الاثنين 22 كانون الثاني (يناير) 2007.
 

إبراهيم.. الخليل عليه السلام..

أنه أول المسلمين.. آدم الذي قاد رحلة الفقدان.. إبراهيم (ع) صار إمام رحلة العودة بينهما ذلك العهد ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسى ولم نجد له عزماً طه115، وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهّرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع والسجود البقرة 125. تنقل إبراهيم بين أخصب المناطق في عصره وزمانه.. باحثاً عن فردوس تشكلت ملامحه داخل وعيه بكونه جنة غنية بالثمرات يأتيها رزقها في كل حين.. غيّر خطته أثناء رحلته لتجاربه المريرة مع المراكز الحضارية التي مر فيها.. لأنه وجد الإنسان الذي كان في الحضيض.. بعد أن تنقل بين أغنى مراكز الحضارة الخصبة وأهمها.. نجده يغير خط سيره جنوباً إلى قلب الصحراء، إلى الوادي الأجرد غير ذي الزرع.. رجل وزوجته ومعهما ابن لهما.. قاصدين شيئاً عليهم أن يبنوه.. لا أن يجدوه فحسب.. آدم وزوجته يسيران في الصحراء القاحلة بعد أن طُردا من الجنة.. (يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان) النور. المشهد الثاني (إني جاعلك للناس إماماً) البقرة 124.. إن اصطحاب هاجر وإسماعيل يعد تكريساً لمفهوم جديد أنه لا فرق حقاً بين أبناء آدم مهما اختلفت ألوانهم ومكانتهم المفترضة بينما لآدم ولدان هما قابيل وهابيل ـ قتل واحد منهما الآخر، فإن لإبراهيم إسماعيل وإسحاق وهبهما الله له على (كبر).. يُذكر مشهد قابيل وهابيل مشهد آخر.. قابيل لا يعرف بالضبط ماذا يفعل.. ماذا يريد... إلى أن يأتي (الغراب) ليعلمه كيف يواري سوءة أخيه..!..

المشهد الآخر إسماعيل يشمر عن ساعديه.. يحضر في الأرض ليرفع القواعد من البيت العتيق.. ليواري سوءة البشرية جمعاء.. إنها تكاملات المشهد الإبراهيمي مع مشهد أبيه آدم بينهما الطريق.. واحد قطعة ذهاباً.. والآخر قطعه إياباً.. (فأجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم) إبراهيم. مقابل تلك العداوة والبغضاء التي نتجت عن ذلك المجتمع الذي خرج من فردوسه آدم وزوجه.. هناك المحبة والتعاون والتوازن التي نتجت عن عودة المجتمع إلى قيم الفردوس في داخله وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً البقرة 125. في طريق في قلب الصحراء اللاهب.. وعواصف الرمل الحارقة يمكن أن نضيع معهم بلا دليل في عمق الصحراء. كلمة مثابة.. وهي الرجوع.. ثاب أي عاد مثل ثاب إلى رشده.. أي عاد.. والمثابة هي المرجع.. المكان الذي يُرجع إليه.. البيت المرجع إذن.. المكان الذي (رجع) إليه إبراهيم على الرغم من أنه لم يكن هناك قط.. (وإذ جعلنا البيت مثابة للناس).. أنه المكان الذي يرجع إليه كل الناس على الرغم من أنهم.. بالتأكيد.. لم يكونوا هناك من قبل.. ولم نطأه بأقدامنا.. قد يطأ الإنسان مشارق الأرض ومغاربها وقد يصل إلى أبعد نقطة في الكون.. لكنه ربما لم يذهب إلى نفسه ولا حتى مرة واحدة.. البيت هنا هو المرجع.. إنه المرجعية التي يجب أن نلجأ إلى ثوابتها وأركانها كلما ألمت بنا مسألة.. ذلك البيت الذي رفع إبراهيم قواعده بكل ما يمثل ذلك من قيم هو المرجع الحقيقي لنا.. هذا البيت مغروس فينا في فطرتنا.. وأساساته مزروعة داخل نخاعنا، أعمدته متضمنة في عمودنا الفقري.. وسقوفه تغطي آفاقنا.. ما أحلى الرجوع إليه.. ما أحلى الرجوع إلى الأماكن التي لم نكن فيها من قبل.. لكنها كانت فينا قبل أن نكون (البيت العتيق).. (مقام إبراهيم).. (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى).. أنسأل هل مقام إبراهيم هو مكان قام فيه إبراهيم في نهاية رحلة الرجوع.. التي قام بها..؟.. هل مقام إبراهيم هو المكان الذي أطل منه إبراهيم لينظر خلفه ووراءه.. على ذلك الطريق الطويل الذي قاده كالإمام لرحلة العودة؟ هل هو مكانته المهمة والمميزة بين الأنبياء والرسل؟.. ربما هو المزيج من كل ذلك.. ربما أكثر من ذلك.. لماذا لا يكون (مقام) إبراهيم.. (هو ما قام به إبراهيم في تلك الليلة الشهيرة يوم تقلب بين القمر والنجوم بحثاً عن إله لا يأفل.. ووجد يومها بعقله ذلك الإله الذي لا يأفل.. ولا ينقلب.. ولا تدور عليه الدوائر.. يوم حطم الأوثان كلها.. ومعها مكرساتها الاجتماعية.. وترك قومه وجهاً لوجه أمام كبير الأوثان..؟.. لماذا لا يكون يوم صرح لنا دون مواربة.. أنه يحتاج إلى أن يطمئن قلبه.. فترك لنا ذلك الدرس. وتلك العبرة ألا نخفي أفكارنا وهواجسنا. ونقول ونسأل إلى أن تطمئن قلوبنا؟.. لماذا لا يكون مقام إبراهيم، هو ما قام به يوم أراه الله ملكوت السموات والأرض.. فكان تعزيزاً للإيمان والدعوة في داخله؟.. لماذا لا يكون المقام ذلك المحور الطويل الذي تجول عليه إبراهيم إلى أن وصل إلى البيت العتيق. يُقال أن سبب نزول الآية قال الرسول محمد (ص) هذا مقام إبراهيم.. أجابه عمر أفلا نتخذه مصلى؟.. لا عجب أن يكون خط سير إبراهيم الجغرافي قد فتح في عهد عمر تحديداً.. في رحلة باتجاه ذلك المكان الذي سنرجع إليه بثوابته وقواعده نحتاج إلى أن نتوقف قليلاً لنصلي ركعتين عند (ما قام) به إبراهيم..

سنتوقف متأملين ربنا إني أسكنت من ذريتي بوادٍ غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة أقف عند (أسكنتهم) طويلاً وتذكرني بـ(اسكن أنت وزوجك الجنة).. لا يهم إذا كان السكن هنا في وادٍ أجرد غير ذي زرع، بينما السكن الأول في جنة (كلا حيث شئتما) المهم هو المعنى الأصلي للكلمة لا تفاصيل العنوان.. المهم هو السكينة. الهدوء الطمأنينة.. المهم أن يكون المسكن سكناً حقاً.. الباقي مجرد تفاصيل.. إذن الأمر المقصود.. اختيار إبراهيم لذلك الوادي الأجرد ليكون سكناً لذريته.. هو اختيار واعٍ عقلاني ومبني على أسس منطقية.. ما المنطق في ذلك؟.. إنه منطق اختيار الفردوس البديل.. أو المجتمع البديل إن شئتم.. إنه منطق حذف الأشياء غير الضرورية.. والتركيز على ما هو ضروري ثابت وأساسي لا غنى عنه..

كانت الحضارات تبني في المقام الأول الاقتصاد ولا شيء سواه، هذه المرة الأمر مختلف بدلاً من الأراضي الخصبة، سيكون هناك البحث عن الخصب في الداخل، والثمار في الداخل بدلاً عن أحواض الأنهار سيكون هناك نهر الحياة الذي ينبع من شرايين الداخل. هذه القارة لا علاقة لها بخطوط الطول أو العرض، ويمكن أن يكون عنوانها في وادٍ غير ذي زرع.. إنها النفس البشرية.. في هذه الصحراء.. في وادٍ غير ذي زرع خصوصاً. وضع إبراهيم تلك البذرة، وضع الحجر الأساس.. إنه النموي.. إنه الخيار المختلف هذه المرة لن يكون هناك شيئاً مشترك مع التجارب الاجتماعية. في قلب الصحراء نبدأ من جديد ويكون الأساس فكرة، عقيدة، وعليها فليجتمع الناس، ولتنشأ الحضارة، إنه ذلك الحجر الأساس الذي وضعه إبراهيم.. عن حجر كان لبنة للبناء الذي لن ينتهي بانتهاء بناء الكعبة.. بل سيظل البناء مستمراً استمرارية الحياة نفسها.. يوجد ذلك الحجر الأساس الذي دخل في صلب الشعائر.. ولكن فقدنا معنى دخوله كما فقدنا معنى كل شيء تقريباً.. إنه.. الحجر الأسود. لا يضر.. ولا ينفع.. بالتأكيد.. لكنه يذكرنا بالمجتمع البديل الذي وضع حجره الأساس هناك لا يزال باقياً.. والبناء في حاجة دوماً إلى مواصلة البناء.. ليقيموا الصلاة.. إذا كان الأمر في النهاية هو من أجل الصلاة.. فلماذا قلب الصحراء؟.. إن الصلاة لم تأت منفردة عن إقامتها في النص القرآني لأن الصلاة تنهي عن العباد والزهاد عند صعودها قبولها أو عدم قبولها أمر لا يمكن معرفته ولكن إقامة الصلاة أمر يتعلق بالأرض بقدر تعلقه بالسماء.. تأخذ من الصخر صلابته.. ومن الرمل انفتاحه.. ومن الطمي خصبه ونماءه، الصلاة القائمة لا تصعد إلى السماء لينتهي أمرها.. بل ترتفع عن الأرض قليلاً قليلاً. لتكون بناء شامخاً واضحاً للعيان؟ ذلك المجتمع يبني على كونها قائمة، على كون قيمها شاخصة.

فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم إبراهيم.. وأقارن بين اهبطوا منها بعضكم لبعض عدواً في المجتمع الأول محبة وترفّع عن المصالح، وتصالح النفس مع الذات ومع الآخر، تجتمع الأفئدة من كل مكان لا نسب عشيرة أو قرابة.. أتى إبراهيم ومعه زوجته من آخر الدنيا.. لا يريد لعشيرته أن تسنده.. أو لعشيرة زوجته أن تحميه.. المجتمع الثاني.. الأخ يقتل أخاه. الأول مجتمع الفكرة الثاني مجتمع الدم. والفرق واضح بين (تهوي إليهم) (واهبطوا).. الهاوية قد تكون أكثر أماناً من هبوط قد يبدو للوهلة الأولى مريحاً، بل أن القيمة المرتفعة تكون خطرة أكثر كلما علت إذا كانت أسسها ركيكة وباطلة.. بعض الهاويات تكون أكثر أماناً من كل القمم المتهاوية وإذ يرفع إبراهيم القواعد.. إن رفع القواعد لم يكن عملية بناء بالحجر فحسب، لقد بدأت برحلة بعقل راجح.. وفكر متوهج.. ورأس عنيد.. رفض أن يرضخ لأوثان المكرسات.. وأضاف الخرافة.. الساعد الذي رفع القواعد هو نفسه الذي حطم الأوثان.. وكان وراءه عقل تجول في الملكوت، وقلب لم يطمئن إلا بعد أن استدل.. رفع القواعد لم يكن بالسواعد فقط.. كانت هناك قبل الساعد رحلة طويلة قطعها العقل البشري أولاً.. العقل الذي شك ورفض المسلمات، وبحث واستدل.. ووجد.. هل (القواعد) التي رفعها إبراهيم كانت موجودة أصلاً؟. نعم لكنها كانت (قاعدة) في العمق. ثم رفعها إبراهيم وإسماعيل.. أين هي موجودة؟ في الأرض..؟.. في أعماق الأرض..؟ أم لعلها موجودة فينا، في أعماقنا..؟ تلك القواعد، هل هي قاعدة فينا.. في عمق سحيق لدرجة أننا لم ننتبه له وهي كل ما نحتاجه.. كل ما نتوق إليه..؟ إبراهيم واسماعيل لم يضعا تلك القواعد.. ليساهما من (بعدها) إنما عملاً فقط على رفعها.. من وضعها إذن في العمق هناك؟.. فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون النمل. أيكون هو إذن؟.. الله الذي خلق الخلق.. يسر في دواخلهم قواعد يمكن لهم إذا شاؤوا، إذا فقهوا، أن يتمكنوا من فك مفاتيحها. ورفعها للارتفاع بها... أتكون هي الفطرة ذاتها بسننها وقوانينها تصلح لأن تكون بخطوطها العامة أساساً مشتركاً بين كل البشر..؟.. تلك القواعد الموجودة فينا بعمق. مرتبطة بالبيت العتيق.. بالحجر الأساس الأسود.. لكنها تحتاج إلى من يرفعها.. في قلب الصحراء.. لنعود إلى البيت حتى لو كنا لم نزره قط.. إنه مرجعنا.. ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم البقرة: 127. علينا أن نتذكر أن الأمر لم يبدأ بالسواعد.. إنما بعقل منفتح.. بفكرة متوهجة. بفكر شامل متكامل.. بعدها جاء دور السواعد، بعد مسيرة طويلة جاء محمد عليه السلام.. في نهاية السلالات، يكون هناك شخص واحد يرثها كلها يحفظها كلها وتكون قصتها كلها موجودة فيه، وارثاً لسلالة الأنبياء والرسل وخاتمها منذ أن فقدنا ذلك الفردوس في رحلة التيه التي دخلناها منذ هبطنا وبعضنا لبعض عدو.. ولأنه كذلك، فقد كان فيه منهم أكثر مما كان فيهم منه، تلك الشعلة حملت بصماتهم.. وفي تلك الرحلة احتفظ بخطواتهم في كل خطوة خطاها، كل تجربة مرّ بها، كان هناك شيئاً منهم فيه. كان هناك شيئاً من يوسف عندما خذله الجميع.. ومن نوح عندما بنى السفينة، وشيئاً من يونس عندما ابتلعه الحوت.. وشيئاً من موسى عندما خرج وعندما عاد. وكان هناك شيئاً من كل واحد منهم فيه.. لكن مع إبراهيم كانت هناك أشياء وأشياء و.. مشهد واحد يتكرر مرتين.. يجعل المشهدين يتكاملان مع بعضهما البعض.

المشهد الأول.. إبراهيم وتلك الليلة التي خرج منها باتجاه الفجر التي أشرق فيها الفعل في داخله.. تلك الليلة.. التي أفلت فيها كل المعبودات ولم يبق سوى الذي أوجدها، خارجاً عن كل تجسيم.. تلك الليلة، تقلب فيها وجه إبراهيم، تقلب فيها عقله، عندما بزغ العقل في داخله عبر ومعه الإنسانية كلها نحو الوجه الآخر من القمر؛ ذلك الوجه الذي لا يمكن لحوت الخرافة والجهل أن يبتلعه إلى أن يصل إلى تلك الضفة حيث لا مكان للآفلين إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض.. الأنعام 79. محمد (ص) أيضاً.. ليس المهم أن تكون ليلة تقلب فيها وجهه.. ولا نهاراً احتار فيه فكره.. لكن المهم أن وجهه تقلب.. نبض قلبه بحثاً عن جهة يتوجه إليها.. تحرك عقله من أجل مكان يحتوي أفكاره.. هل كانت المسألة مسألة جهة فحسب؟.. أم كانت الجهة رمزاً لما هو أكثر من ذلك؟.. لعلها كانت ليلة تركت بصمتها أيضاً على مجرى التاريخ.. قد نرى تقلّب وجهك في السماء البقرة 144. بين الليلتين.. بين التقلبين.. بين الوجهتين الباحثتين أكثر من ربط، بينهما تكامل وتواؤم. في تقلب إبراهيم (ع) من أجل أن يجد من هو أهل لأن يُعبد كانت الحاجة إلى العبادة واضحة عند كل الناس، المشكلة كانت في أنها تتوجه إلى المكان الخطأ تلك الليلة قرر العقل الإنساني أن يحسم الأمر.. ويبحث عمن خلقه لا يتوجه إلا لله.. في تقلب محمد (ص) لم يكن يبحث عمن خلقه فالأمر حسم لكنه يبحث بين الجهات، بين الخيارات عن جهة تحقق له القرار الذي تحقق بعد الليلة الأولى.. كانت الجهة التي ستحقق ما وجده إبراهيم (ع) ستنزلها على أرض الواقع تحولها من فكرة هائمة في خيال العباد، إلى مجتمع حقيقي، يحتويها وتحتويه، يسندها وتسنده.

كانت تلك الجهات، تملك تجربتها التي اختلط فيها الصواب والخطأ، التوحيد بالوثنية، والمبادئ بالمصلحة.. هناك كان مفترق الطرق.. فلنولينك قبلة ترضاها البقرة: 144. السؤال ما القبلة؟... الصلاة لا تصح بلا ضبط الاتجاه، صحيح، القبلة مهمة جداً، وخطيرة جداً، لكن لماذا؟. ما الأمر فيها بالضبط؟.. الإسلام قام، ومنذ البداية بتفجير وإلغاء كل أنواع الوساطة بين الله والبشر، وألغى دور الكهانة التقليدية التي احتكرت طويلاً العلاقة بين الخالق والمخلوق، وشكلت طبقة متنفذة تملك ما تملك من المال والسلطة.. نتيجة لإلغاء دور الكهانة.. قام بإلغاء الدور التقليدي لدور العبادة، وتحويلها من مكان منعزل على نفسه وعلى روّاده إلى مكان منفتح على السماء وعلى العلاقة بها، وعلى الآخرين وعلى بعضهم بعضاً. ألغى التجسيم الذي حوّل الله إلى مجرد مارد عملاق له بعض القوى الخارقة.. ألغى التشبيه الذي جعل من صفات الله حبيسة داخل تصورات مادية ضيقة محصورة داخل الصفة الإنسانية. المقابلة لصفاته عز وجل.. ألغى الإسلام كل تلك القوالب والأطر والأقانيم التي قولبت فكرته تعالى وسما، وأطلقها بدلاً عن ذلك.. داخل لا حدود المطلق، داخل اللامتناهي الذي شكلته الأسماء الحسنى. ألغى فكرة الأولياء والقديسين وأشباههم وأنصافهم الذين كانوا يحتكرون جزءاً من المساحة الخاصة بين الإنسان والله. ألغى كافة الشكليات والمظاهر التي كانت تثقل العلاقة بين الفرد وربه.. الأرض كلها جعلت له مسجداً وطهوراً يستطيع أن يصلي في أي وقت، أوأي مكان.. لا يحتاج إلى أن يكون في دار عبادة، تحت إمرة كاهن، أو رجل دين.. فقط يفترش الأرض ويتطهر، ويفتح قلبه لذاك الذي يعلم ما في القلوب والعقول. شيء واحد فقط حرص الإسلام على مشكلته.. هو القبلة.. الحرص على شكل الاتجاه إليها.. أم أن الأمر ليس كذلك؟.. (القبلة) ليست مظهراً شكلياً في العلاقة بين الإنسان والله.. القبلة لغةً هي الجهة، لو تأملنا في اللفظ، لوجدنا أنها ليست أي جهة، إنها جهة يُقبل عليها الناس، جهة يَقْبَل بها الناس، بين القبول والإقبال.. ستكون (القبلة) مكاناً ينجذب الناس إليه يذهبون إليه.. يرجعون إليه حتى لو لم يكونوا فيه قط..!. يتخذونه مرجعاً.. بعد القبول هناك ما هو أكثر هناك الرضا فلنولينك قبلة ترضاها البقرة 144، بين القبول والرضا.. هناك مسافة علينا أن نقطعها نجتازها.. بين الفهم التقليدي.. والفهم المبدع.. بعدها ستتوجه القبلة وسنجد أنفسنا منجذبين إليها، هذا الانجذاب سيدخلنا في خضم تجربة حياتية مختلفة سيحيدنا من جديد. وقد كنا نجهل قبلها كم كنا أمواتاً.. عندما نخطئ القبلة في الصلاة فإن لدينا الفرصة لتصحيح الأمر، وإعادة الصلاة. لكن عندما تخطئ القبلة في الحياة.. فإن الأمر يكون أكثر تعقيداً.. أن تتجه دوماً إلى مكان واحد، أينما كنت، يعني أن عليك بالضرورة أن تحدد موقعك الذي أنت فيه.. في عالم شديد التغير، سريع التحوّل، تحديد مكانك يعني تحديد مكانتك، هل هو على السفح المعرض للانهيار؟.. أم هل هو على تلك القمة التي تأتي الهاوية بعدها بخطوة واحدة.؟. هل أنت في القعر السحيق..؟ أم في بطن الحوت..؟. أم أنك في اللامكان.؟. لأنك أقل أهمية من أن تأخذ حيزاً في هذا العالم..؟. أن تتجه دوماً إلى مكان واحد، يعني أن تكون على وعي بمكانتك أنت، أن تعرف أين تريد، ماذا تريد.. أن تعرف أنك تريد هذه.. الجهة ذاتها.. هذه القبلة ذاتها يعني أنك يجب أن تعرف بالضبط ماذا تريد من حياتك.. هذا التشديد على الجهة ليس من أجل الاتجاه الجغرافي.. لكن من أجل أن نشدد على أن يكون لدينا هدف.. لدينا مقصد.. لدينا جهة نعرف أننا نريد أن نذهب إليها.. الأمر عميق فينا، وكلما ازداد عمق جذور القبلة فينا زاد هذا الإحساس وتجذر.. وصار أصيلاً فينا. إن لدينا هدفاً ومكاناً نعرف أننا نقصده.. قد يبدو أجرد.. في وادٍ غير ذي زرع..!.. ولن تصدق كيف سينشر الجنان في أعماقك. لن تصدق كم سيكون خصباً هذا الوادي الذي بلا زرع.. لماذا مكة..؟ لماذا ذلك البيت العتيق؟.. ما الذي يجعل صلاتنا معرضة للبطلان إن لم نتوجه فيها إليه؟.. مكة تذكرنا ببداية السباق.. عندما طردنا من الجنة. وهبطنا الأرض بعضنا لبعض عدو. مكة تذكرنا برحلة التيه الطويلة التي تخبطنا فيها.. مكة تذكرنا برحلة أخرى قام بها إبراهيم (ع) نحو عمق الصحراء الجرداء. تذكرنا مكة ببيت عتيق يشبه بيت طفولتنا الأول. اتسع لأحلامنا تذكرنا بحجر أساس، وضع في عمق أحشائنا، لا يزال رطباً بالماء حوله.. لا نزال نستطيع أن نتحسسه هناك بأيدينا، لا يزال صامداً هناك في كل فرد فينا.. ننتظر أن نشمّر سواعدنا ونستكمل البناء المنتظر. بحجر أسود هو الحجر الأساس ويذكرنا الاتجاه إليها، أن بناءنا يكون أقوى وأمتن لو استند على هذا الحجر. مكة هو الاتجاه، نحو كل تلك المعاني وكل تلك الدلالات.. لا مكة في مكة. خرائط الجغرافية ليست مهمة هنا، المهم هو ذلك الإرث الإنساني الذي اختزنته مكة، هو تلك التجربة العميقة الجذور التي بذرت أول بذورها فيها.. ليس المهم في الأمر هو الاتجاه الجسدي فحسب، لكن المهم أن يصاحب ذلك الاتجاه الجسدي توجه عقلي نحو ذلك الإرث. المهم الوعي بمعنى القبلة. وجوهنا لا تزال تتقلب قبل المشرق وقبل المغرب. اليوم لفظ (تقلب) مخففه حدٍ لما يدور حقاً، فالجهات هنا لا تجذب وجوهنا المتقلبة بقدر ما تتقاذفها، الأمر يشبه دوامة تكاد تلتهمنا، حوتاً كبيراً وقد ابتلعنا. القبلة الأولى، حضارة الإقصاء والتمييز كل من ليس معنا فهو ضدنا قوة الترف والثراء والسلع الاستهلاكية، قوة البطش العسكري. القبلة الثانية. لا تملك رصيداً غير العداء للقبلة الأولى. نشؤها مرتبط بشكل أساسي بتحالف المؤسسة الدينية التقليدية مع السلطة الاستبدادية أولاً ومع القبلة الأولى ومخابراتها ثانياً.

القبلة الثالثة، تدعي الوسطية والاعتدال، وكل ما تقوم به هو وضع شعارات إسلامية على محتويات غربية تابعة للقبلة الأولى هدفها الترويج للنموذج الأول بمسميات أخرى.

هناك اختيار آخر واختلافه ليس اختلاف مظهر أو هدف فحسب، إنه اختلاف من الجذر. إنها قصة هاجر في قلب الصحراء، إنها قصة حياتنا جميعاً، إنه صراخ طفل يكاد يصم الآذان.. كان الأمر بلا زرع، من أجل أن ننتبه إلى إمكانية أن نزرع شيئاً مختلفة، شيئاً جديداً، عن كل ذلك الزرع الذي أدى إلى البوار.. في تلك الصحراء، في ذلك الوادي الذي بلا زرع كانت هناك قيم، قيم مطلقة منزوعة التفاصيل، شكلت الحجر الأساس الذي أقيم عليه البناء.. هي ذاتها التي قصدها إبراهيم، ورفع قواعدها، وهي الحجر الذي دخل في صميم الشعائر دون أن يدخل في دماغنا للأسف، قيم علينا كشفها لتكون سفينة نوح تنقذنا في الطوفان. فالأركان الخمسة في الإسلام هي الإطار الظاهر، الذي لا غنى عنه لمجموعة من القيم الداخلية، والمكونات السائدة، التي تمنح هذا الإطار فاعليته الحقيقية والواقعية.

لحظتنا التاريخية الراهنة، هي تلك اللحظة ذاتها، إنها لحظة الزلزال الذي يجبرنا على (الخروج).. ماذا سنأخذ حقاً، بينما نحن نوشك على مغادرة البناء الموشك على الانهيار.. إن الأركان لو لم تكن مجوفة وهشة مثل جذوع نخل منقعر لما تمكنت العاصفة من الإطاحة بالبناء المتداعي أصلاً، لو أن خرسانة القيم الداخلية، متينة متوازنة، وبنسب صحيحة لما كانت الأركان معرضة للانهيار، كما يحدث الآن، إن الأركان الخمسة الحقة.. هي التي شكلت البنية التحتية لمجتمع ولد عملاقاً على الرغم من جدب الصحراء المحيطة به. قيم لا تسكن المجلدات على الرف، بل تعيش مع الناس الحقيقيين. الناس في الشوارع في الحياة اليومية. الركن الخامس للإسلام، ركن الحج الذي يخيم على الأجواء الآن يأخذنا إلى نبي الله إبراهيم، وعلى الأخص رحلته التي يخرج فيها أولاً من كل المكرسات التقليدية الآفلة التي استخدم عقله ليرفضها، تجواله بين المدنيات، شعوره بظلمها وطغيانها وستذكرنا بمدنيات اليوم، سيكون طريق الحج إلى مكة مختلفاً، سيكون عندما وعي إبراهيم حقيقة أن الفردوس المستعاد لن يكون في تلك المدنيات، بل سيكون في تأسيس مجتمع من نوع آخر.. في بذر أساسيات جديدة لحضارة مختلفة، إبراهيم وضع حجر أساس مختلف، ستربطنا رحلة إبراهيم (ع) بالتاريخ ولكن بشكل مطلق، يقول إننا لم نولد البارحة، وإن قيمنا ومثلنا كانت سحيقة، لم يربط الحج بمناسك قام بها محمد (ص)، لأنه لو حدث وقت الرسول محمد (ص) صار مجرد حادثة قريبة معاصرة. لكن ارتباطها العميق بالتاريخ سيجعل التواصل بين الماضي والحاضر والمستقبل، وسيظل الأمر كذلك. ستظل تلك الفريضة، تمثل ذلك التواصل التاريخي الذي يمتد إلى آلاف السنين إلى حيث أول مجتمع قام على التوحيد.

منذ أن تدخل في نية الإحرام، ستعرف أن الأمر جد، وإنك ستترك كل شيء وراءك، وسنقول لك تلك التفاصيل الصغيرة المتعلقة بقص الأظافر والشعر، إنك هنا تدخل مرحلة تتبدل فيها أولوياتك، وإن تلك الأمور المتعلقة بجسدك ستكون هنا محض توافه لا قيمة لها. وإنك ستنقطع عنها لأنك ستدخل مرحلة جديدة، مرحلة عليك أن ترتفع فيها عن أظافرك.. إلى ما هو أعمق.. ربما لأجل رأسك أو أعماق روحك.. المهم أنك ستترك الأجزاء الظاهرية لتدخل إلى العمق.

عندما تقوم بجمع الماء في منسك (التروية) سيذكرك بصعوبة الأمر يوم كان والجهد المبذول والمشاق التي اجتيزت، سيذكر جمع الماء في تلك الصحراء الجرداء، كيف أن الأمر هو بالأساس عن أساسيات الحياة، سيرجع بنا إلى ما هو أساسي ومهم ولا يمكن لحضارة أن تقوم من دون الماء.. عندما تجمع الحصى.. سيذكرك ذلك بأنك دوماً يجب أن تكون على أهبة الاستعداد للدفاع عن قيمك ومعتقداتك، وأنه حتى لو لم يكن خطر داهم، فإن هناك خطراً دوماً كامن، سيذكرك جمعك للحصى، بأن درب استعادة الفردوس لن يكون بلا محاولات ممن أزلك وأخرجك من الفردوس في المقام الأول لكي يزلك عن درب استعادته، وسيذكرك بأن الخير والشر سيظلان يتصارعان في هذه الحياة وإن كل منهما سيرى مداً وجذراً، المهم أن تعرف أنت مع من تقف. عند رمي الجمرات، علينا أولاً تحديد العدو ومعرفته. ثم إصابة الهدف، وستذكرنا الحصى الصغيرة، أن الأمر ليس بالحجم والضخامة التي قد تؤذي الآخرين من أصحابنا، وإنما هو التوازن والانتقاء الذي يحمينا ويحميهم ويؤدي في الوقت نفسه دوره ضد الشر ورموزه. وسيذكرنا استلامنا للحجر الأسود بحقيقة أنه مجرد حجر لا ينفع ولا يضر لكنه الحجر الأساس الذي وضعه إبراهيم ليكون اللبنة الأولى لذلك المجتمع المختلف، لتلك الحضارة التي ستقوم لأول مرة على التوحيد، ظل حجراً أسود متميز عن بقية بناء الكعبة، سيظل حجراً أساساً لبناء سيظل يتطاول مستمراً، وسيكون استلامنا له كجزء من المناسك بمنزلة تحملنا لمسؤولية البناء على أساس هذا الحجر. وستذكرنا أشواط الطواف حول الكعبة أن درب الاستعادة والبناء، يتمحور حول هذا الحجر الأساس، وإن كل المبادئ والقيم، ستكون صنيعته منه وأن الطواف ما هو إلا دوران حول البؤرة، حول المنطلق الواحد حول حزمة ثوابت لن تتغير.. سيكون الرقم سبعة هنا ترميزاً للتكرار والاستمرار، سيكون الطواف بمنزلة رحلة الحياة المفترضة، ومع اقترابنا من الحجر الأسود واستلامه تأكيداً أن ينابيع تلك القيم، ونجدد البيعة مرة تلو المرة، أما السعي بين الصفا والمروة، سيذكرنا بلحظات الشدة التي مرت بها التجربة الإبراهيمية، وبجزع هاجر، وخوفها على وليدها من الموت عطشاً تجربة روحية وسنعلم أن الأمر ليس مجرد طفل رضيع تخاف أمه عليه، بل تجربة حضارية، وقيم متكاملة علينا أن نخاف عليها ونحميها ونسعى من أجلها، كما تخاف وتحافظ ونسعى من أجلها الأم الحنون على طفلها الباكي. وبعدها توزع الأضاحي على الفقراء سيذكرنا بحقيقتين أساسيتين أولاهما أن الإنسان هو السيد في هذا العالم، والعالم بثرواته وموارده، ومخلوقاته قد خلق من أجله. ثانياً: السلوك تجاه هذا العالم يجب أن يظل محكوماً بتوازنات العدالة الاجتماعية ومتطلباها.. أما التحلل والهدي، فهو عودة لتفاصيل جسدية صغيرة، لأن الإنسان سيظل بعد كل شيء إنسان. الجسد موجود على قائمة الاهتمامات ولكن ليس أولها.. الأولويات اختلفت.

الحج وشعائره يذكرنا أن التاريخ لم ينته، وأنه سيظل مستمراً، وأن علينا أن نستلهم من هذه التجربة، أننا الفاعلين الحقيقيين، ونجعل الدنيا مزرعة للآخرة.. الروح والجسد يحلقان معاً عبر اللحظة العابرة إلى التاريخ العميق، إلى الأبد السديمي في آن واحد.. فالنشوة القصوى تمر عبر الروح والجسد معاً وأخيراً صرخة مريرة من أجل حقنا في التساؤلات والأجوبة، وأنا أتذكر كيف أن تلك التفاصيل شوشت دوماً على المقاصد.. وألهت الملايين، بل مئات الملايين عن السبب الحقيقي وراء تلك المشاعر.

عن الفردوس المفقود (د. أحمد خيري العمري) بتصرف.